هل تصدّر إثيوبيا أزماتها عبر اتهام السودان ومصر بدعم المعارضة المسلحة؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم/القاهرة- بعد 6 أيام من اندلاع المعارك في شمالي إثيوبيا بين القوات الفدرالية ومقاتلي جبهة تيغراي وحلفائها من المعارضة المسلحة، اتهم قائد الجيش الإثيوبي برهانو جولا السودان و مصر وقوى أخرى بتقديم الدعم للفصائل المعارضة.
ويعتقد مراقبون ومعارضون إثيوبيون أن أديس أبابا تسعى عبر تصريحات قياداتها العسكرية بإرجاع التصاعد والتكتل المعارض إلى تدخلات وأجندات خارجية تقودها دول بالمنطقة لتعزيز التماسك الداخلي وحشد التأييد الشعبي خلف الجيش الفدرالي.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 حسام حسن يعلق على أزمة غياب محمد صلاح عن مصر أمام جنوب السودان
* list 2 of 2 شرارة تيغراي.. إثيوبيا أمام شبح حرب تتجاوز الحدود end of list
وقال رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية برهانو إن التحديات الأمنية التي تواجهها بلاده تمثل جزءا من إستراتيجية أوسع من جانب من وصفهم بـ"الخصوم التاريخيين والمعاصرين" لإثيوبيا، زاعما أن هؤلاء الخصوم انتقلوا من محاولة مواجهة أديس أبابا عسكريا بصورة مباشرة إلى دعم جماعات داخلية بالمال والاستخبارات.
وقال جولا -في تصريح السبت الماضي- إن إريتريا تؤدي دور الوسيط بين قوى خارجية وجماعات مسلحة داخل إثيوبيا، مضيفا أن إريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي لا تملكان القدرة وحدهما على مواجهة الحكومة الفدرالية، مؤكدا أن ذلك لن يكون ممكنا حتى إن تحالفتا "ما لم يتم دفعهما ودعمهما وتزويدهما من السودان ومصر وقوى أخرى".
من جانبه، قال رئيس الحزب الحاكم في إقليم عفر محمد حسين للجزيرة إن الحرب الآن تدور في 3 أقاليم إثيوبية (تيغراي وأمهرة وعفر) يتجاوز عدد سكانها 38 مليون نسمة، في مناطق قريبة من الحدود مع جيبوتي وإريتريا، مما يثير مخاوف من تحولها إلى حرب إقليمية.
"اتهامات لا أساس لها"
وتُعَد علاقة مصر بإثيوبيا شديدة الحساسية بسبب الخلاف المستمر بشأن سد النهضة الإثيوبي، كما اتسع التنافس بين القاهرة وأديس أبابا ليشمل ملفات الأمن الإقليمي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، في وقت تتشابك فيه الأزمات في إثيوبيا والسودان وإريتريا مع التنافس على النفوذ والممرات البحرية والموارد المائية.
أما علاقات السودان مع إثيوبيا فقد تدهورت بعد اندلاع الحرب في الخرطوم قبل 3 سنوات واتهام الأخيرة جارتها باستضافة قيادات قوات الدعم السريع قبل فتح معسكرات لتدريبها وقواعد تنطلق منها لمهاجمة مواقع في إقليم النيل الأزرق المتاخم لحدودها.
وردا على مزاعم برهانو جولا، رفض الجيش السوداني الاتهامات الإثيوبية، وقال المتحدث باسم الجيش عاصم عوض عبد الوهاب -في بيان أمس الأحد- إن "القوات المسلحة تؤكد رفضها القاطع لهذه المزاعم، وتعتبرها اتهامات لا أساس لها من الصحة".
وأشار إلى أن هذه التصريحات جاءت في وقت تتوافر فيه معلومات ووقائع عن استمرار دعم وإسناد قوات الدعم السريع من الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك التدريب والإمداد واستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية (الطائرات المسيّرة الإستراتيجية والانتحارية).
مصدر الصورة
احترام سيادة الدول
وعلق المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية السفير نادر نبيل زكي على تصريحات قائد الجيش الإثيوبي، قائلا للجزيرة نت "نشدد على أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على مبادئ ثابتة وراسخة، في مقدمتها الاحترام الكامل لسيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى".
وأكد المتحدث باسم الخارجية المصرية أن بلاده "ملتزمة بشكل كامل بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وترفض أي ممارسات من شأنها تقويض الأمن والاستقرار الإقليمي، انطلاقا من حرصها الدائم على إرساء دعائم الأمن والسلم والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والقارة الأفريقية بوجه عام".
من جانبه، يرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج -رئيس الشؤون المعنوية الأسبق بالقوات المسلحة المصرية- أن الاتهامات الإثيوبية لمصر مجافية تماما للحقيقة، قائلا للجزيرة نت "قولا واحدا، مصر ليست من سياستها، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة البلاد، التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المنطقة"، كما أن العقيدة العسكرية المصرية ضد التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة من دول الإقليم.
مصدر الصورة
ترتيب الجبهة الداخلية
وأشار النائب محمد سليم -وكيل لجنة الشؤون الأفريقية بمجلس النواب المصري- للجزيرة نت إلى أن الاتهامات الإثيوبية محاولة للقفز على الأزمة الداخلية التي تواجهها أديس أبابا، عبر خلق عدو خارجي في محاولة لتوحيد الصف الداخلي، مشددا على أن مصر تتبع نهجا سياسيا يرفض بشكل قاطع التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
ويقول الكاتب المهتم بشؤون القرن الأفريقي عمار عركي إن أديس أبابا لجأت في مراحل مختلفة من أزماتها إلى تحميل السودان أو مصر أو إريتريا جانبا من مسؤولية ما يجري داخل البلاد، خصوصا عندما تتسع الفجوة بين الحكومة وبعض المكونات الإثنية أو تتعدد جبهات المعارضة.
ووفقا لحديث الكاتب عركي للجزيرة نت، يمكن فهم الاتهامات الإثيوبية في سياق محاولة إعادة ترتيب الجبهة الداخلية وتعبئتها في مواجهة خطر خارجي، بما يساعد الحكومة على تحويل جزء من الاهتمام من الأزمة الداخلية إلى خصم إقليمي، ورفع مستوى التماسك حول المركز.
وبرأيه، مثلما كانت هذه الحرب متوقعة لأي متابع للشأن الإثيوبي، كذلك خطر توسع الحرب إقليميا قائم، لأن الصراع يتجاوز الأقاليم الإثيوبية لدول المنطقة، وكلما استمرت أديس أبابا في تفسير أزمتها الداخلية بـ"مؤامرة خارجية"، وكلما ردت الأطراف الإقليمية على ذلك، زادت احتمالات خروج الصراع من إطاره الإثيوبي إلى نطاق إقليمي أوسع.
وترى مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية أماني الطويل أن الحكومة الإثيوبية تواجه مأزقا حقيقيا في الوقت الراهن، خاصة أن الفصائل السبعة المسلحة التي تواجه القوات الحكومية تمثل جميع الإثنيات والطوائف الإثيوبية.
وعدَّت -في تصريح للجزيرة نت- اتهامات قائد الجيش الإثيوبي لمصر بدعم المجموعات المسلحة "محاولة مفهومة للهروب من الأزمات الداخلية"، قائلة إن أزمة سد النهضة الإثيوبي قائمة منذ عام 2011، فلماذا لم تفكر مصر في التدخل في المشهد الداخلي في إثيوبيا طوال تلك المدة حتى تتدخل الآن، خاصة أن إثيوبيا مرت خلال تلك الفترة بأزمات عنيفة داخلية.
تعقيدات جيوسياسية
ولا يستبعد خبراء ومحللون احتمال اتساع الصراع الممتد بين أقاليم تيغراي وعفر وأمهرا وتحوله إلى نزاع إقليمي، حيث يرون أن الوضع المعقد في القرن الأفريقي يتأثر بعدة عوامل جيو-سياسية، تحول الأزمة من مجرد نزاع داخلي إثيوبي إلى أزمة إقليمية أوسع.
مصدر الصورة
وفي تقديرات مهتمين بشؤون القرن الأفريقي، فإنه إذا تحول الصراع الإثيوبي إلى تهديد وجودي للنظام أو استنزاف طويل الأمد، فإن خطر تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يزداد بشكل كبير، حيث قد تجد أطراف إقليمية في إضعاف السلطة المركزية فرصة لتغيير المعادلة الجيوسياسية.
كما أن تشكيل التحالفات العسكرية والأمنية بين فصائل من قوميات مختلفة -وفق تلك القراءات- يرشح الأزمة للامتداد إلى جنوب إثيوبيا وغربها، مما يهدد بتفكك التماسك الفدرالي للدولة، ويدفع دول الجوار إلى التدخل لحماية حدودها وأمنها القومي.
وتعتمد فرصة احتواء الصراع وعدم توسعه إلى حرب إقليمية -حسب تقديرات- على مدى جدية الأطراف واستجابتها للوساطات الأفريقية والدولية، والوصول إلى حلول سياسية تشمل تسوية بتطبيق اتفاقات السلام وإعادة توزيع السلطة والثروة داخل إثيوبيا.