في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تسعى بكين إلى تحويل ثقلها الصناعي والتجاري والتكنولوجي إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل الحوكمة العالمية، مستخدمة توسع مجموعة بريكس، ومبادرة التنمية العالمية، وشبكات النقل والتجارة العابرة للقارات بوصفها أدوات متداخلة.

وتعرض الصحف الصينية هذا التوجه باعتباره مبادرة لشراكة تنموية بديلة للجنوب العالمي لا تقوم على الاصطفاف السياسي، وإنما على فتح السوق الصينية، وتبادل التكنولوجيا، وتمويل التنمية، وربط الموانئ وسلاسل الإمداد.

قصص مقترحة

list of 4 items
* list 1 of 4 "بريكس" بين الهند والصين.. هل يقود تقاربهما الجنوب العالمي؟
* list 2 of 4 زيارة شي جين بينغ إلى مصر.. الأبعاد الإستراتيجية لشراكة متنامية
* list 3 of 4 التصنيع والحوكمة الدولية.. الصين تطرح رؤيتها لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي
* list 4 of 4 الصين تكسب معركة الصورة.. هل بدأت مكانة أمريكا العالمية بالتراجع؟ end of list

غير أن الاختبار الفعلي لهذا السرد لا يكمن في قوة الخطاب، بل في مدى قدرة الشراكات على تحقيق منفعة إنتاجية متوازنة للشركاء، دون أن تتحول إلى اعتماد متزايد على الصادرات ورأس المال والبنية التحتية الصينية.

مصدر الصورة مبادرة الرئيس الصيني للتنمية تُقدّم كمنصة تصل الدول النامية ووكالات الأمم المتحدة والموارد المالية والتنموية (الفرنسية)

منصة بديلة أم تحالف مصالح

تقدم صحيفة الشعب مجموعة "بريكس" بوصفها أكثر من تجمع اقتصادي تقليدي؛ فهي -حسب قراءتها- إطار سياسي وتنموي يعبّر عن صعود دول الجنوب العالمي ويهدف إلى جعل النظام الدولي أكثر عدالة وعقلانية.

ويؤسس البروفيسور "هو شي شِنغ" -كاتب المقال- هذا التصور على أربعة أدوار متكاملة وهي: الريادة في الابتكار والتنمية، وحفظ السلام والاستقرار، وتعزيز الحوار بين الحضارات، وإصلاح الحوكمة العالمية.

وبذلك تُصاغ مجموعة "بريكس" كمنصة تجمع بين التنمية والأمن والحضارة والقواعد الدولية، وليست مجرد سوق مشتركة أو تكتل تجاري محدود الوظائف.

لكن هذا الطموح يحمل مفارقة عملية، فالتوسع من نواة صغيرة إلى 11 عضوا و10 شركاء -وفق ما أوردته الصحيفة- حلّ مسألة الانتشار والتمثيل، لكنه نقل التحدي إلى إدارة التباين في المصالح وتحويل التوافق السياسي إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

وتقر الصحيفة نفسها ضمنياً بأن مرحلة "التوسع الكبير" ينبغي أن تفسح المجال أمام "التنمية الكبرى" من خلال بناء التوافقات، وتنسيق الأفعال، وتحقيق النتائج.

إعلان

وتنفي بكين أن هذا المسار هو مشروع قيادة أو اصطفاف مضاد للغرب؛ إذ يؤكد البروفيسور شِنغ -وهو نائب الأمين العام للجنة الأكاديمية لمعاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة- على أن "الريادة" لا تعني بالضرورة "القيادة"، وأن مجموعة "بريكس" لا تقوم على الأحلاف أو المواجهة مع طرف ثالث، بل على احترام المصالح الأساسية والتعايش مع الاختلاف.

خط تشانكاي شنغهاي يعيد تشكيل منظومة الخدمات اللوجستية عبر المحيط الهادئ من خلال تقليص زمن الشحن بشكل كبير بين الصين وبيرو وتشيلي والإكوادور ودول أخرى في أمريكا اللاتينية

بواسطة وانغ بنغ

من الشعار إلى الصناعة الرقمية

تنتقل بكين في خطابها من التعددية العامة إلى أدوات إنتاجية ملموسة، في مقدمتها الذكاء الاصطناعي؛ ويرى الدكتور "يويه شِنغ سونغ" المتخصص في الحوكمة العالمية والسياسة الدولية -في مقال نشرته صحيفة هوان تشيو- أن مبادرة "الذكاء الاصطناعي لتمكين التصنيع الجديد" تستهدف نقل تعاون "بريكس" من تجارة المنتجات إلى التطوير المشترك للحلول، وبناء المعايير، وربط سلاسل الصناعة والتوريد.

ويعرض الكاتب حزمة عملية تشمل منطقة مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي بين دول "بريكس"، والتعاون في النماذج اللغوية الكبيرة، ومصانع ذكية، ومنصة سحابية للصناعة الرقمية، وتحالفا لتأهيل المهندسين والاعتراف المتبادل بمعايير كفاءاتهم.

وتكمن جاذبية هذا العرض للدول النامية في خفض تكلفة الدخول إلى عالم التكنولوجيا، ولا سيما عبر البرمجيات مفتوحة المصدر وبناء القدرات، كما أن ربط الذكاء الاصطناعي بالمصانع والطاقة واللوجستيات يمنح التعاون بعدا إنتاجيا يتجاوز الاستخدامات الاستهلاكية للتقنية.

من التأييد إلى المؤسسة

تطرح صحيفة تشاينا ديلي مبادرة التنمية العالمية باعتبارها الذراع المؤسسية والتنفيذية للمشروع الصيني في دول الجنوب العالمي، فالمبادرة التي طرحت عام 2021 تقدم كمنصة تصل الدول النامية ووكالات الأمم المتحدة والموارد المالية والتنموية، بهدف تحويل أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 إلى نتائج ملموسة في حياة الشعوب.

وتشير الصحيفة إلى أن مشاريع المبادرة حققت نتائج في أكثر من 120 دولة، وأن أكثر من 130 دولة ومنظمة دولية أبدت دعمها أو شاركت في تعاونها، فيما وقعت نحو 100 دولة ومنظمة وثائق تعاون مع الصين.

كما تضم "مجموعة أصدقاء مبادرة التنمية العالمية" 88 دولة، وقد تقدمت كيانات تابعة للأمم المتحدة بـ51 مبادرة تعاون في مجالات تشمل الوجبات المدرسية، والتجارة الرقمية، والتنمية المحلية، والتنقل الحضري المستدام.

ووفق تقدير الصحيفة، فإن بكين قد تجاوزت مرحلة التمويل التقليدي إلى مرحلة بناء قدرة مؤسسية طويلة الأمد، إذ أعلنت عن عزمها تدريب 10 آلاف مهندس من الدول النامية خلال الأعوام الخمسة المقبلة، في البنية التحتية للنقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى جانب تمويل مشروع صيني أممي لتعزيز القدرات الإحصائية وقياس التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، وتوسيع التعاون إلى الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة الجديدة، والوقاية من الكوارث.

إعلان

ومن هذا المنظور، تصبح المبادرة وسيلة لترسيخ النفوذ عبر تدريب الكوادر، وترتيب أولويات التنمية، وربطها بالمنظمات الأممية وليس عبر القروض والمشروعات فقط.

مصدر الصورة خط تشانكاي شانغهاي ساعد في نقل 355 ألف طن من الواردات والصادرات بقيمة تقارب 1.49 مليار دولار (أسوشيتد برس)

الجغرافيا تتحول إلى تجارة

يمثل خط تشانكاي شنغهاي البحري المثال الأكثر وضوحا على الانتقال من النظريات الجيوسياسية إلى البنية التحتية التجارية الفعلية، وتفيد صحيفة غلوبال تايمز الصينية بأن الخط قد نفذ 170 رحلة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب، ناقلا 141 ألف طن من البضائع بقيمة 4.04 مليارات يوان (نحو 586 مليون دولار أمريكي)، بزيادة سنوية بلغت 13.7% في حجم الشحنات و33.3% في قيمتها.

ويرى وانغ بنغ، الباحث المشارك في أكاديمية بكين للعلوم الاجتماعية -في حديثه للصحيفة- أن الخط يعيد تشكيل منظومة الخدمات اللوجستية عبر المحيط الهادئ من خلال تقليص زمن الشحن بشكل كبير بين الصين وبيرو، و أن هذا المسار -بالاستفادة من القدرات المحورية لميناء تشانكاي- يخدم بيرو وتشيلي والإكوادور ودولا أخرى في أمريكا اللاتينية.

وهنا لا تشكل البنية التحتية مجرد مشروع استثماري، بل أداة لإعادة توجيه تدفقات التجارة وسلاسل الإمداد بعيدا عن المسارات التقليدية.

وتعرض الصحيفة مكاسب ملموسة؛ إذ ساعد المسار، منذ إطلاقه أواخر 2024 وحتى الأول من سبتمبر/أيلول، في نقل 355 ألف طن من الواردات والصادرات بقيمة تقارب 10 مليارات يوان (نحو 1.49 مليار دولار أمريكي)، واتسع تنوع السلع من 34 إلى 75 صنفا.

وهذا ما يفتح الباب للتكامل، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالا عن قدرة الاقتصادات الشريكة على تطوير صناعات محلية منافسة، بدلا من ترسيخ موقعها كمورد للغذاء والمواد الأولية وسوق للسلع الصناعية الصينية منخفضة التكلفة.

شراكة مشروطة بالتوازن

تكشف القراءة المتأنية عن إستراتيجية صينية متماسكة متمثلة في تخصيص دور مجموعة "بريكس" لتوسيع التمثيل السياسي وصياغة سردية الحوكمة البديلة؛ وأن دور مبادرة التنمية العالمية هو بناء شبكات تمويل وتدريب وتعاون مع الأمم المتحدة؛ أما الذكاء الاصطناعي والصناعة الذكية فهي لتأسيس ترابط إنتاجي ومعياري؛ بينما تحول الممرات البحرية هذه الشبكات إلى تجارة سريعة وقابلة للقياس.

وتأتي قوة هذه المقاربة الصينية من أنها تختبر خطابها السياسي بأدوات عملية ملموسة من خلال تأمين منفذ إلى سوق ضخمة، تدريب هندسي، تقنيات رقمية، موانئ وخدمات جمركية، ومشروعات بنية تحتية.

لكن كلما اتسع هذا النموذج، أصبح معيار نجاحه أكثر صرامة؛ فهل ينشئ قدرة صناعية وتكنولوجية مستقلة لدى الشركاء أم يربطهم بالمركز الصيني كمصدر للتكنولوجيا والتمويل والسلع؟

لذلك، لا يبدو مستقبل مجموعة "بريكس" ودول الجنوب العالمي مرهونا بالإعلان عن تعددية جديدة فحسب، ولكن بقدرتها على إنتاج قواعد مشتركة ومتوازنة في التمويل والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتجارة.

فإذا ضمنت هذه القواعد نقل المعرفة، وتنويع الإنتاج، وشفافية التمويل، وآليات معالجة العجز التجاري، أمكن لبكين أن تقدم نموذج شراكة تنموية واسع الأثر، أما إذا تغلبت صادراتها الصناعية ومصالحها السوقية على بناء القدرات المحلية، فقد يبقى خطاب "التنمية المشتركة" أقوى من نتائجه التوزيعية لدى الدول الشريكة.