لم يكن طوفان الأقصى مجرد هجوم زعزع أركان دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل أنتج أيضا طوفانا من الاهتمام في الصحافة العربية والعالمية بمتابعة ما يجري في فلسطين وخصوصا في غزة، ذلك القطاع المقاوم الصغير في المساحة والمزدحم بالسكان.
ورغم أن وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه بعد عامين من الإبادة لم يوقف الحرب بشكل كامل، فلا غذاء ولا دواء ولا إعادة للإعمار، بل ولم تتوقف اعتداءات الاحتلال أصلا بشكل كام، إلا أن المتابع للإعلام يلحظ تراجعا في تغطية أوضاع قطاع غزة، خصوصا في ظل أحداث أخرى كبيرة تتصدرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت منذ فبراير/شباط الماضي وأنتجت آثارا سلبية كبيرة على المنطقة بل والعالم أجمع.
فهل تراجع الاهتمام فعلا؟ وإن كانت الإجابة بالإثبات فما الأسباب؟
في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تسلل مئات المقاتلين من عناصر النخبة في كتائب القسام عبر ثغرات في السياج المحيط بقطاع غزة وتقدموا لمسافة تصل إلى 22 كيلومترا داخل إسرائيل، في عملية غير مسبوقة شملت اقتحام 12 قاعدة عسكرية و22 مستوطنة.
وأسفرت العملية في ذلك اليوم عن مقتل 1179 إسرائيليا وأسر 251 آخرين، وفقا لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، ووصفت وسائل إعلام إسرائيلية ذلك باليوم الأسود في تاريخ إسرائيل.
قالت حركة حماس إنها شنت هجومها ردا على انتهاكات مستمرة على مدى سنوات منها الاعتداءات المتكررة على حرمة المسجد الأقصى واستمرار إسرائيل في سياسات تهويد القدس وتوسيع الاستيطان، وانتهاكات حقوق الأسرى في سجون الاحتلال إضافة إلى حصار غزة ومخططات تصفية وإنهاء المشروع الوطني الفلسطيني.
وما هي إلا ساعات حتى بدأت إسرائيل بآلتها الحربية الهائلة حرب إبادة لا هوادة فيها، استهدفت القطاع الفلسطيني بمقاوميه ومدنييه، وطال القصف المدمر حتى المساجد والمدارس والمستشفيات.
وبعد أكثر من عامين من الحرب المتواصلة تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار لم يحل دون اعتداءات إسرائيلية متفرقة، لتصل حصيلة الضحايا الفلسطينيين إلى نحو 74 ألف شهيد و175 ألف مصاب، فضلا عن تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع.
منذ اللحظة الأولى كان الاهتمام كبيرا بل جارفا بما جرى، حيث لم يتوقع أحد أن تتمكن حركة مقاومة في قطاع يحاصره احتلال غاشم، من إلحاق كل هذا الضرر بالمحتل الذي فرض وجوده على أرض فلسطين منذ 1948 مستغلا قوته المتنامية والدعم من دول كبرى تتقدمها الولايات المتحدة.
ثم جاءت حرب الإبادة التي شنها الاحتلال لتجذب درجة غير مسبوقة من التغطية، استمرت طويلا بسبب ما أقدمت عليه إسرائيل من تجاوز لكل القوانين والأعراف بل والأخلاقيات عبر حرب إبادة طالت البشر، والشجر والحجر، ولم تنج منها حتى الحيوانات.
صحيح أن بعض وسائل الإعلام، معظمها غربية وبعضها عربية، حاولت إلقاء اللوم على حركة تقاوم المحتل، لكن في كل الأحوال ظلت المتابعة للحدث كبيرة وكثيفة، ولم يجد حتى الإعلام المساند لإسرائيل بدا من إدانة إفراطها في القصف وتجاوزها لكل الخطوط الحمراء.
ومنذ أواخر 2023 وعلى مدى نحو عامين ظلت الحرب على غزة إحدى أكثر الملفات حضورا في نشرات الأخبار وعلى المنصات الرقمية في كثير من أنحاء العالم.
الجزيرة كانت في الصدارة كعادتها، حيث فتحت شاشتها تغطية متواصلة على مدار الساعة لما يجري في غزة، كما تصدرت موقعها مدونة بث مباشر تتابع التطورات على مدار اللحظة كما تعنى بالتداعيات وردود الفعل.
في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة دخل حيز التنفيذ في اليوم العاشر من الشهر، لتتوقف حرب الإبادة دون أن تتوقف الاعتداءات الأخرى من احتلال وحصار وغارات بين الحين والآخر، وهي اعتداءات طالت أيضا مدنا ومخيمات فلسطينية في الضفة الغربية.
هدأت وتيرة الحرب، فبدأ أهل غزة في التقاط الأنفاس، ومعهم عاد الإعلام للاهتمام بتغطية ملفات كانت قد توارت جزئيا مثل الحرب في كل من السودان وأوكرانيا، ناهيك عن تداعيات عودة دونالد ترمب للسلطة في الولايات المتحدة وما يعنيه ذلك من زخم في التصريحات والمواقف المثيرة في معظمها للجدل.
لكن صباح الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 حمل معه أخبارا سيئة مجددا للشرق الأوسط وربما للعالم أجمع، حيث بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران، لم تقتصر على 12 يوما فقط كالحرب التي سبقتها في يونيو/حزيران من العام الماضي، وإنما امتدت حتى وقتنا هذا مع اختلاف في درجة سعيرها.
لم تمر إلا ساعات حتى امتدت آثار الحرب إلى خارج نطاق الدول المتحاربة، فإيران استهدفت دول الخليج، وأغلقت مضيق هرمز، والولايات المتحدة حاصرت السواحل الإيرانية، فتراجع إنتاج الطاقة وتعثر تصديرها بالمستويات المعتادة، ليمتد التأثير السلبي إلى كل أنحاء العالم تقريبا.
ومع تصريحات تكاد تكون على مدار الساعة من الرئيس ترمب، أصبح طبيعيا أن تنتزع الحرب على إيران صدارة قائمة الاهتمامات الإعلامية عربيا وحتى عالميا.
في الأثناء، لم يعد الناس إلى حياتهم الطبيعية في فلسطين وخصوصا قطاع غزة الذي بات محتلا ومحاصرا، فالهدنة هشة وجيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل الغارات والهجمات بين الحين والآخر، وحصيلة الشهداء لا تتوقف، كما أن مئات الآلاف ما زالوا نازحين بعد أن هدمت غارات إسرائيل الوحشية منازلهم.
وحتى من ظلت منازلهم قائمة اكتشفوا مع الوقت أنها آيلة للسقوط وأن انهيارها وارد في أي وقت، ومع ذلك فقد ظل الكثيرون فيها ينتظرون مصيرهم خصوصا وأنهم لا يجدون بديلا للمأوى، كما يفتقدون الغذاء والدواء، ويفتقدون حتى الأمل في حل قريب.
قبل الفلسطينيون مضطرين بمجلس السلام الذي تبناه ترمب، بل وقبلت حماس المضي قدما في عملية نزع أو حصر السلاح وتسليمه إلى جهة فلسطينية، لكن إسرائيل ظلت تضع العراقيل وتتنصل من كل الاتفاقات.
وأصبحت المعضلة أنك لو قارنت الوضع في غزة الآن بما كان في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية فستظن أن الأزمة قد انتهت، في حين أنك لو وقفت على واقع الناس فستدرك أن المأساة مستمرة وأن توابعها ممتدة، لكنك لن تجد صدى ذلك في الإعلام كما اعتدت أن تجده من قبل.
هذا ما كان سهلا أن نلاحظه نحن العاملون بالأخبار، والمنخرطون فيها ليل نهار، لكننا أردنا توثيق الأمر من فريق رادار الجزيرة، فوافانا بنتيجة مسح شمل مراجعة لست من وسائل الإعلام العربية، فماذا كانت النتيجة؟
= بداية شمل بحث رادار 6 منصات هي: القدس، الجزيرة نت، عربي21، الشرق الأوسط، سكاي نيوز عربية، والعربي الجديد. واستخدم الفريق استعلاما أساسيا يجمع مصطلحات، فلسطين وغزة وقطاع غزة والضفة الغربية.
وحرصت دراسة رادار على التنبيه بأن البيانات وحدها لا تسمح باستنتاج أن الجمهور أصبح أقل اهتماما بفلسطين، لكنها تثبت أن فلسطين شغلت حصة أصغر من الأجندة الإخبارية للعينة خلال 2026 مقارنة بعام 2025.
كما أوضحت الدراسة أن بيانات مؤشر اهتمام الجمهور عبر جوجل تريند Google Trends قدمت تأكيدا آخر على النتيجة التي تم التوصل إليها بشأن تحليل التغطية الإعلامية، إذ يظهر مؤشر البحث العالمي عن فلسطين خلال الفترة من يناير 2025 حتى نهاية أغسطس 2026 تراجعا واضحا في مستوى الاهتمام بعد موجات ارتفاع مرتبطة بتطورات كبرى.
فقد سجل المؤشر مستويات مرتفعة مطلع 2025، ثم ارتفع مجددا خلال النصف الثاني من العام ليبلغ ذروته عند 100 نقطة تقريبا في أكتوبر 2025، قبل أن ينخفض بصورة حادة إلى نحو 60 نقطة في نوفمبر، ويواصل التراجع خلال 2026 ليصل إلى نحو 40 نقطة في مارس وأبريل، مع تعاف محدود لاحقا إلى حدود 50 نقطة خلال الصيف.
ويشير هذا المسار إلى أن الانخفاض الذي رصدته Media Cloud في حصة فلسطين من التغطية الإعلامية ترافق كذلك مع تراجع نسبي في اهتمام مستخدمي محرك Google بالموضوع، مع بقاء الاهتمام حساسا للأحداث الكبرى التي تعيد رفعه مؤقتا.
وأخيرا، فقد لفت فريق رادار إلى أن غوغل تريندس لا يقيس العدد المطلق لعمليات البحث، وإنما يعرض الاهتمام النسبي على مقياس من 0 إلى 100، بحيث تمثل 100 أعلى نقطة اهتمام خلال الفترة والموقع المحددين.
حملنا الدراسة المسحية التي قام بها فريق رادار الجزيرة، واتجهنا بها إلى الزملاء في قسم المقابلات بالجزيرة نت، الذين استطلعوا رأي عدد من خبراء الإعلام واتجاهات القراء، بشأن هذه القضية.
الأول كان مدير المؤسسة الوطنية الفلسطينية للإعلام، إبراهيم المدهون، الذي استهل حديثه للجزيرة نت مقرا بوجود تراجع في المتابعة الإعلامية للقضية الفلسطينية والشأن الفلسطيني مقارنة بالفترة الأولى من الحرب، ومعتبرا أن الأمر يمكن ملاحظته بوضوح.
وفي تفسيره للأسباب، عاد المدهون إلى بداية الحرب، وتحديدًا بعد عملية السابع من أكتوبر، حيث كان هناك حدث استثنائي ومواجهة مفتوحة، وكانت المقاومة متماسكة وقادرة على تقديم رواية إعلامية متجددة، عبر البيانات والفيديوهات وتلك الإطلالات التي كان يظهر فيها الملثم أبو عبيدة متحدثا باسم كتائب القسام.
يقول المدهون إن هذه المواد كانت تحمل بالنسبة لكثير من الناس عناصر البطولة والتحدي والأمل، وتدفعهم إلى المتابعة والتفاعل والشعور بأنهم جزء من المشهد، أما اليوم، وبعد أن طال أمد الحرب والأزمة، فقد حدث نوع من الإرهاق لدى الجمهور، تكررت المشاهد، وتكررت المأساة، وأصبح الإنسان يشاهد القصف والدمار والنزوح والجوع والموت بصورة شبه يومية.
وهنا يركز الإعلامي الفلسطيني على جانب نفسي يتمثل في ميل الناس إلى متابعة البطولة أكثر من متابعة المأساة المستمرة، فالكثيرون يحبون أن يروا أنفسهم في صورة البطل الذي يواجه الدبابة ويقاوم، لكنهم لا يريدون أن يروا أنفسهم في صورة متابع عاجز أمام أم فقدت أبناءها، أو عائلة هُدم بيتها، أو إخوان يعانون آلام الجوع والقهر والدمار.
يمضي المدهون في تحليله النفسي قائلا إن مشاهدة المأساة المستمرة لا تضع الإنسان فقط أمام مشاعر الحزن، وإنما تضعه أيضًا أمام سؤال المسؤولية: ماذا أستطيع أن أفعل؟ ولماذا أنا صامت؟ ولذلك قد يتحول التعرض المستمر للمأساة لدى بعض الناس من التعاطف إلى الإرهاق، ثم إلى التجنب النفسي.
وضمن المحور نفسه، يشير المدهون إلى ما يسميه بالهروب المعنوي عندما يشاهد البعض ما يجري في غزة، مع الشعور بالعجز تجاه وقف ما يجري، وهنا يصبح الابتعاد عن المشهد وسيلة لتخفيف هذا الشعور.
لكن هناك بعدا آخر، يتمثل فيما يصفه المتحدث بحرب على المحتوى الفلسطيني، أو على الأقل قيود وممارسات خوارزمية تؤثر في وصوله. ويشير في هذا الصدد إلى تقارير بشأن تقليل انتشار بعض المحتويات المتعلقة بفلسطين، وإغلاق أو تقييد بعض الصفحات التي تنشر هذا المحتوى على منصات التواصل الكبرى. وهذا يؤدي عمليًا إلى تضييق مساحة وصول الرواية الفلسطينية إلى الجمهور، حتى عندما يكون الجمهور نفسه راغبًا في متابعتها.
وهناك أيضا العامل الإقليمي والعالمي المتعلق بسلسلة الحروب، بداية من حرب روسيا وأوكرانيا التي لا تزال مستمرة ثم الحرب بين الهند وباكستان والهجمات الإسرائيلية على لبنان والتغيير الكبير الذي شهدته سوريا، نهاية بالحدث الأكبر المتعلق بالحرب على إيران وتداعياتها ومن بينها التهديدات المباشرة التي تشعر بها دول الخليج.
كل هذه التطورات، يرى المدهون أنها خلقت ملفات جديدة تنافس فلسطين على مساحة الاهتمام الإعلامي وعلى وقت الجمهور، ومع ذلك فهو يعتقد أن القضية الفلسطينية لم تفقد أهميتها، وما حدث هو تغير في درجة المتابعة اليومية وطريقة استهلاك الجمهور للمحتوى، لن يؤثر على كونها القضية المحورية في المشهد حتى لو تراجعت درجة المتابعة الإعلامية لها في بعض الفترات.
كما تحدثت الجزيرة نت إلى المختص في الشؤون الأمنية والعسكرية أسامة خالد، فاختار أن يبدأ بالإشارة على أن الانسداد الحاصل في الأفق السياسي والأمني والتفاوضي على مستوى القضية الفلسطينية، يلقي بظلاله على مستوى التفاعل والمشاركة بما يخص الملف الفلسطيني برمته.
كما أشار الخبير الفلسطيني إلى حالة التشرذم الحاصلة في المواقف السياسية في البيت الداخلي الفلسطيني بين فتح والسلطة الفلسطينية ومن معها من جهة؛ وبين حماس ومن معها من جهة أخرى، مؤكد أن هذا يسهم في ارتفاع وانخفاض مستوى الاهتمام الاقليمي والدولي بعمق الملف الفلسطيني وما يجري حتى في غزة.
المحور الثالث في تحليل أسامة خالد يرتبط بالناحية العسكرية حيث يرى أنه عندما تبقى العمليات العسكرية تكرر نفسها ولمدة من الوقت، فهذا يؤدي إلى تخفيف شغف المتابعة والاهتمام من قبل شريحة واسعة من الجمهور المحلي والدولي والاقليمي.
كما أنه لا يغفل دور ما يسميه بـ"الهندسة الاستخباراتية التي تستهدف هندسة العقول وكي الوعي"؛ والتي تشرف عليها جهات مختصة وبارعة في مجال التأثير على الرأي العام بل وصناعة الرأي العام الذي تريده؛ للتقليل من قيمة ما يجري على الأرض.
وأخيرا يرى الخبير الفلسطيني أن جزءا لا بأس به من الجمهور يتأثر بشكل كبير بحالة الشحن العاطفي التي تزداد مع ارتفاع وضخامة حجم الجرائم أو أحداث معينة؛ لكنها سرعان ما تتناقص مع ضعف حالة الشحن العاطفي والظروف المساعدة لها.
وكانت تقارير معهد رويترز للصحافة في السنوات الأخيرة، قد تحدثت عما سمته تجنب الأخبار أو إرهاق الأخبار، مشيرة إلى تزايد واضح في نسبة من يقولون إنهم يشعرون بالإنهاك من كمية الأخبار المتدفقة خصوصا فيما يتعلق بالحروب والكوارث والسياسة بشكل عام.
وفيما يتعلق بغزة بشكل مباشر، فقد ذكر تقرير عام 2025 أن الصور القاسية التي تتكرر يومًا بعد يوم تدفع جزءًا من الجمهور إلى الابتعاد، ليس بالضرورة بسبب انعدام اهتمامه، وإنما بسبب شعوره بالكآبة أو العجز عن فعل شيء حيال ما يراه.
ولكن، ماذا عن تراجع الاهتمام بما يجري في فلسطين من جانب الإعلام الغربي؟
من المهم أن نشير في البداية إلى دراسة أجراها باحثون في مؤشّر الانحياز الإعلامي تؤكد أن تغطية وسائل الإعلام الغربية لتطورات حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة ظلت متحيّزة، عبر تعزيز السردية الإسرائيلية والتجاهل أو التخفيف من حجم المآسي الإنسانية في القطاع الفلسطيني المدمر.
وحلل الباحثون أكثر من 54 ألف مقال نُشرت بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأغسطس/آب 2025 في 8 وسائل إعلام غربية كبرى منها "بي بي سي" البريطانية، " نيويورك تايمز" الأميركية، "لوموند" الفرنسية، "دير شبيغل" الألمانية، "ديلي تلغراف" البريطانية، "لا ليبر" البلجيكية، "ذا غلوب آند ميل" الكندية، "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية.
وأظهرت الدراسة وجود تركيز هائل على وجهة النظر الإسرائيلية، فمثلا ذكرت "نيويورك تايمز" إسرائيل 186 مرة مقابل كل مرة ذكرت فيها فلسطين، واستخدمت كلمة "فلسطين" عشر مرات فقط منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومن بين 91 عنواناً في "بي بي سي" تحتوي على كلمة فلسطين، تحدث 11 عنواناً فقط عن فلسطين بوصفها بلداً، فيما ذُكرت 80 مرة في سياق الاحتجاجات أو حركة "فلسطين أكشن" أو شعارات على الجدران.
كما تجنبت كثير من وسائل الإعلام الغربية وصف اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بأنها تمثل انتهاكا للقانون الدولي، وتجنبت كذلك استخدام وصف الاحتلال أو الحديث عن حق العودة.
وهنا تقارن الدراسة بين موقف الإعلام الغربي الذي يعتبر عودة الأوكرانيين إلى بلادهم واجباً أخلاقياً، في حين يعتبر عودة الفلسطينيين، أمرا خطيرا، ومزعزعا للاستقرار، بل وحتى معاد للسامية، هذا إن لم يكن أكثر من ذلك"
بدورها، لفتت الكاتبة روبين أندرسون، في مقال رأي نشرته الجزيرة في 2 سبتمبر/أيلول 2025، إلى بعد عملي يتعلق بإقدام سلطات الاحتلال على منع أو تقييد دخول الصحفيين إلى قطاع غزة بشكل مستقل، وإخضاع موادهم للرقابة العسكرية.
من المؤشرات المهمة في هذا الشأن أيضا، تحليل أجرته منظمة “فير” الإعلامية باستخدام قاعدة بيانات “ميديا كلاود” التي ترصد مئات المواقع الإخبارية الأميركية. بين يوليو/تموز وبداية أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث ظهرت غزة في نحو 2.3% من المواد المنشورة في عينة تضم 248 موقعًا إخباريًا أميركيًا.
وعند التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر قفزت النسبة إلى نحو 4.5%، ثم هبطت خلال الأشهر الثلاثة التالية إلى 1.5% فقط، وهو أدنى متوسط لثلاثة أشهر منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تضيف المنظمة أن التراجع نفسه يظهر حتى بشأن موضوعات إنسانية شديدة الخطورة مثل الجوع، حيث أوضح تحليل لتغطية “بي بي سي” و”غارديان” و”نيويورك تايمز” و”سي إن إن” نشر 81 مادة عن الجوع في غزة خلال مارس/آذار 2024، قبل أن ينخفض العدد إلى مادتين فقط في يوليو/تموز من العام نفسه، رغم استمرار انعدام الأمن الغذائي.
هذا عن التغطية وانحيازها من الأساس ضد فلسطين، فماذا عن أسباب تراجعها رغم أنها لم تحقق في الأساس مستوى كبيرا يليق بما يدعيه الإعلام الغربي من اهتمام بالمهنية وحرص على النزاهة؟
تحدثنا في هذا الشأن إلى علي يوسف وديت نوير، وهما مسؤولي التحرير في موقع "نبض النكبة" الدانماركي، واللذين أقرا في البداية بوجود هذا التراجع مقارنة بفترات ذروة الحرب حيث كانت غزة تتصدر تدفق الأخبار بشكل مستمر.
في البحث عن الأسباب، تحدث الصحفيان للجزيرة نت عما وصفاه بحالة من "الإرهاق الإخباري"، فعندما يواجه الأوروبيون نفس المشاهد من الدمار والقتل والمعاناة لفترة طويلة، يصبح من الصعب الحفاظ على انتباههم. لا يعني هذا بالضرورة أنهم أصبحوا غير مبالين، لكن الاهتمام بات بالحد الأدنى.
يرتبط بذلك، وجود الكثير من الأحداث والأزمات الدولية التي تنافس على جذب الانتباه خصوصا مع ارتباطها أو تأثيرها على الشؤون الشخصية والمالية للمواطن الأوروبي، ولذلك لم تعد فلسطين بالضرورة أول ما يصادفه الكثيرون عند فتح موقع إخباري أو وسائل التواصل الاجتماعي.
كما يلفت مسؤولا الموقع الدانماركي إلى أن "ما يُسمى بوقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 كانه له تأثير واضح"، فعلى الرغم من أن الهجمات الإسرائيلية وعمليات القتل لم تتوقف، إلا أن كلمة "وقف إطلاق النار" بحد ذاتها ربما أعطت الكثير من الناس انطباعاً بأن الوضع لم يعد ملحاً كما كان في السابق. وفي الوقت نفسه، بدأت غزة تحظى بمساحة أقل في التغطية الإخبارية اليومية لوسائل الإعلام التقليدية.
كما أن "هناك تحديا آخر يتمثل في التكرار.. فمع مرور الأيام، ظلت الأخبار تتمحور حول مقتل فلسطينيين أو إصابتهم أو تهجيرهم. ورغم فداحة هذا الأمر، يبدو أنه أصبح بالنسبة للعديد من الناس جزءاً من المشهد الإخباري المعتاد. وما يجب أن يكون استثنائياً، بات يواجه خطر اعتباره أمراً يومياً اعتيادياً".
وهنا يثور السؤال مجددا حول كيفية تغطية الأحداث في فلسطين، وهو ما رغب علي يوسف وديت نور في طرح وجهة نظرهما بشأنه، حيث يعتبران أن جزءا كبيرا من التغطية اعتمد على الأرقام: عدد القتلى، وعدد الأطفال، وكمية المباني المدمرة، وكيف تطورت الأرقام منذ أكتوبر 2023.
ويرى الصحفيان أن هذه الأرقام مهمة لأنها توثق حجم المأساة، لكنها لا يمكن أن تقف بمفردها، فهناك فرق بين القول إن أكثر من 20,000 طفل قد قُتلوا، وبين سرد قصة إنسانية شخصية لطفل معين له اسم، ووجه، وعائلة، وحياة.
وتُعد هند رجب مثالاً واضحاً على ذلك. فقد كان لقصتها صدى وتأثير مختلف تماماً عن العديد من الإحصاءات المستمرة للأطفال القتلى. ليس لأن حياتها كانت أغلى من حياة الأطفال الآخرين، بل لأن الناس وجدوا اسماً، ووجهاً، وقصة ملموسة يمكنهم التفاعل معها.
ولهذا يوصي الصحفيان في موقع نبض النكبة بضرورة أن تركز التغطية بشكل أكبر على الفلسطينيين أنفسهم وقصصهم الإنسانية، وبشكل أقل على الإحصائيات المجردة. فالأرقام تعبر عن الحجم، لكن القصص الشخصية تخبرنا بما تعنيه هذه الأرقام.
وهذا يعني بالنسبة لعلي يوسف وديت نور، أن وسائل الإعلام التي ترغب في الحفاظ على الاهتمام بفلسطين لا يمكنها الاكتفاء بسرد المزيد من القصص ذاتها بنفس الطريقة. بل هناك حاجة للبحث عن قصص تسلط الضوء على الجانب الإنساني، وتكشف عن جوانب جديدة للتطورات، وتجعل هذه القصص ملموسة للقارئ وأقرب إلى قلبه.
هناك زاوية أخرى في الأمر لا بد من الإشارة إليها، فحتى في المحتوى العربي سواء تمثل في مواقع أو في منصات ومواقع تواصل، فالأمر يرتبط بالهيمنة الغربية سواء عبر محركات البحث وفي مقدمتها غوغل، أو عبر الشركات المالكة للمنصات وفي مقدمتها ميتا المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب وغيرهم، أو إكس غروب التي تملك منصة إكس (تويتر سابقا).
مركز صدى سوشيال المهتم برصد وتوثيق الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني، يشير في تقرير صادر قبل أيام، إلى أكثر من خمسة آلاف انتهاك خلال النصف الأول من العام الجاري، ويقول إن منصات شركة ميتا مسؤولة عن معظمها،
ويقارن المركز بين وعود ميتا وواقع فلسطين مشيرا إلى أن الشركة تؤكد التزامها بحرية التعبير وحقوق الإنسان وعدم التمييز، في حين أن المستخدمين الفلسطينيين يواجهون قرارات تتراوح بين الحذف والتقييد والحظر للمحتوى المرتبط بفلسطين وبشهداء الحرب.
لكن لإكمال الصورة في هذا المحور، ربما يكون من المهم الإشارة إلى ما ورد في تقرير وكالة رويترز للأنباء عن عام 2025 من تأكيد لاستمرار تراجع إقبال الجمهور على المصادر الإخبارية التقليدية مثل التليفزيون والصحف والمواقع الالكترونية مقابل تنام ملحوظ للاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو وتطبيقات التجميع الإخباري.
في الختام، يبدو أن هناك أساسًا قويًا للقول إن حصة فلسطين من الانتباه الإعلامي والرقمي تراجعت مقارنة بمراحل الذروة، وخصوصًا مع انتقال الحرب في غزة إلى مرحلة ذات وتيرة أهدأ، بالتزامن مع صعود الحرب الإيرانية إلى قمة جدول الأخبار.
لكن التفسير الأقرب للبيانات ليس أن الجمهور “اكتفى بفلسطين”، ولا أن غوغل قرر دفن أخبارها، وإنما يمكن القول إن ما يحدث أقرب إلى تفاعل ثلاثة تحولات في وقت واحد:
وتبقى المفارقة أن استمرار الأزمة لا يضمن استمرار الاهتمام بها؛ ففي عالم يتدفق فيه الخبر بلا توقف، قد تصبح المأساة الطويلة أقل حضورًا إعلاميًا لا لأنها أصبحت أقل خطورة، بل لأنها أصبحت -في منطق الأخبار القاسي- أقل جِدّة.
وهنا ربما يكون التحدي الحقيقي أمام الصحافة: ليس في نشر مزيد من الأخبار المتشابهة عن فلسطين، وإنما في إيجاد زوايا جديدة تفسر ما تغير، وتكشف ما لم يكن معروفًا، وتربط الأحداث بحياة القارئ ومصالحه، وتمنحه فهمًا أعمق بدل أن تضيف خبرًا آخر إلى سيل ينهال بلا نهاية.
ولعلنا نختم بما نقلناه عن علي يوسف وديت نور ، من أن وسائل الإعلام التي ترغب في الحفاظ على الاهتمام بفلسطين لا يمكنها الاكتفاء بسرد المزيد من القصص ذاتها بنفس الطريقة. بل يجب البحث عن القصص الإنسانية التي تجذب القارئ وتمس شغاف قلبه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة