يكفي الانتقال بين 3 منصات للخرائط فوق الموقع نفسه في قطاع غزة، لملاحظة اختلاف كبير في الصورة التي تظهر للمستخدم.

ففي أجزاء من رفح وخان يونس، تكشف صور "غوغل إيرث" (Google Earth) المحدثة لعام 2026 تحولات واسعة في المشهد العمراني، وتظهر حجم الدمار الذي طال مناطق عدة في أعقاب الحرب الإسرائيلية على القطاع.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 "الخط البرتقالي".. تمدد عسكري إسرائيلي جديد يلتف على الجغرافيا بغزة
* list 2 of 3 بالصور والخرائط.. كيف تمحو إسرائيل هوية بنت جبيل وتاريخها؟
* list 3 of 3 صور أقمار صناعية.. تلوث بيئي واسع في بحر غزة بسبب تدفق مياه الصرف الصحي end of list

وعلى المواقع نفسها، تبدو الصورة مختلفة عبر "خرائط آبل" (Apple Maps) إذ تظهر مناطق واسعة بحالة عمرانية تبدو أكثر سلامة، في ظل عدم تحديث الصور المعروضة بما يواكب التغيرات التي طرأت على الأرض.

أما شمال غزة، فتقدم بوابة الخرائط الحكومية الإسرائيلية "GovMap" مشهدا آخر، بعدما أتاحت خلال سبتمبر/أيلول 2026 صورا جوية عالية الوضوح لمناطق كانت تفاصيلها مطموسة سابقا، من بينها مواقع عسكرية إسرائيلية، قبل أن تعود لاحقا إلى تقييد مستوى التفاصيل المتاح للمستخدم.

وبذلك، يمكن للموقع الجغرافي نفسه في غزة أن يظهر بصورة مختلفة تماما تبعا للمنصة المستخدمة، وتاريخ الصور الجوية المعروضة، ومستوى الدقة الذي تتيحه كل خدمة.

غوغل تحدّث المشهد

شهدت صور قطاع غزة على "غوغل إيرث" تحديثا بارزا في مايو/أيار 2026، أتاح صورا عالية الدقة التقطت في 25 فبراير/شباط من العام نفسه لمناطق في وسط القطاع وجنوبه، ولا سيما رفح وخان يونس.

وأتاح التحديث للمستخدم العادي الاطلاع على مشهد أحدث لغزة، بعدما كان الوصول إلى صور بهذا المستوى من الحداثة والتفاصيل يعتمد بدرجة أكبر على شركات الأقمار الصناعية التجارية والمنصات المتخصصة.

وفي مقارنات أعدتها الجزيرة بين صور من عام 2024 وأخرى من 2026، بقيت بعض الطرق والتقاطعات الرئيسية قابلة للتتبع، لكن المناطق المحيطة بها تغيرت بصورة واسعة.

ففي رفح تقلصت كتل عمرانية واختفت منشآت كانت ظاهرة في الصور الأقدم، بينما تظهر في أجزاء من خان يونس مساحات واسعة من الركام.

إعلان

وتظهر الصور كذلك زيادة في تجمعات الخيام والمنشآت المؤقتة داخل أراض مفتوحة ومساحات محصورة بين الطرق والأحياء العمرانية، في تغير إضافي لطبيعة استخدام الأرض داخل القطاع.

وتنسجم ضخامة التحولات الظاهرة مع أحدث تقييم منشور لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية "يونوسات" (UNOSAT) الذي أورده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

فحتى 16 يونيو/حزيران 2026، قدر المركز أن 201 ألف و290 مبنى، أي نحو 82% من إجمالي المباني في قطاع غزة، تعرضت لأحد أشكال الضرر.

وصنف التقييم 134 ألفا و422 مبنى على أنها مدمرة، إضافة إلى 13 ألفا و848 مبنى متضررا بشدة، و28 ألفا و96 مبنى متضررا بدرجة متوسطة، و24 ألفا و924 مبنى يحتمل أن تكون قد لحقت بها أضرار.

آبل تحتفظ بصورة أقدم

في المواقع نفسها التي فحصتها وحدة المصادر المفتوحة في رفح وخان يونس بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2026، لا تظهر في طبقة الصور المتاحة على آبل التحولات الحديثة التي يمكن رؤيتها بوضوح في صور "غوغل إيرث" الملتقطة في فبراير/شباط 2026.

وتبدو مبان وكتل عمرانية في أجزاء من المدينتين أقرب إلى مراحل أقدم من الحرب، رغم أن الصور الأحدث المتاحة عبر منصات أخرى تظهر أن مساحات واسعة منها تعرضت للتدمير أو تغيرت بصورة كبيرة، كما لا تعرض "خرائط آبل" للمستخدم تاريخ التقاط واضح للصور.

مصدر الصورة صور خرائط آبل لا تزال تحتفظ بمشهد قديم لغزة بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2026.

صور إسرائيلية بلا تمويه

أما الحالة الأكثر اختلافا فظهرت على بوابة الخرائط الحكومية التابعة لمركز رسم الخرائط الإسرائيلي.

ففي سبتمبر/أيلول 2026، أصبحت صور عالية الدقة التقطت عام 2025 متاحة لأجزاء من شمال قطاع غزة كانت تظهر سابقا مطموسة.

وأتاحت الصور رؤية تفاصيل لم تكن ظاهرة من قبل للمستخدم العادي، شملت مناطق متضررة ومواقع عسكرية إسرائيلية داخل المنطقة العازلة.

وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن ما لا يقل عن 11 موقعا عسكريا أمكن تمييزها في المناطق التي ظهر فيها التصوير من دون التمويه السابق.

ولم يكن واضحا حينها ما إذا كان ظهور الصور بهذا المستوى من التفاصيل ناتجا عن تغيير مقصود في سياسة النشر أم عن خلل في طريقة العرض، فيما قال الجيش الإسرائيلي للصحيفة إنه يفحص المسألة.

لكن مستوى التفاصيل لم يبق على حاله طويلا، ففي 24 سبتمبر/أيلول، أعيد تطبيق التمويه جزئيا على المناطق التي كانت قد ظهرت بدقة أعلى.

وبحسب "تايمز أوف إسرائيل" فإن الصور عالية الدقة ظلت مستخدمة، لكن الموقع أصبح يطبق التمويه عند الاقتراب من بعض المناطق.

وقال ممثل لبوابة الخرائط الإسرائيلية للصحيفة إن الصور المنشورة تخضع "للتوجيهات والموافقات ذات الصلة" وإن الموقع سيبحث المسألة مع الجهات المختصة عقب استفسارات الصحيفة.

وهكذا، لا يعكس اختلاف الخرائط ما تغيّر على الأرض فحسب، بل يكشف أيضا حدود ما يصل من هذا التغيّر إلى الجمهور. فالمكان واحد، لكن تاريخ الصورة ومصدرها ودقتها والقيود المفروضة على عرضها قد تجعل غزة التي يراها المستخدم على شاشة مختلفة جذريا عن تلك التي تظهر له على شاشة أخرى.