كابل- منذ نحو عام، بدأ سروش رحيمي، الذي يقيم في منطقة "جهلستون" جنوب العاصمة الأفغانية يلاحظ تغيرات في الجبل القائم فوق منازل السكان. وقال إن جزءا منه تحرك بعد تساقط الثلوج والأمطار.
يعيش رحيمي هنا منذ 15 عاما، ويقول إن استخراج الحجارة من أسفل المنحدر ترك أجزاء منه مجوفة، قبل أن تظهر مؤخرا تشققات جديدة أثارت مخاوف السكان من احتمال انهيار أجزاء من الجبل باتجاه منازلهم.
ويقف المواطن أمام الجبل يراقب التشققات التي يقول إنها تتسع، مشيرا إلى أن السكان سبق أن شاهدوا تغيرات في المنحدر، لكن الوضع الحالي يثير قلقا أكبر، خصوصا مع ظهور شقوق واسعة في أجزاء منه.
ويقول إن استخراج الحجارة من الجبل وبيعها خلال السنوات الماضية أدى إلى إفراغ أجزاء من أسفل المنحدر، مضيفا أن السلطات طلبت من العاملين في ذلك التوقف عن نشاطهم بعد ظهور المشكلة.
يقول محمد منصور راجي، وهو مواطن من الحي، إن كثيرا من المنازل في محيط "جهلستون" شُيدت منذ سنوات على سفوح الجبال أو بالقرب منها، بسبب محدودية الأراضي وارتفاع تكلفة السكن في العاصمة.
ويشير -في حديث للجزيرة نت- إلى أن استخراج الحجارة من أجزاء مختلفة من الجبل كان مستمرا خلال السنوات الماضية، ويعتقد أن هذه الأعمال ساهمت في إضعاف بعض أجزاء المنحدر.
ويقول إن الشقوق الحالية تمتد على طول يتراوح بين 150 و300 متر، فيما يصل عرض بعضها إلى نحو 3 أو 4 أمتار، مضيفا أن السكان يلاحظون اتساعها تدريجيا.
ويقول راجي إن نحو 300 منزل تقع في المنطقة التي يخشى السكان أن تتأثر بالانزلاق، وإن السلطات حذرت الأهالي من احتمال اضطرارهم إلى مغادرة المنطقة إذا أصبح الخطر أكبر.
لكن الإخلاء، بالنسبة إلى السكان، لا يعني فقط ترك المنزل، بل يعني أيضا العثور على مكان جديد للعيش. ويشير راجي إلى أن ارتفاع الإيجارات في كابل جعل الانتقال إلى منطقة أخرى أمرا صعبا لكثير من الأسر، خصوصا مع عودة أعداد كبيرة من الأفغان من إيران وباكستان وازدياد الطلب على الإسكان.
ومن بين سكان المنطقة عطاء الله زورمتي، الذي عاد من باكستان ويستأجر منزلا مقابل نحو 15 ألف أفغاني (العملة المحلية) شهريا.
ويقول زورمتي للجزيرة نت إن التحذيرات التي تلقاها السكان بشأن احتمال الإخلاء أثارت مخاوف كبيرة، لكنه لا يعرف إلى أين يمكن أن يذهب إذا اضطر إلى مغادرة منزله.
ويضيف أن وضعه الاقتصادي لا يسمح له بسهولة باستئجار منزل آخر، وأن كثيرا من الأسر التي عادت من باكستان تواجه المشكلة نفسها. ويقول إن السكان يعلمون أن وجود التشققات يمثل خطرا، لكنهم في الوقت نفسه لا يملكون الموارد التي تسمح لهم بالانتقال إلى مكان آخر.
تقول الإدارة الوطنية للاستعداد لمكافحة الكوارث إن فرقها الفنية أجرت تقييما للمنطقة بعد ظهور تشققات وانزلاقات في الجبل.
ويوضح المتحدث باسم الإدارة محمد يوسف حماد للجزيرة نت إن نحو 300 منزل في محيط جبل جهلستون معرضة لخطر الانهيارات الأرضية وتساقط الصخور.
وأوضح أن الإدارة اتخذت إجراءات أولية للتعامل مع الوضع، وأرسلت فرقا فنية ومتخصصة إلى المنطقة لتقييم حجم المخاطر، فيما تلقى السكان في المناطق المتصدعة أو القريبة من المنحدرات الخطرة تحذيرات بضرورة الابتعاد عن الأماكن التي قد تشهد انهيارات، مشيرا إلى أن اتخاذ قرار بشأن إخلاء الأسر يرتبط بنتائج التقييمات الفنية.
وحذر حماد من أن استمرار عدم استقرار المنحدرات قد يؤدي إلى وصول الصخور والأنقاض إلى المناطق السكنية الواقعة أسفل الجبل، خصوصا في حال هطول الأمطار أو حدوث عوامل طبيعية أخرى قد تزيد من حركة التربة والصخور.
ومن جانبه، قال أختر محمد خادم، رئيس قسم الوقاية والحد من المخاطر في الإدارة الوطنية للاستعداد لمكافحة الكوارث، إن الجزء المتضرر من الجبل يمتد على طول 350 مترا، وبعرض يصل إلى نحو 150 مترا، فيما يبلغ عرض بعض الشقوق قرابة 3 أمتار.
وأضاف خادم أن التقييمات الأولية تشير إلى أن استخراج الحجارة والحفر بصورة غير فنية في سفوح الجبل كان من بين الأسباب الرئيسية التي أسهمت في إضعاف استقرار المنحدر وتهيئة الظروف للانزلاق.
وأكد أن الجهات المختصة أوقفت هذه الأنشطة، وبدأت اتخاذ إجراءات فنية لمتابعة الوضع والحد من المخاطر.
لكن خبراء في الجيولوجيا يحذرون من اختزال أسباب ما يحدث في استخراج الحجارة وحده، مؤكدين أن استقرار المنحدرات يمكن أن يتأثر بمجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية.
ويقول الجيولوجي الأفغاني حسن مالستاني للجزيرة نت إن ما يحدث يندرج ضمن ظواهر عدم استقرار المنحدرات، لكنه يشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات احترازية عاجلة.
ويدعو مالستاني إلى وقف أعمال البناء الجديدة في المنطقة، ومنع أنشطة التعدين واستخراج الحجارة، وإجراء تقييم هندسي دقيق للمنازل الواقعة ضمن نطاق الخطر لتحديد الأسر التي تحتاج إلى الإخلاء.
أما المختص في الجيولوجيا خليل أحمد نادم، فيقول للجزيرة نت إن اتساع التشققات يستوجب مراقبة فنية عاجلة، لأن استمرار توسعها يمكن أن يؤدي إلى هبوط التربة أو انزلاق أجزاء من المنحدر.
ويشير إلى أن استخراج الحجارة قد يكون أحد العوامل، لكنه يرى أن تفسير الظاهرة يحتاج إلى دراسة أوسع تشمل طبيعة التكوين الجيولوجي للمنطقة، واستنزاف المياه الجوفية، والتوسع العمراني، والأحمال الناتجة عن البناء على المنحدرات.
ولا يقتصر القلق على المنازل السكنية، إذ تمتد المخاوف إلى "منارة جهلستون" التاريخية القريبة من موقع التشققات، وهي من المعالم المرتبطة بتاريخ المنطقة جنوب العاصمة.
ومع ظهور التشققات والانزلاقات في أجزاء من الجبل، باتت سلامة المنارة موضع متابعة من الجهات المعنية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار حركة المنحدر واتساع الشقوق إلى التأثير في المنطقة المحيطة بها.
وأجرت الجهات المعنية تقييما لوضع المنارة والمنطقة المحيطة في ظل حركة الجبل، في وقت حذرت فيه التقييمات الفنية من أن استمرار الانزلاق واتساع التشققات قد يهددان استقرار المنطقة القريبة من المعلم التاريخي.
محمد راجي من سكان جهلستون متحدثا عن المخاوف من انزلاق الجبل (الجزيرة)وتشكل أزمة السكن في كابل أحد أكبر التحديات أمام أي عملية إخلاء محتملة. وبالنسبة إلى زورمتي، فإن دفع 15 ألف أفغاني شهريا مقابل منزل مستأجر يمثل عبئا اقتصاديا، ولا يمكنه تحمل إيجار جديد وتكاليف الانتقال إذا اضطر إلى مغادرة المنطقة.
أما راجي فيرى أن السلطات لا ينبغي أن تكتفي بتحذير السكان من الخطر، بل عليها أيضا التفكير في توفير بدائل للأسر التي قد تضطر إلى ترك منازلها.
ويقول إن عائلات كثيرة لجأت إلى السكن على سفوح الجبال أو بالقرب منها بسبب ارتفاع أسعار الأراضي والمساكن في العاصمة، لتجد نفسها اليوم أمام خطر طبيعي من جهة وأزمة سكن من جهة أخرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة