آخر الأخبار

على خطى أنطاكيا.. هل تهرول إسرائيل نحو ساعاتها الأخيرة؟

شارك

إن زراعة شجرة تفاح في الربع الخالي لن تجعلها تنمو ولن تثمر، كما أن زراعة شجرة نخيل في أعالي جبال لبنان لن نأكل منها تمرا؛ وما ينطبق على نواميس الحياة ينطبق أيضا على نشأة الدول.

تموت الدول كما تموت النباتات إذا زُرعت في غير بيئتها

إن استزرعت بذرة غريبة في غير بيئتها فإنها لا تعيش طويلا. وحتى لا نبقى في الإطار المقارن فقط، نذكّر بالممالك الأوروبية التي أُنشئت في بلادنا في العصور الوسطى إبان الحملات الأوروبية الصليبية؛ حيث كانت هناك مملكة في بيت المقدس، وممالك في الكرك وطرابلس وأنطاكيا، وسيطرة كاملة على الساحل السوري من غزة إلى إسكندرون.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بين التفاوض واستعادة الأراضي.. خيارات سوريا في مواجهة إسرائيل
* list 2 of 2 أزمة الممرات البحرية ترفع مخاطر الشحن وتهدد أمن الملاحة الدولية end of list

وقد طال بقاء هذه الممالك لعقود طويلة، لكن لم يبقَ لها أثر بعد ذلك، ورحلت بعد أن ذوت وماتت تماما مثل أي نبات استُزرع في غير بيئته، والأمر ذاته ينطبق على "إسرائيل".

إن بذرة "إسرائيل" بذرة صناعية استُحضِرت في مختبر " عنصري" في أوروبا بجينات غربية خالصة، أتوا بها واستزرعوها في فلسطين. وهي اليوم، كما جرى مع تلك الدويلات في القرون الوسطى، كَبُرت واشتدّ عودها وأصبحت حاضرة على الخريطة الديمغرافية والسياسية، لكنها لن تستطيع الاستمرار؛ فالبيئة نفسها تلفظها، كما أن تلك البذرة غير مواتية لهذه الأرض.

فـ"إسرائيل" عمرها تجاوز 78 عاما، ومع ذلك فهي مرفوضة من أصحاب البلاد الأصليين. فهي تحتل الجولان منذ عام 1967 بل وضمّته أيضا، ومع ذلك فإن شعب الجولان العربي يرفض رفضا قاطعا الحصول على الجنسية الإسرائيلية. كما أن "إسرائيل" ترتبط بمعاهدات سلام مع دول عربية (الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية)، وعلى الرغم من مرور عقود طويلة على تلك المعاهدات، فمن الصعب أن ترى إسرائيليا باللباس اليهودي التقليدي يسير في شوارع عمّان أو القاهرة.. إذن، فرفض "إسرائيل" رفض مزدوج متبادل بين "إسرائيل" كبذرة غربية وبين البيئة العربية.

إن من نواميس الحياة أن جسم الإنسان حين يُزرع فيه عضو من الخارج، فإن الجسم غريزيا يرفض هذا العضو، وحتى الآن لم يستطع الطب أن يحلّ رموز شفرة هذا الرفض.

"إسرائيل" تمارس الفصل العنصري ضد العرب من جهة، وتحشر نفسها في إطار يهوديتها الضيقة من جهة أخرى في حيز ضيق مغلق تتراكم فيه الفضلات، مما يؤدي إلى وقف نمو الدولة، وبالتالي الموت

تتلاشى الدول إذا أُنشئت على نظام الفصل العنصري

في السياق ذاته، فإن الدولة التي تُنشأ على أساس نظام فصل عنصري، وإن نشأت وترعرعت، فلا بد أن تأتي لحظة تاريخية حاسمة وتسقط، ويعود الأمر إلى أصله من تماثل وتطابق بين أرض الدولة وأصحابها الأصليين.

إعلان

وتُعدّ دولة جنوب أفريقيا أكبر دليل على ذلك؛ فقد نشأت على أساس الفصل العنصري وتنكرت لحقوق السكان الأصليين من أفارقة وهنود، وعظمت قوة تلك الدولة العنصرية حتى أصبحت واحدة من أكبر الاقتصادات عالميا، ومع ذلك، وفي نقطة زمنية تصالح التاريخ فيها مع نفسه، سقطت تلك الدولة كما تسقط ثمرة من شجرة باسقة، وانتهت جنوب أفريقيا كدولة عنصرية، وهي اليوم نموذج للمساواة والحرية والمواطنة وحقوق الإنسان. ولأنها ذاقت مرارة التمييز العنصري، فإنها الدولة الأولى التي ترفع شعار "الحرية لشعب فلسطين".

كما أن دولة مثل زيمبابوي تشبه إلى حد بعيد مسار دولة جنوب أفريقيا في التحول من العنصرية والاستعمار إلى الانعتاق والمساواة؛ إذ أسماها المستعمرون الأوروبيون "روديسيا البيضاء"، وفي لحظة تاريخية حاسمة مشابهة عادت زيمبابوي إلى اسمها ومضمونها الوطني وشعبها.

وبالنتيجة، فإن الكيانية التي تقوم على أساس عنصري مغتصب لحقوق المواطنة لا بد أن تندحر وتسقط. فألمانيا توسّعت إلى حدود غير عادية واحتلت ثلثي أوروبا، ومع ذلك لم تستطع تلك الدولة العنصرية أن تخلق حالة من القبول لدى الطرف الآخر المحتَلّ.

كما أن الدولة إذا ذهبت إلى التوسع على غرار الإمبراطوريات الكبرى، فإن غريزة التوسع لديها توصلها إلى حد لا تعود فيه قادرة على حماية ما توسّعت فيه، تماما مثل كل الإمبراطوريات التي مرت في التاريخ (كالفارسية والرومانية واليونانية)، والتي تضخمت حتى لم تعد تستطيع إدماج أو إدارة المناطق الجديدة، وكانت النتيجة ليست اندحارها عن الأراضي المحتلة فحسب، بل سقوطها أيضا.

وفي السياق نفسه، تحاول "إسرائيل" اليوم أن تتوسع خارج إطار ما احتلّته عام 1948 بالتهام الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان والجولان، ولا نراها قادرة على ذلك؛ فلا هي قادرة على إحكام السيطرة على الضفة أو غزة، ولا تجد سبيلا لها في لبنان أو في الجولان الذي تحتله منذ أكثر من خمسين عاما. إن انكماش "إسرائيل" وتحلّلها وسقوطها هو أمر يتفق مع مسار حركة التاريخ، ويتطابق مع الأمثلة التي ذكرناها.

إن وجود "إسرائيل" وجود مؤقت تماما مثل دولة بيت المقدس وأنطاكيا، ومثل جنوب أفريقيا وروديسيا البيضاء، وسقوطها سيكون مدويا لا محالة

تموت الدول كالبكتيريا إذا استُزرعت في حيز مغلق فتقتلها فضلاتها

إن أخطر ما يؤثر على الدول ويؤدي إلى الإسراع بسقوطها هو انحشارها في حيز ضيق ومغلق. ومن الأمثلة على ذلك: استزراع بكتيريا في طبق "بتري" كنموذج مختبري بحيز ضيق ومغلق؛ ففي البداية تُقدّم لها الظروف المواتية للعيش والتكاثر والنمو إلى حد يصبح فيه هذا الحيز ضيقا عليها، فيحول بينها وبين المزيد من النمو، وتتراكم فضلاتها التي تنتجها فتقتلها؛ لأن البيئة في هذا الحيز المغلق تصبح غير مواتية للنمو، بل تؤدي إلى الموت. وهذا ما ينطبق تماما على "إسرائيل".

فقد وضعت "إسرائيل" نفسها في حيز مجتمعي ضيق جدا، واعتبرت نفسها دولة يهودية دون النظر إلى بقية المكونات في فلسطين المحتلة، ووقعت في مصيدة العنصرية المقيتة وما يترتب عليها من تناقضات؛ فهي في تناقض حاد جدا مع العرب المسيحيين والمسلمين باعتبارها دولة يهودية متشددة لا تعترف بالمسيحية ولا بالإسلام، وهي في تناقض ورفض حتى لمن أراد أن يعمل في المؤسسات الإسرائيلية من العرب.

إعلان

والأخطر من كل ذلك أن المجتمع اليهودي نفسه في حالة من التناقض الشديد؛ فـ"إسرائيل" التي قامت بداية على أساس هوية ليبرالية وبمسحة اشتراكية، تحولت بسرعة إلى دولة يمينية، ومن ثم إلى دولة يمينية متشددة تسير بخطوات متسارعة نحو نموذج الإبادة العنصرية. وهذا يعني تناقضا حادا مع بقية مكونات المجتمع اليهودي نفسه؛ فقوى التطرف المغرقة في يمينيتها اليوم تكره التيار العام في "إسرائيل"، سواء كان من الليبراليين أو الاشتراكيين أو اليساريين.

بل إنها في تناقض مع قوى يهودية متدينة؛ فالـ"حريديم" الذين يشكلون نحو 20% من المجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة هم مجتمع منغلق على ذاته، يرفضون حتى الاحتفال بعيد قيام الدولة ويرفضون المشاركة في عزاء الجنود الذين يموتون في مواقع القتال المختلفة، وكذلك يرفضون الالتحاق بالخدمة العسكرية، بل يهددون بمغادرة البلاد إذا فرضت عليهم الخدمة، مما يعني عدم إيمانهم بمضمون الدولة الصهيونية.

تحاول "إسرائيل" اليوم أن تتوسع خارج إطار ما احتلّته عام 1948 بالتهام الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان والجولان، ولا نراها قادرة على ذلك؛ فلا هي قادرة على إحكام السيطرة على الضفة أو غزة، ولا تجد سبيلا لها في لبنان أو في الجولان الذي تحتله منذ أكثر من خمسين عاما

كما أن هناك طائفة دينية واجتماعية في المجتمع اليهودي لا تقرّ بوجود دولة يهودية، وأقصد بذلك طائفة "ناطوري كارتا" التي تعتبر أن الأرض المحتلة هي أرض الدولة الفلسطينية وأن الرئيس محمود عباس هو رئيسهم، وقبل احتلال الضفة الغربية كان هؤلاء يعتبرون طائفتهم جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية. كما أن في الكنيست العديد من النواب الذين يرون أنه ليس من الضروري كي نحترم إبراهيم الخليل أن نحتل الخليل، فهؤلاء ممن يعتقدون أن حدود دولة "إسرائيل" هي في إطار حدود عام 1948.

إذن، فهذه "إسرائيل" تمارس الفصل العنصري ضد العرب من جهة، وتحشر نفسها في إطار يهوديتها الضيقة من جهة أخرى في حيز ضيق مغلق تتراكم فيه الفضلات، مما يؤدي إلى وقف نمو الدولة، وبالتالي الموت المحقق، تماما مثل تلك البكتيريا التي زُرعت في ظروف أدّت بها فضلاتها إلى الموت.

خاتمة: زوال حتمي ومصير مؤقت

وبعد، فإن "إسرائيل" إلى زوال؛ فبالإضافة إلى هذه المعاني المشتقة من نواميس الحياة ومن تجارب مماثلة، فإن "إسرائيل" تعتمد اعتمادا كاملا في اقتصادها وأمنها على الولايات المتحدة وعلى الغرب. ونلاحظ اليوم أن هناك انكشافا في هذا المشروع الذي فقد قشرته الزاهية الملونة المزيفة التي كان يعتقد المجتمع الغربي أنها "تلك الدولة المسكينة المحاطة بعرب مجرمين يريدون رميها في البحر". فقد انكشفت "إسرائيل" على حقيقتها وبدت كدولة قاتلة خارجة عن كل القوانين والأعراف الدولية.

إن وجود "إسرائيل" وجود مؤقت تماما مثل دولة بيت المقدس وأنطاكيا، ومثل جنوب أفريقيا وروديسيا البيضاء، وسقوطها سيكون مدويا لا محالة.

يقول المفكر والمؤرخ الإسرائيلي البارز إيلان بابيه: "المشروع الصهيوني يتجه الآن نحو التفكك والانهيار بقيادة دولة "يهودا الدموية"، وفلسطين ستعود إلى أهلها بلا شك…".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا