في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتحرك بغداد على خط فاصل بين استحقاقين متعارضين: إظهار تقدم ملموس في حصر السلاح بيد الدولة لتفادي العقوبات والضغط الأمريكي، ومنع تحويل الملف إلى مواجهة داخلية مع فصائل ترى أن شروطا أمنية وسيادية تسبق تسليم السلاح، لذلك تبدو إعادة تفكيك المهلة محاولة لإدارة التناقض لا للتراجع عن الهدف.
فالحكومة العراقية نفت وجود سقف زمني محدد لأعمال لجنة حصر السلاح، قبل انتهاء مهمة التحالف الدولي في نهاية سبتمبر/أيلول الجاري، وبعد حديث سابق عن التزام بموعد محدد. وهنا تبدو المسألة أبعد من تعديل موعد، لأنها تعكس حسابات بغداد لتجنب انفجار سياسي وأمني قد تتسع تداعياته.
وخلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر"، يرى الخبير في الشؤون السياسية والإستراتيجية الدكتور حسين علاوي أن غياب الموعد النهائي لا يعني تراجعا، بل انتقالا إلى مرحلة أكثر حساسية عنوانها بناء الثقة بين الحكومة والفصائل، تمهيدا لتسوية تدريجية تحفظ استقرار الدولة.
وتقوم هذه القراءة على أن الحكومة لا تتعامل مع السلاح بوصفه ملفا منفصلا، وإنما تربطه بمسار أوسع لاستكمال السيادة العراقية، من إنهاء مهمة التحالف إلى ضبط الحدود والأجواء وتنظيم العلاقة مع دول الجوار، لذلك يصبح التدرج وسيلة لتقليل كلفة الانتقال داخليا.
ويعزز هذا المنظور أن الفصائل -بحسب المحلل السياسي كاظم الحاج- لا ترفض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة من حيث الأصل، لكنها تربط التنفيذ بمعالجة ما تعده انتهاكات للسيادة، وترتيبات تتصل بالحضور التركي والبيشمركة والمعارضة الإيرانية، بما يغير شروط المعادلة.
وهنا تتضح مناورة بغداد: بدلا من تحويل 30 سبتمبر/أيلول إلى نقطة صدام، يجري التعامل معه بوصفه محطة في مسار أطول، فالحكومة تستطيع تقديم إنهاء مهمة التحالف بوصفه إنجازا سياديا، في حين تواصل التفاوض على السلاح ضمن بيئة أقل قابلية للانفجار.
لكن هذه المرونة تحمل في المقابل مخاطرة خارجية واضحة، فالموقف الأمريكي -كما عرضه نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق مايكل مولروي- لا يتعامل مع التأجيل المفتوح بوصفه خيارا مريحا، إذ ترى واشنطن أن على الفصائل الانصياع لخطة الدولة أو تحمل تبعات الرفض.
ومن هذه الزاوية، تصبح المشكلة بالنسبة لبغداد مزدوجة: كلما أسرعت في فرض المهلة قد تصطدم بقوى مسلحة تربط السلاح بملفات السيادة، وكلما أطالت التفاوض ارتفع احتمال اعتبار واشنطن ذلك تراجعا عن تعهدات سابقة، فتنتقل من الضغط السياسي إلى أدوات اقتصادية.
وحدد مولروي نافذة محتملة للتفاهم، فالإدارة الأمريكية -وفق تقديره- يمكن أن تتفهم تمديد الموعد إذا ظهر تقدم جدي، وبدأ حوار فعلي مع الفصائل الرافضة لتسليم السلاح، وهذا يعني أن معيار واشنطن قد لا يكون التاريخ وحده، بل ما يتحقق على الأرض خلاله.
في المقابل، يضع علاوي زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي لواشنطن في إطار أوسع من الدفاع عن الموقف العراقي بشأن السلاح، إذ يتوقع أن تتناول العلاقة الثنائية انتقالها من التعاون العسكري إلى التنمية والاستثمار، بما يمنح بغداد ورقة للتفاوض على شكل العلاقة المقبلة.
وهذا البعد الاقتصادي مهم لأن أي عقوبات أو رسوم جمركية أمريكية لن تضرب الحكومة وحدها، بل يمكن أن تنعكس على الاقتصاد العراقي في لحظة حساسة، ومن ثم يصبح تفادي الصدام مع واشنطن مصلحة مرتبطة أيضا بقدرة بغداد على حماية مسارها الاقتصادي.
لكن الحاج يقدم قراءة مختلفة لطبيعة الضغط الأمريكي، إذ يرى أن واشنطن قد تستفيد من استمرار التوتر بين الحكومة والفصائل، وربما تسعى إلى دفع الطرفين نحو صدام، مستندا إلى حديث عن احتمال تعطيل أموال عراقية خاضعة للسيطرة الأمريكية بعد نهاية سبتمبر/أيلول.
وتكشف هذه الرؤية عن فجوة جوهرية بين تعريفين لمشكلة السلاح، فبينما تنظر واشنطن إلى وجود فصائل مسلحة خارج القرار الحكومي بوصفه تحديا ينبغي حسمه، تربط قوى عراقية الملف بمسألة السيادة نفسها، وترى أن بقاء السلاح مرتبط باستمرار مصادر التهديد الخارجي.
ومن هنا تبدو معالجة الحكومة العراقية أقرب إلى تفكيك الملف إلى حلقات متوازية: انسحاب التحالف، وضبط الحدود، ومعالجة أوضاع القوى المسلحة، وتطوير العلاقات الخارجية. ويمنح هذا المسار بغداد فرصة لانتزاع تنازلات متبادلة، لكنه يحتاج إلى نتائج ملموسة حتى لا يتحول التأجيل إلى أزمة ثقة.
كما أن الفصائل ليست أمام خيار واحد، وفق تصور علاوي؛ فالمسارات المطروحة تتراوح بين الاندماج في القوات المسلحة، والتحول إلى العمل السياسي، أو العودة إلى المجتمع. وتكشف هذه الخيارات أن جوهر التفاوض لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بمستقبل نفوذ هذه القوى داخل الدولة.
في المقابل، يربط الحاج قبول الفصائل بالانتقال إلى وضع لا مبرر فيه للسلاح خارج الدولة بتحقق شروط تعدها أساسية، وفي مقدمتها حماية السيادة العراقية ومنع الانتهاكات الجوية والأمنية، وهنا يصبح نجاح المسار مرتبطا بقدرة الحكومة على إنتاج ضمانات لا مجرد تعهدات.
المعضلة أن بغداد تحتاج إلى طمأنة طرفين في الوقت نفسه: فصائل تخشى أن يؤدي نزع سلاحها قبل معالجة مصادر التهديد إلى إضعافها، وإدارة أمريكية تريد مؤشرات واضحة على أن قرار السلاح أصبح حكوميا. وبين الطرفين تصبح المهلة أداة تفاوض لا موعدا نهائيا.
لذلك قد يكون التحدي الحقيقي أمام الزيدي في واشنطن هو تحويل التأجيل من عنوان للتهرب إلى مسار قابل للقياس، عبر عرض ما تحقق وتحديد خطوات لاحقة وجدول واضح لتنفيذها. فكلما بدا المسار منظما وقابلا للتحقق، ضاقت مساحة العقوبات واتسعت فرصة التسوية الداخلية.
وتبقى النتيجة مرهونة بقدرة بغداد على الجمع بين السيادة والتدرج؛ فإذا نجحت في تحويل حصر السلاح إلى تسوية سياسية وأمنية متدرجة، فقد تتجنب الصدام الداخلي وتحافظ على قنواتها الاقتصادية مع واشنطن. أما إذا بقيت المهلة مفتوحة بلا نتائج، فقد يتحول التأجيل نفسه إلى فخ مزدوج.
المصدر:
الجزيرة