في 18 أغسطس، استهدفت غارة جوية قوارب على ساحل منطقة غارمال في ولاية بونتلاند الصومالية، فقتل 4 أشخاص. وبعد أقل من 48 ساعة، وقعت غارة أخرى في منطقة جيفلي، استهدفت قوارب وأشخاصا على الشاطئ وقتلت 9 آخرين.
وصل شيوخ عشائر إلى موقع الضربة الأولى ودفنوا القتلى قبل إبلاغ السلطات بالحادثة، بحسب الشيخ محمود صلاد غيني، أحد شيوخ عشيرة عيسى محمود، وهي من أكبر عشائر بونتلاند.
وقال غيني لـ”الحرة” إن القتلى كانوا صيادين، وإن شيوخ المنطقة طلبوا من مجموعات من القراصنة مغادرة الساحل بعدما تسبب وجودهم في تعريض السكان للخطر. واتهم تركيا والحكومة الفيدرالية الصومالية بالمسؤولية عن الضربات.
لكن الحكومة الفيدرالية قدمت رواية مختلفة، إذ قال وزير الدفاع الصومالي إن عملية عسكرية استمرت عشرة أيام ضد القراصنة أسفرت عن مقتل 14 منهم خلال جهود لتحرير سفينة كانت قد اختطفت قبالة ساحل بونتلاند. وشكر الوزير البحرية التركية على تعاونها في العملية.
وكانت سفينة “لوتوف”، التي تحمل شحنة تركية، قد اختطفت في 17 أغسطس قبالة منطقة إيل في إقليم نُغال، قبل يوم واحد من الغارة الأولى.
ولم تتمكن “الحرة” من التحقق بصورة مستقلة من هوية القتلى أو من صلتهم بأنشطة القرصنة. وتقول الحكومة الفيدرالية إن المستهدفين كانوا قراصنة، بينما تصر سلطات بونتلاند ومصادر محلية على أن من بين القتلى صيادين وباعة أسماك.
وتزامنت الغارات مع عودة ملحوظة لنشاط القرصنة قبالة الصومال، بعد سنوات انخفضت خلالها الهجمات. وأثرت عودة القراصنة أيضا على الصيادين وشركات الشحن والقوات البحرية العاملة في خليج عدن والبحر الأحمر، وهما من أكثر ممرات التجارة العالمية ازدحاما.
ويصعب في هذه المناطق التمييز بين الصيادين والقراصنة، إذ يستخدم الطرفان في كثير من الأحيان قوارب من النوع ذاته ويتحركان في المياه ذاتها.
ويأتي تجدد أعمال القرصنة في خليج عدن فيما تواجه الملاحة في المنطقة ضغوطا في مضيق هرمز وباب المندب، ما يزيد المخاطر على خطوط الشحن الممتدة بين الخليج والبحر الأحمر.
قال محمد سعيد وابري، رئيس نقابة الصيادين في مديرية إيل، لـ”الحرة” إن القتلى في الغارات الأخيرة كانوا صيادين يعملون على الساحل، بينما كان القراصنة موجودين على متن السفن المختطفة قرب المنطقة.
وتعد إيل من أبرز المناطق التي ينشط فيها القراصنة، الذين ينقلون إليها أحيانا السفن المختطفة ويحتجزون أطقمها في انتظار دفع الفدية.
وقال وابري إن وجود القراصنة ألحق أضرارا مباشرة بالصيادين، مشيرا إلى أن صيادين يعملون ليلا تعرضوا في السابق لإطلاق النار، وسُرقت قواربهم ومعداتهم.
ويستخدم الصيادون التقليديون والقراصنة قوارب صغيرة سريعة مصنوعة من الخشب أو الألياف الزجاجية، وهي منتشرة على الساحل الصومالي الذي يزيد طوله على 3300 كيلومتر.
ويقول صيادون إن هذا التشابه يعرضهم للخطر عند اقترابهم من السفن التجارية لطلب الماء أو الوقود أو المساعدة، إذ قد يعتبر حراس السفن ذلك بداية لهجوم.
وتستخدم شركات الشحن منذ سنوات حراسا مسلحين لحماية السفن العابرة في خليج عدن والمحيط الهندي. وفي بعض الحالات، تسمح قواعد الحماية بإطلاق طلقات تحذيرية، أو باستخدام القوة عندما تدخل قوارب صغيرة نطاقا أمنيا حول السفينة.
وأدت أخطاء من هذا النوع في السابق إلى مقتل صيادين. وفي واحدة من أشهر القضايا، قتل جنديان من البحرية الإيطالية صيادين هنديين عام 2012 أثناء حماية ناقلة النفط “إنريكا ليكسي” من هجمات محتملة للقراصنة.
وفي بونتلاند، قال صيادون إن الخوف من التعرض للاستهداف دفع بعضهم إلى تجنب البحر بعد الغارات الأخيرة.
بلغ نشاط القراصنة الصوماليين ذروته أواخر العقد الأول من القرن الحالي وبداية العقد التالي، عندما اختطفت عشرات السفن ودفعت شركات وحكومات ملايين الدولارات مقابل إطلاقها.
ودفعت الهجمات المجتمع الدولي إلى نشر قوات بحرية واسعة في المنطقة، من بينها عملية “درع المحيط” التابعة لحلف شمال الأطلسي، وعملية “أتالانتا” الأوروبية، وقوات بحرية متعددة الجنسيات.
وتراجع عدد الهجمات بصورة كبيرة خلال السنوات التالية، في ظل الانتشار العسكري البحري وتشديد إجراءات الأمن على السفن، وتطور قدرات السلطات المحلية.
لكن وتيرة الهجمات عاودت الارتفاع مرة أخرى. ووفقا لتقرير مكتب الملاحة الدولي عن النصف الأول من عام 2026، كان قراصنة صوماليون مسؤولين عن 94 في المئة من أفراد أطقم السفن الذين احتجزوا رهائن في حوادث القرصنة المسجلة خلال الفترة.
وأظهرت حوادث السنوات الأخيرة أن بعض المجموعات ما زالت قادرة على العمل على مسافات بعيدة عن الساحل. وسجلت هجمات على بعد أكثر من ألف ميل بحري من الصومال، باستخدام سفن مختطفة أحيانا كقواعد لإطلاق قوارب أصغر.
وفي أبريل الماضي، استولى قراصنة مسلحون على سفينة “سورد”. وقالت شركة الأمن البحري “ماريسكس” لاحقا إن السفينة أفرج عنها وإن أفراد طاقمها كانوا سالمين. ونقلت الشركة عن مصادر أمنية في بونتلاند أن الإفراج تم مقابل فدية.
وتقول سلطات بونتلاند إن أموال الفدية تساعد القراصنة على تمويل عمليات جديدة وتجذب مزيدا من المشاركين.
وقال قائد خفر السواحل في الولاية إن القراصنة أصبحوا أكثر قدرة على العمل بعيدا عن الساحل، وإن بعض المجموعات تمتلك أسلحة ثقيلة ولديها صلات مع شبكات إجرامية في اليمن.
نشأت القرصنة الحديثة في الصومال خلال التسعينيات، بعد سقوط نظام الرئيس سياد بري وانهيار مؤسسات الدولة، لكنها تحولت بعد عام 2005 إلى نشاط منظم يدر مبالغ كبيرة.
وقال الصحفي الصومالي عمر عبد القادر، المقيم في بونتلاند، لـ”الحرة” إن القرصنة تحولت في تلك الفترة بالنسبة إلى بعض الشباب إلى وسيلة سريعة للخروج من الفقر.
وأضاف أن الصورة الاجتماعية للقراصنة تغيرت منذ ذلك الحين، وأن مجتمعات محلية في بونتلاند أصبحت أكثر رفضا للنشاط بسبب ما جلبه من عنف وعمليات عسكرية واضطراب اقتصادي.
وتعتمد عمليات القرصنة أيضا على ممولين يوفرون القوارب والأسلحة والوقود والغذاء والقات.
وأظهر تقرير للبنك الدولي أن شبكات ممولين تحصل مقابل ذلك على حصة من الفدية قد تصل في بعض الحالات إلى ما بين 30 و50 في المئة.
ويتقاضى المشاركون في عمليات الاختطاف مبالغ أقل بكثير، بينما يذهب الجزء الأكبر من العائدات إلى الممولين والمنظمين وأطراف أخرى مرتبطة بالشبكات.
وقال عبد القادر إن بعض القراصنة يحصلون على دعم من أشخاص نافذين ومن شبكات تمويل خارج الصومال، مستفيدين من ضعف قدرة السلطات على مراقبة الساحل.
وقال الشيخ غيني إن شيوخ العشائر تفاوضوا في مناسبات عدة مع مجموعات قرصنة، لكنه أضاف أن تلك المجموعات لا تعمل تحت قيادة موحدة، وأن نسبة كبيرة من المشاركين فيها من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عاما.
لطالما برر القراصنة نشاطهم بالقول إنهم بدأوا كصيادين يسعون إلى حماية المياه الصومالية من سفن الصيد الأجنبية بعد انهيار الدولة عام 1991.
وتعرضت المياه الصومالية بالفعل خلال العقود الماضية لعمليات صيد غير قانوني من سفن أجنبية، وهو ما تؤكده تقارير مستقلة عن نشاط أساطيل تعمل من دون تصاريح داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للصومال واليمن.
ورصدت منظمة “Global Fishing Watch” نشاطا واسعا لسفن أجنبية، بينها أعداد كبيرة من السفن الإيرانية والباكستانية.
وسجلت قرابة 300 حالة دخول لسفن ترفع العلم الإيراني إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة للصومال خلال عام 2023.
ويقول صيادون صوماليون إنهم لا يواجهون خطر القراصنة وحدهم. وقال وابري إن بعض السفن الأجنبية العاملة في الصيد تطرد القوارب المحلية من مناطق الصيد، وإن مسلحين على متن بعضها أطلقوا النار على صيادين اقتربوا منها.
وأشار تقرير لشركة “Risk Intelligence” المتخصصة في الأمن البحري إلى حوادث تضمنت صدم قوارب صومالية وقطع شباكها وإطلاق طلقات تحذيرية.
في 20 أغسطس، استولى قراصنة على ناقلة مرتبطة بأسطول الظل الإيراني عند مدخل خليج عدن، بعدما كانت تبحر رافعة علم إريتريا.
ونقل القراصنة السفينة وطاقمها باتجاه ساحل بونتلاند، حيث احتجزوهم في انتظار دفع فدية.
وجاءت الحادثة في وقت حذرت فيه سلطات بونتلاند شركات الشحن والجهات المالكة للسفن من دفع الأموال للمختطفين.
وقالت وزارة الثروة السمكية والموارد البحرية في الولاية إن الفدية تمول الهجمات اللاحقة وتساعد مجموعات جديدة على دخول شبكات القرصنة.
يمر عبر خليج عدن أحد أكثر خطوط الشحن ازدحاما في العالم. وبحسب المعهد الملكي للخدمات المتحدة ، تعبر المنطقة نحو 20 ألف سفينة سنويا.
وانتهى عام 2022 تفويض من مجلس الأمن كان يسمح بملاحقة القراصنة داخل المياه الإقليمية الصومالية بناء على طلب الحكومة الفيدرالية، بعدما انخفض عدد الهجمات بصورة كبيرة.
ومع ارتفاع عدد الهجمات مجددا، شددت شركات الشحن والقوات البحرية إجراءاتها في المنطقة.
وخلال النصف الأول من 2026، أبلغ مركز الإبلاغ عن القرصنة التابع للمكتب البحري الدولي عن 38 حادثة قرصنة وسطو مسلح على سفن في مناطق مختلفة.
وفي أغسطس، دعت المنظمة البحرية الدولية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة بعد ارتفاع عدد الهجمات في خليج عدن، وقالت إن أكثر من 90 بحارا كانوا محتجزين رهائن على متن سفن نقلها القراصنة إلى سواحل بونتلاند.
وكلفت القرصنة الصومالية، في ذروة نشاطها عام 2011، الاقتصاد العالمي نحو 7 مليارات دولار ، وفقا لتقديرات منشورة.
وقدر البنك الدولي أن القراصنة حصلوا على أكثر من 400 مليون دولار من الفدية بين أبريل 2005 وديسمبر 2012، وهي فترة شهدت اختطاف 179 سفينة قبالة الصومال والقرن الأفريقي.
وتدفع شركات الشحن أيضا تكاليف إضافية للتأمين والحراسة وتغيير المسارات، كما ترتفع أجور العاملين في المناطق الخطرة.
وبحسب بيانات لقطاع الملاحة، ارتفعت تكلفة خدمات الحراس المسلحين على بعض السفن.
وتتراوح تكلفة فريق أمني لرحلة تستغرق 3 أيام عبر البحر الأحمر وخليج عدن بين 5 آلاف و20 ألف دولار.
ولا تزال عملية “أتالانتا” التابعة للاتحاد الأوروبي تعمل قبالة الصومال لمكافحة القرصنة، لكن عدد السفن المشاركة فيها محدود مقارنة بالمساحة التي تغطيها.
أما السلطات الصومالية، فتواجه صعوبة في مراقبة الساحل الطويل بقدرات بحرية محدودة، بسبب نقص زوارق الدوريات وعدم انتظام رواتب قوات خفر السواحل.
المصدر:
الحرة