في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين أكوام الصفيح والحجارة، راحت الحاجة نجاح تقلّب ما تبقى من منزلها في بلدة بيتين شمالي رام الله، تبحث عن دوائها ومحفظتها وبعض ما نجا من متعلقاتها. المكان الذي احتضنها أكثر من 35 عاما تحول خلال ساعات إلى ركام، فيما باتت الأسرة تواجه مصيرا مجهولا.
"أصعب يوم بحياتي"، تقول الحاجة نجاح، وهي تجول بين أنقاض التجمع البدوي الذي عاشت فيه مع عائلتها عقودا، تختلط في صوتها مرارة الفقد بحيرة امرأة مسنة تحاول جمع تفاصيل حياة تفرقت بين الأنقاض، فيما تتسع حولها مساحة الخراب.
ورصدت مراسلة الجزيرة ثروت شقرة أوضاع العائلات التي استُهدفت مساكنها، والتقت فلسطينيين وجدوا أنفسهم أمام عملية اقتلاع طالت مساكنهم ومقتنياتهم ومصدر أمانهم، وفي بيتين، كان الركام شاهدا على فصل جديد من معاناة التجمعات البدوية في الضفة الغربية.
تواصل الحاجة نجاح البحث بين بقايا منزلها، فتارة تسأل عن دوائها، وتارة تفتش عن محفظتها التي تحمل بعض النقود، وتقول إنها لا تعرف من أين تبدأ، وهي التي وجدت نفسها فجأة أمام واقع لم تستعد له في هذا العمر.
في المكان نفسه، عاش ابن شقيقها إياد مع أفراد أسرته، قبل أن تمتد الجرافات إلى مساكنهم، يصف الرجل ما جرى بأنه تهجير مباشر، مشيرا إلى أن الجنود طلبوا منهم مغادرة المنطقة، ثم تركوهم أمام سؤال المكان الذي يمكن أن يقصدوه.
يقول إياد إن السؤال عن وجهتهم ظل بلا جواب؛ فالأرض التي عاشوا فيها طويلا قُدمت لهم باعتبارها أرضا يُحظر عليهم البقاء فيها، وبين أوامر الرحيل وضيق الخيارات، وجد الرجل نفسه يبحث عن مأوى لعائلته بعد فقدان المسكن.
قصة إياد تتقاطع مع حكاية الشيخ ياسر، الذي وُلد في تجمع بدوي بقرية دير بلوط بمحافظة سلفيت قبل أكثر من 55 عاما، هناك امتدت حياة الرجل وأسرته لعقود، قبل أن تختصر الجرافات كل تلك السنوات في أكوام من الركام.
يشير الشيخ ياسر إلى ما تبقى من منزله، مستحضرا سنوات طويلة عاشها في المكان. يتحدث بهدوء عن مصيره، مستندا إلى إيمانه وقدرته على الصبر، بينما تحيط به بقايا مسكن كان يجمعه وأفراد أسرته تحت سقف واحد.
المشهد ذاته عرفته عائلات فلسطينية في خلة الحمص جنوبي الضفة، وفي الجفتلك بالأغوار، حيث طالت عمليات الهدم مساكن ومنشآت زراعية وحيوانية، ومع كل عملية جديدة، تتزايد مخاوف التجمعات البدوية من تكرار المصير ذاته.
وتأتي هذه الوقائع ضمن موجة أوسع من هدم المساكن والتهجير التي تستهدف التجمعات البدوية في الضفة الغربية، وبحسب منظمة البيدر الحقوقية، هجّر الجيش الإسرائيلي والمستوطنون 105 تجمعات بدوية منذ عام 2023، في ظل تصاعد الإجراءات الرامية إلى تفريغ مناطق واسعة من سكانها.
وفي القدس ومحيطها، تتزامن عمليات الهدم مع خطوات استيطانية جديدة، إذ تعتزم سلطات الاحتلال طرح عطاءات لبناء 2167 وحدة استيطانية ضمن مشروع " إي 1" الواقع بين القدس ومستعمرة معاليه أدوميم، في خطوة تثير تحذيرات فلسطينية من تداعياتها على مستقبل الضفة.
وكانت سلطات الاحتلال قد طرحت في أغسطس/آب الماضي عطاء لبناء 1234 وحدة استيطانية ضمن المشروع نفسه، ليصل مجموع الوحدات المطروحة في العطاءين إلى 3401 وحدة، وهي كامل الوحدات التي صودق عليها ضمن مخططات مشروع "إي 1".
وفي منطقة وعر البيك ببلدة عناتا شمال شرقي القدس، هدمت جرافات الاحتلال 5 مساكن من الصفيح وحظيرة للأغنام، بعدما وزعت السلطات الإسرائيلية خلال الأسابيع السابقة إخطارات هدم بحجة البناء من دون ترخيص، وفقا لمحافظة القدس.
وكانت المساكن تؤوي نحو 30 فلسطينيا، وجدوا أنفسهم أمام فقدان مساكنهم وممتلكاتهم، وفي مناطق أخرى من الضفة، تواصلت الاقتحامات والاعتقالات، بالتزامن مع هدم منشآت وإلحاق أضرار بممتلكات الفلسطينيين.
وفي مخيم العين غربي نابلس، دخلت قوات إسرائيلية ترافقها آليات مدرعة وأغلقت مداخل المخيم، قبل أن تنتشر في أحيائه وتداهم منازل وتحول أحدها إلى مركز للتحقيق الميداني، وفقا لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا).
ونقل الهلال الأحمر الفلسطيني شابين إلى المستشفى بعد تعرضهما للضرب خلال الاقتحام، وفي قرية حجة شرقي قلقيلية، اعتقلت القوات الإسرائيلية 23 شابا، بينما أُصيب 3 آخرون بالرصاص خلال الاقتحام، ونُقلوا إلى مستشفى درويش نزال الحكومي.
وامتدت الإجراءات إلى جنوب الضفة، حيث احتجزت القوات الإسرائيلية فلسطينيين خلال اقتحام بلدة حلحول شمال الخليل، بينما أحرق مستوطنون غرفة زراعية شرقي يطا، وهُدمت ورشة لإصلاح المركبات في قرية دوما بذريعة البناء من دون ترخيص.
وتضع هذه الوقائع العائلات البدوية أمام معادلة قاسية؛ فالمسكن الذي يمثل حصيلة عقود من الاستقرار يمكن أن يختفي تحت الجرافات، بينما تحمل عملية الهدم معها تفاصيل الحياة اليومية وذكريات الأسرة ومصادر الرزق المرتبطة بالمكان.
في بيتين، كانت الحاجة نجاح تقلب الركام بحثا عن دوائها ومحفظتها، وفي دير بلوط كان الشيخ ياسر يقف أمام ما تبقى من منزله، وبين المشهدين تتكرر حكاية عائلات تتمسك بالأرض، فيما تتسع دائرة الهدم والتهجير في الضفة الغربية.
المصدر:
الجزيرة