في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- من بين حشود المتجمهرين حول ركام البناية المنهارة بحي الرمال بمدينة غزة، وقف محمود السوطري وهو ناجٍ من الانهيار، مندهشا يراقب المشهد، ويستذكر أصوات التشققات التي كان يسمعها في العمارة ولا يريد أن يصدقها.
فعند نحو الثانية والنصف فجر اليوم الأربعاء، وجد السوطري وآخرون كثر أنفسهم بين الحجارة، فهو كان يقيم في الطابق الخامس، لكنه وجد نفسه بعد الانهيار قريبا من الأرض، بعدما سقطت الطوابق السفلى فوق بعضها.
يقول للجزيرة نت إنه وعائلته كانوا في الأيام الأخيرة يسمعون أصوات تصدّع الجدران وسقوط الحجارة من شقق مجاورة، وكان الخوف حاضرا في المكان، لكنه لم يكن كافيا لمغادرته، إذ لم يكن هناك مكان آخر يذهبون إليه.
وحتى الثالثة بعد الظهر بالتوقيت المحلي، تحولت عمارة "السعادة" إلى "مقبرة" فقد سُجل استشهاد 21 شخصا، بينهم 8 أطفال و6 نساء، وإصابة 45 آخرين، فيما لا يزال عدد من الأشخاص في عداد المفقودين، مع توقع ارتفاع حصيلة الضحايا مع استمرار عمليات الانتشال بحسب الدفاع المدني.
رغم انهيار أجزاء من المبنى بقيت فراغات ومنافذ استطاع بعض الناجين التسلل عبرها وشق طريقهم إلى الخارج، بينهم محمود السوطري الذي خرج وعائلته أحياء، لكن ثلاثة من أطفال شقيقه أصيبوا، فيما ترقد إحدى طفلاته في العناية المركزة.
خرجت العائلة بما ترتديه من ملابس، وما عدا ذلك بقي تحت الأنقاض، يقول السوطري: "حتى الدراجة الهوائية التي كنت أعمل عليها في مكتب توصيل، أؤمن من خلالها قوت أسرتي، تحت الركام الآن"، ليخرج من مبنى "السعادة" بلا سقف، ولا بيت، ولا مصدر رزق.
يقول المواطن الغزي إن عائلته حين فقدت منزلها في حي التفاح خلال الأيام الأولى للحرب، نزحت جنوبا قبل أن تعود إلى مدينة غزة منذ نحو 10 أشهر، دون أن تملك حتى خيمة تؤويها، أو مالا لاستئجار مسكن.
وبعد بحث في شوارع المدينة، وجد محمود هذه العمارة المهجورة من سكانها، وكانت متصدعة الجدران ومائلة في بعض أجزائها، وقد طالها القصف والدمار، وعلى الرغم من أنه كان يعرف ما أصابها، ورأى بنفسه آثار التصدع، فإنه لم يجد خيارا آخر.
أقام محمود مع زوجته وابنتيه في غرفة، فيما أقام شقيقه مع عائلته في الغرفة المجاورة، ليتجمع 10 أشخاص في شقة واحدة.
ولم يكن انهيار عمارة السعادة الحادث الأول من نوعه، بل سبقها عدد كبير من العمارات السكنية التي انهارت مخلفة عددا كبيرا من الشهداء. وكان ذلك بفعل الأحوال الجوية في فصل الشتاء، وهو الضيف الثقيل القادم قريبا والذي يتوجس منه آلاف النازحين في مبانٍ تشبه مبنى السعادة في حالها الآيلة للسقوط.
تعرض حي الرمال الجنوبي وسط مدينة غزة، منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لضربات وأحزمة نارية مسحت مربعات سكنية كاملة فيه، وتعرض خلالها مبنى السعادة لغارة إسرائيلية استهدفت طابقه الأرضي، فخلخلت بنيانه وصدّعت جدرانه وألحقت أضرارا بأساساته، لكنه ظل واقفا.
ولأشهر، كان مبنى السعادة ملاذا لعائلات نازحة احتمت بجدرانه هربا من حياة الخيام والعراء، وهي عائلات لم تملك المال الكافي لاستئجار مسكن، فوجدت في المبنى سقفا بديلا يقيها قسوة الحرب، أو هكذا ظنت قبل أن تنهار الطبقات الست فوق رؤوسها.
على ظهر الركام، انتشرت فرق الإنقاذ في بحث شاق، بحفارين وجرافة -وهذا ما تبقى من آليات هندسية متهالكة- يحاولون التنقيب وشق طريق بين الأسقف المنهارة، فيما ترفع أيدٍ عارية الحجارة واحدة تلو الأخرى، بحثا عن عالقين قد يكون بينهم ناجون.
في لحظات الانهيار الأولى، لم يكن المكان صامتا، فقد سمع جيران الحدث أصواتا وأنفاسا لعالقين تحت الأنقاض.
وبينما كانت فرق الإنقاذ تصارع الزمن للوصول إلى محاصرين آخرين لا تزال أصواتهم تُسمع من تحت ثقل الأسقف الخرسانية المنهارة، كان تحديد مواقعهم والوصول إليهم مهمة شاقة في ظل نقص المعدات والإمكانات.
وبينما كان المنقذون يبحثون عن العالقين، كان آخرون يبحثون عن شيء من حياتهم التي ابتلعتها العمارة، ملابس وطعام وأغطية وأوانٍ، ودفاتر وقرطاسية اشتُريت لأطفال بدؤوا عامهم الدراسي قبل يوم واحد.
أمام المشهد يقف الطفل محمد اسليم (10 أعوام) بذهول متسمرا بجوار الركام، وعيناه كالجمر، وهو من جيران المبنى. قال للجزيرة نت إن أصوات العالقين تحت طبقات الإسمنت لا تزال تتردد في أذنيه، وهم ينادون: "إلحقونا.. رح نختنق".
يقول محمد إنه رأى أطفالا وقد سُحقت رؤوسهم تحت الأنقاض، ورأى يد طفل في مثل عمره ممتدة من بين الركام، كأنها لا تزال تستنجد بمن حولها.
لكن ما حدث في "السعادة" لم يكن بالنسبة للدفاع المدني انهيارا لمبنى سليم، فقد قال المتحدث باسم هذا الجهاز محمود بصل للجزيرة نت إن المبنى لم يكن صالحا للسكن، وإن طواقم الدفاع المدني أبلغت قاطنيه بخطورته، لكن بقاء هؤلاء لم يكن قرارا نابعا من تجاهل الخطر بقدر ما كان نتيجة لغياب مكان آخر يذهبون إليه.
"ما البديل؟" كان جواب السكان، بحسب بصل، في وقت لم تكن فيه الخيام متوافرة بما يكفي، ولا توجد مساحات لإيواء النازحين أو مساكن بديلة تستوعبهم.
وبحسب بيانات عائلية، فقد كانت العمارة تؤوي أسرا من عائلات العجلة وعدس والسوطري وأبو راس وسعدة.
وعند نحو الثالثة فجرا، تلقت طواقم الدفاع المدني بلاغا بانهيار المبنى، وصلت إلى المكان لتجد الطبقات الست وقد انهارت فوق بعضها، فيما تضم كل طبقة أربع شقق.
تمكنت الطواقم من انتشال 12 شخصا أحياء في الساعات الأولى، بينهم 5 أطفال، فيما تمكن بعض السكان من الخروج بأنفسهم من أجزاء بقيت قائمة من المبنى ولم تلتصق أسقفها ببعضها بصورة كاملة، ما أتاح لهم منفذا للنجاة.
لكن أصواتا أخرى ظلت عالقة في الداخل، يقول بصل إن الطواقم سمعت صراخا تحت الأنقاض حتى بعد ساعات من الانهيار، وإن تحديد مكان العالقين كان بالغ الصعوبة، وحتى حين يُحدد موقع أحدهم، فإن الوصول إليه يصبح مهمة شاقة في ظل نقص المعدات والإمكانات اللازمة للتعامل مع انهيار بهذا الحجم.
ولم يستطع الدفاع المدني تحديد مدى زمني لانتهاء عمليات الانتشال، أو الجزم بالمصير النهائي لعشرات المفقودين قبل إتمام البحث.
ويشير بصل إلى أن فرق الإنقاذ تعمل بقدرات محدودة وفي ظروف استثنائية، في وقت تحتاج فيه مثل هذه الكارثة إلى تجهيزات وفرق كبيرة للوصول إلى المحاصرين تحت الأنقاض.
ولا يقف الخطر عند حدود هذا المبنى، إذ تكشف تقديرات الدفاع المدني عن وجود نحو 2000 مبنى مأهول في مناطق مختلفة من قطاع غزة، يرى أنها مهددة بالانهيار، وقد أُبلغ سكان عدد منها بخطورتها وطُلب منهم إخلاؤها.
فبجوار مبنى "السعادة" تقف عمارة أخرى لا يبدو حالها أفضل كثيرا من الذي انهار، صعدت مراسلة الجزيرة نت بحذر إلى الطوابق العلوية من المبنى، حيث بدت آثار التصدع والانهيار واضحة، وهناك كانت أم محمد حجازي تراقب من علوّ عمليات البحث والانتشال في العمارة المجاورة.
كان الخوف ظاهرا على السيدة التي قالت إنها قررت مغادرة المنزل بعد ما رأته، وإنها تفضّل العيش في خيمة على البقاء تحت سقف قد ينهار فوقها.
وكانت قد لجأت إلى هذا المكان مضطرة، بعدما لم تجد مسكنا آخر تستطيع تحمّل كلفته، وفي ظل شح شديد في المساكن والإيجارات.
لكن ما تراه بدّل حساباتها؛ فما كان بالنسبة إليها خطرا محتملا صار أمام عينيها مشهدا للموت، "فالسكن في خيمة أهون من أن يقع السقف علينا"، كما تقول أم محمد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة