في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حين تفرض واشنطن عقوبات مرتبطة بإيران على بنك روسي خضع أصلا لقيود غربية واسعة، يبدو السؤال بديهيا: ما الذي بقي لاستهدافه؟ لكن قصة بنك "في تي بي " (VTB) الروسي لا تتعلق بإضافة اسم جديد إلى قوائم العقوبات، بقدر ما تتعلق باختبار قدرة روسيا وإيران على تحويل التقارب السياسي إلى مدفوعات وتسويات قابلة للاستمرار خارج الدولار.
في 14 سبتمبر/أيلول، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج بنك "في تي بي " بموجب أمر تنفيذي يستهدف القطاع المالي الإيراني. وقالت إن البنك أقام علاقات مراسلة مع مؤسسات مالية إيرانية خاضعة للعقوبات، وفتح مكاتب في إيران، واتخذ خطوات لنقل أصول إيرانية مجمدة، كما أنشأ نظام تسوية بالريال والروبل عبر حسابات مراسلة بهدف زيادة التجارة الثنائية.
تقول الخزانة الأمريكية إن بنك "في تي بي " كان قد أُدرج أيضا في فبراير/شباط 2022 بسبب صلته بالقطاع المالي الروسي، ثم أُدرج في يناير/كانون الثاني 2025 تحت سلطة عقوبات أخرى. لكن الإجراء الأخير يربط البنك مباشرة -وفق الرواية الأمريكية- بالقطاع المالي الإيراني وبقنوات تسوية محددة بين موسكو وطهران.
وهنا تتغير وظيفة العقوبة، فالمسألة ليست إغلاق أبواب غربية أغلقت في جانب كبير منها بالفعل، بل رفع المخاطر أمام كل بنك أو شركة أو وسيط خارجي قد يفكر في التعامل مع بنك "في تي بي " ضمن المسار الإيراني.
ويرى الخبير الاقتصادي من موسكو ستانيسلاف ميتراخوفيتش أن الأثر المباشر للعقوبة سيكون محدودا، لأن البنوك الروسية تكيفت مع القيود الغربية السابقة، ولأن موسكو وطهران تستطيعان نقل بعض التعاملات إلى قنوات بديلة أو إلى مؤسسات أخرى، مع احتمال توسيع استخدام اليوان إلى جانب الروبل والريال.
لكن هذا الطرح لا يحسم المسألة، إذ إن إمكانية تنفيذ بعض الصفقات الثنائية لا تعني بالضرورة قيام شبكة مالية واسعة ومستقرة.
العملة المحلية قد تخفف الحاجة إلى الدولار في صفقة بين طرفين، لكنها لا تؤدي وظيفة شبكة مالية كاملة بمجرد الاتفاق على استخدامها. فالتبادل التجاري الواسع يحتاج إلى حسابات مراسلة، وسيولة بالعملتين، وآلية تسعير مقبولة، وضمانات للتحويل والتحصيل، إضافة إلى بنوك وشركات مستعدة لتحمل المخاطر.
وهذا هو جوهر ما يجعل بنك "في تي بي " مهما في القصة. فبيان الخزانة لا يتحدث عن تبادل رمزي بين عملتين، بل عن حسابات مراسلة ونظام تسوية وأصول مجمدة وتوسيع للتجارة الثنائية، أي عن البنية التي تنقل الاتفاق السياسي من مستوى التصريحات إلى مستوى الدفع الفعلي.
وفي هذا السياق، لا يبدو الرهان الروسي الإيراني منصبا على استبدال الدولار في الاقتصاد العالمي دفعة واحدة، بل على بناء ممرات كافية لاستمرار التجارة والتحويلات حين تصبح القنوات التقليدية مكلفة أو مغلقة.
يقدم الأكاديمي والخبير في اقتصادات الدفاع غازي العساف قراءة مغايرة لقياس أثر العقوبة. فالمعيار ليس قدرة واشنطن على وقف كل تعامل بين روسيا وإيران، بل قدرتها على جعل الوسطاء أكثر حذرا.
وفق هذه القراءة، قد لا تختفي القنوات البديلة، لكنها تصبح أطول وأضيق: بنك ينسحب، وشركة تبحث عن وسيط آخر، ووسيط يطلب عمولة أعلى، وتتحول كل خطوة إضافية إلى كلفة أو تأخير أو مخاطرة جديدة.
وتقول الخزانة الأمريكية إن المؤسسات المالية الأجنبية التي تواصل التعامل مع بنك "في تي بي " بعد إدراجه وفق سلطات العقوبات الإيرانية تواجه خطرا أكبر من السابق. كما توضح أن القانون الأمريكي يتيح فرض قيود على الحسابات المراسلة أو حسابات الدفع لمؤسسات أجنبية تسهل معاملات كبيرة لمصلحة جهات مدرجة.
وهنا تتضح المفارقة: قد يكون بنك "في تي بي" معتادا على العزلة الغربية، لكن أي شبكة تسوية تحتاج إلى أكثر من بنك واحد. تحتاج إلى مورد، وشركة شحن، ومصرف مراسل، ومؤسسة تقبل التحويل، وشريك يثق في قدرته على استرداد أمواله. وكل حلقة مترددة تجعل القناة أقل كفاءة.
الروبل الروسي والريال الإيراني قد يفتحان بابا أمام بعض المبادلات، كما يقول ميتراخوفيتش، لكن نجاحهما لا يقاس بتنفيذ صفقة واحدة أو فتح مكتب مصرفي في طهران.
الاختبار الحقيقي هو: هل تستطيع هذه القناة استيعاب تجارة أكبر، وتحويلات أسرع، وشركاء أكثر، من دون أن تصبح العمولة والمخاطرة أعلى من جدوى التعامل نفسه؟
لهذا لا تقاس فاعلية العقوبات بما إذا كانت ستمنع كل تعامل بين موسكو وطهران. الأرجح أن الهدف هو جعل هذا التعامل أضيق وأبطأ وأعلى كلفة، بحيث يتحول من شبكة قابلة للتوسع إلى ممر مالي محدود.
إذن، ليست المعركة بين الدولار والروبل أو الريال فقط، بل بين قدرة واشنطن على تخويف الوسطاء، وقدرة موسكو وطهران على بناء بنية دفع تتحمل كلفة العزلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة