جمعت أنقرة في 10 سبتمبر/أيلول، ممثلين رفيعي المستوى عن إدارتي طرابلس وبنغازي المتنافستين في ليبيا، عبر استضافة جهاز الاستخبارات الوطنية التركية (MİT).
واعتبر هذا التطور نتيجة للعلاقة الوثيقة التي تمكنت تركيا خلال الفترة الأخيرة من تطويرها مع بنغازي إلى جانب طرابلس.
وتواصل تركيا اتباع دبلوماسية نشطة بهدف تحقيق الوحدة السياسية والعسكرية في ليبيا، ومن بين أهدافها الحفاظ على المكاسب التي حققتها من اتفاقية ترسيم حدود مناطق الصلاحية البحرية الموقعة عام 2019، إضافة إلى مكاسبها في مجال الطاقة.
واجتمع رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركي إبراهيم قالن في 10 سبتمبر/أيلول، مع رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، بحسب معلومات قدمتها مصادر أمنية.
واكتسب الاجتماع المنعقد في مقر جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، أهمية خاصة باعتباره أول لقاء بين رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة.
وأفادت المصادر بأن الاجتماع تناول إلى جانب الخطوات المتعلقة بمواصلة التعاون الليبي-التركي، الجهود المبذولة لتحقيق الوحدة السياسية والعسكرية في ليبيا والحفاظ على الاستقرار فيها.
وتعيش ليبيا منذ عام 2014 حالة من الانقسام بين إدارتي طرابلس وبنغازي. وتقع حكومة الوفاق الوطني (GNA)، المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس، بينما يقع الجهاز التشريعي الانتقالي في بنغازي، ويخضع لسيطرة الإدارة التي يقودها الجنرال خليفة حفتر.
وفي اجتماع أنقرة، مثّل عقيلة صالح إدارة بنغازي بصفته رئيس مجلس النواب الليبي، بينما مثّل تكالة طرابلس بصفته رئيس المجلس الأعلى للدولة. وذكرت المصادر أن عقيلة وتكالة توصلا إلى توافق بشأن تحقيق الوحدة السياسية وتوحيد المؤسسات.
وأفادت تقارير واردة في وسائل الإعلام الليبية بأن الطرفين اتفقا على مواصلة الجهود الرامية لتحقيق الوحدة السياسية، وخاصة زيادة العمل السياسي والقانوني بهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ومن الجدير بالذكر أن اجتماع أنقرة جاء بعد توصل إدارتي طرابلس وبنغازي، في 30 أغسطس/آب، لاتفاق مهم من أجل إعادة تحقيق الوحدة السياسية.
وبحسب الاتفاق ستُجرى انتخابات رئاسة الدولة وانتخابات النواب خلال 24 شهراً.
وفي هذه العملية، ستلعب أعمال لجنة (6+6) دوراً مهماً. إذ تشكلت اللجنة من ستة ممثلين عن إدارتي طرابلس وبنغازي من كل جانب، ويتمثل هدفها الرئيسي في إعداد الأساس القانوني للانتخابات وصياغة مشاريع القوانين.
كما ورد في تقارير نشرتها وسائل الإعلام الليبية أن أنقرة تريد استضافة أعمال لجنة (6+6)، وتقديم الدعم لها من الناحيتين القانونية والفنية.
لوحظ أن تركيا أجرت أيضاً تغييراً مهماً في سياستها تجاه ليبيا، بالتوازي مع الخطوات المتخذة على المستوى الدولي من أجل إنهاء الانقسام المستمر في ليبيا منذ عام 2014.
كما وقعت تركيا في عام 2019، مع حكومة الوفاق الوطني "مذكرة تفاهم بشأن التعاون الأمني والعسكري"، وقدمت دعماً عسكرياً لطرابلس. وبفضل هذه الخطوة التركية، نجت طرابلس من الوقوع تحت سيطرة قوات بنغازي بقيادة الجنرال خليفة حفتر، التي كانت تحظى بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة.
ومنذ ذلك الوقت، تحتفظ تركيا بقاعدة عسكرية مهمة في طرابلس، وتعمل على تعزيز القدرات العسكرية لحكومة الوفاق الوطني. كما توسعت العلاقات بين أنقرة وطرابلس لتشمل، إلى جانب المجالات السياسية والاقتصادية، قطاعات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية.
لكن تركيا بدأت أيضاً في الفترة الأخيرة بإقامة اتصالات مع إدارة بنغازي، واكتسب هذا المسار زخماً أكبر، خاصة بعد تطبيع العلاقات بين القاهرة وأنقرة.
واعتبرت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى طرابلس وبنغازي، التي استمرت يومين في 11 و12 أغسطس/آب، تطوراً مهماً من حيث تجسيد سياسة أنقرة الجديدة التي تسميها "ليبيا واحدة".
وبعد أن التقى فيدان في طرابلس برئيس حكومة الوفاق الوطني عبد الحميد الدبيبة ومسؤولين آخرين، توجه إلى بنغازي، حيث اجتمع مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إلى جانب قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر وعدد من المسؤولين البارزين في الجناح العسكري.
كما زار الفريق أول صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، تركيا في الفترة ذاتها، والتقى وزير الدفاع يشار غولر في أنقرة.
وبحسب التقارير المنشورة في وسائل الإعلام، نفذت القوات المسلحة التركية أنشطة تدريبية ليس فقط مع القوات المسلحة الخاضعة لسيطرة طرابلس، وإنما أيضاً مع الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.
وبهذه الطريقة أظهرت أنقرة أنها أقامت علاقات على مستوى متساوٍ مع كل من طرابلس وبنغازي، وأنها تهدف، في إطار سياسة "ليبيا واحدة"، إلى جمع مختلف الجماعات المسلحة الناشطة في البلاد تحت سقف واحد.
يشار إلى أنه من بين أسس السياسة التركية تجاه ليبيا، الحفاظ على اتفاقية ترسيم حدود مناطق الصلاحية البحرية [المناطق البحرية التي تملك الدولة فيها حقوقاً]، ووُقعت بالتزامن مع مذكرة التفاهم بشأن التعاون الأمني والعسكري عام 2019، والسعي إلى حصولها على موافقة مجلس النواب الليبي.
وأوجدت تركيا وحكومة الوفاق الوطني، من خلال اتفاقية ترسيم حدود مناطق الصلاحية البحرية الموقعة عام 2019، وضعاً جديداً في شرق البحر المتوسط، وهو ما تسبب خصوصاً في رد فعل يوناني.
وكانت اليونان والاتحاد الأوروبي قد أكدا أن الاتفاقية الموقعة غير صالحة لأنها لم تحصل على موافقة البرلمان الليبي، وأنها لم تُحدث وضعاً جديداً في شرق البحر المتوسط.
وفي إطار العلاقة التي طورتها تركيا مؤخراً مع بنغازي، كانت أنقرة تهدف أيضاً إلى ضمان موافقة مجلس النواب على الاتفاقية التي أبرمتها مع حكومة الوفاق الوطني عام 2019. إلا أنه لم تُتخذ حتى الآن خطوة ملموسة من شأنها تحقيق التوقعات التركية في هذا الشأن.
وتسعى تركيا للحفاظ على موقعها المؤثر من خلال لعب دور نشط في عملية تحقيق الوحدة السياسية في ليبيا، ولمواصلة العمل بالاتفاقية المبرمة عام 2019. ومن بين التقييمات المطروحة أن اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه سيمنح تركيا أفضلية مهمة في الخلاف القائم مع اليونان بشأن شرق البحر المتوسط.
أما العامل المهم الآخر بالنسبة لتركيا، فيتمثل في الحفاظ على التراخيص التي حصلت عليها شركة البترول التركية (TPAO) في ليبيا، ومواصلة فرص الإنتاج في ليبيا الغنية بالطاقة.
وحصلت شركة البترول التركية، بموجب الاتفاق الذي أبرمته مع ليبيا، على تراخيص للتنقيب سواء في البر أو في البحر. ويُعتبر أيضاً حصول الشركة على حقوق تصل إلى 40 في المئة من الاحتياطيات التي قد يُعثر عليها في هذه المناطق تطوراً مهماً.
كما تهدف تركيا، من خلال الدور الذي ستؤديه في عملية تحقيق الوحدة السياسية في ليبيا، إلى الحفاظ على مزاياها في هذه المجالات.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة