تجد السعودية نفسها أمام خيارات محدودة ومكلفة في مواجهة التصعيد المتسارع ل جماعة أنصار الله "الحوث يين". في اليمن ، بعدما وسّعت الجماعة المدعومة من إيران نطاق تحركاتها العسكرية ووصلت تداعيات المواجهة إلى مصالح حيوية للمملكة.
وبحسب تحليل نشرته شبكة "سي إن إن"، لا تبدو الرياض راغبة في الانجرار إلى حرب شاملة، لكن استمرار التقدم الحوثي والهجمات التي تستهدف مصالحها قد يدفعها إلى رد عسكري واسع، رغم المخاطر التي قد تترتب على مثل هذه الخطوة.
وخلال هذا الأسبوع، سيطر الحوثيون على جزيرة بريم الاستراتيجية عند مدخل البحر الأحمر ، إلى جانب مدينة وميناء المخا، في خطوة تعزز نفوذهم بالقرب من مضيق باب المندب ، أحد أهم الممرات البحرية لحركة التجارة والطاقة.
وتزامنت هذه التطورات مع هجوم بطائرات مسيرة أدى إلى توقف خط أنابيب النفط السعودي "شرق-غرب". ورغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها، اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بالوقوف وراء الهجوم، في ظل نشاط جماعات مسلحة موالية لها في العراق .
وتزداد أهمية خط الأنابيب بالنسبة إلى الرياض منذ إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب مع إيران، إذ اضطرت السعودية إلى إعادة توجيه نحو 5 ملايين برميل من النفط يوميًا كانت تمر عبر الخليج.
يشير تحليل "سي إن إن" إلى أن التصعيد العسكري يمثل أحد الخيارات الرئيسية أمام السعودية، لكنه قد يكون أيضًا الأكثر كلفة. فعلى الرغم من التفوق الكبير للمملكة في التسليح والقدرات العسكرية، أثبت الحوثيون خلال سنوات الحرب قدرتهم على الصمود وتطوير استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.
وقال محمد الباشا، الخبير في الشأن اليمني ومحلل المخاطر، لـ "سي إن إن" إن المؤشرات على احتمال شن السعودية رد واسع تتزايد، معتبرًا أن هامش الخيارات أمام المملكة أصبح ضيقًا.
وترى سينزيا بيانكو، الباحثة الزائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن التصعيد قد يعيد اليمن إلى حرب شاملة، خصوصًا أن الصراع سبق أن تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع حاجة نحو 22 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية.
كما تحذر من أن أي مواجهة واسعة قد تتجاوز الساحة اليمنية وتجر إيران إلى صراع أكبر، خصوصًا في ظل المواجهة القائمة بينها وبين الولايات المتحدة، ما قد يجعل السعودية طرفًا مباشرًا في نزاع إقليمي أوسع.
في المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة للانخراط عسكريًا بصورة مباشرة ضد الحوثيين، في ظل أزمة مضيق هرمز والجدل الداخلي حول حجم الالتزام الأمريكي في الشرق الأوسط، إضافة إلى اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وقال ترامب إن الحوثيين تواصلوا مع إدارته وأبدوا رغبتهم في عدم تدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر، مشيرًا إلى أنهم يسمحون بمرور معظم السفن.
وبحسب مصدر تحدث إلى CNN، أجرى ولي العهد السعودي محادثتين مع ترامب الخميس، وحثه خلالهما على توجيه ضربات إلى الحوثيين مع تقدم الجماعة نحو البحر الأحمر، لكن الرئيس الأمريكي رفض ذلك.
في المقابل، أفادت CNN بأن الولايات المتحدة أرسلت نحو 100 مستشار عسكري إلى السعودية لتقديم معلومات استخباراتية ودعم الحملة ضد الحوثيين. وقال نواف عبيد، الباحث في كلية «كينغز كوليدج» في لندن والمستشار السابق للحكومة السعودية، إن طلب الرياض لم يكن يتعلق بتنفيذ غارات أمريكية، وإنما بالحصول على معلومات استخباراتية.
ويبقى المسار السياسي خيارًا آخر أمام الرياض، لكنه يبدو أكثر صعوبة في ظل التطورات الأخيرة.
وتقول بيانكو إن السعودية اتبعت خلال الأشهر الماضية ما وصفته بـ«الصبر الاستراتيجي»، من خلال توجيه تحذيرات وإدانات متكررة إلى الحوثيين وإيران، دون أن يؤدي ذلك إلى وقف التصعيد.
وعقب الهجوم على خط الأنابيب، أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن المملكة اختارت عدم الرد في تلك المرحلة ودعم جهود الحكومة العراقية، باعتبار أن الهجوم انطلق من العراق، لكنها أكدت احتفاظها بحق اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها.
وترى بيانكو أن السعودية «استنفدت الحلول السياسية»، بينما يعتبر الباشا أن أي اتفاق مع الحوثيين قد يتطلب من الرياض تقديم تنازلات كبيرة، بما قد يُنظر إليه على أنه رضوخ لمطالب الجماعة.
من جانب آخر، قال المحلل السعودي سلمان الأنصاري لـCNN إن الحملة العسكرية التي تنفذها الحكومة اليمنية ضد الحوثيين بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية بدأت بالفعل، متوقعًا ارتفاع حدتها خلال الأيام أو الساعات المقبلة، لكنه شدد على أن الرياض لن تخوض حربًا شاملة من دون دعم دولي قوي ومستمر وواضح.
وخلص التحليل إلى أن السعودية تقف أمام معادلة معقدة: فالتصعيد العسكري قد يعيد فتح حرب واسعة يصعب احتواؤها، بينما قد تكون العودة إلى التفاوض مكلفة سياسيًا واستراتيجيًا في ظل اتساع نفوذ الحوثيين. وستحدد التطورات الميدانية، إلى جانب حجم الدعم الدولي المتاح للرياض، اتجاه المملكة في المرحلة المقبلة.
المصدر:
يورو نيوز