تعيد الورقة البحثية "أبيي على خط الانتخابات: نزاع السيادة بين الخرطوم وجوبا ومسارات الأزمة المؤجلة" فتح واحد من أعقد الملفات التي بقيت بلا حسم منذ انفصال جنوب السودان؛ إذ أدى إدراج منطقة أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان إلى نقل القضية مجددا من ترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة إلى قلب الخلاف السياسي بين الخرطوم وجوبا.
وتنطلق الورقة، للكاتب والمحلل السياسي الجنوب سوداني وليم بيتر، من أن الخطوة لا تتعلق بإجراء انتخابي فحسب؛ لأنها تمس مباشرة قضايا السيادة والهوية والانتماء والتمثيل السياسي، وتعيد طرح السؤال القديم الذي لم يجد تسوية نهائية: إلى أي من الدولتين تنتمي أبيي، ومن يملك حق تقرير وضعها السياسي؟
فالخرطوم ترى أن إدراج المنطقة في الانتخابات الجنوب سودانية يتعارض مع وضعها القانوني المؤقت والمرجعيات التي نظمتها، بينما تتعامل جوبا مع الخطوة ضمن عملية بناء المؤسسات وتوسيع المشاركة السياسية. وبين الموقفين، تصبح الانتخابات مناسبة لإظهار خلاف أعمق ظل مؤجلا لسنوات.
تبدأ الورقة من قرار المفوضية الوطنية للانتخابات في جنوب السودان اعتماد 102 دائرة جغرافية للانتخابات العامة، وإدراج إدارية أبيي ضمن الدوائر التابعة لولاية واراب.
ومن الناحية الإجرائية، جاء القرار ضمن استكمال الترتيبات الفنية والتنظيمية للانتخابات، لكنه اكتسب على الفور دلالة سياسية وقانونية بسبب الوضع الخاص لأبيي واستمرار الخلاف بشأن مصيرها النهائي.
وتقرأ الورقة الخطوة في سياق سعي جنوب السودان إلى استكمال المرحلة الانتقالية وإجراء أول انتخابات عامة منذ الاستقلال، بعد سنوات من التأجيل بسبب الأزمات السياسية والأمنية والفنية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إدراج أبيي باعتباره جزءا من مقاربة تربط توسيع التمثيل السياسي ببناء مؤسسات الدولة.
لكن ما يبدو من جوبا توسيعا للتمثيل، يبدو من الخرطوم إجراء أحاديا يمس قضية سيادية لم تحسم.
فالسودان يعتبر أن أية خطوة تتعلق بالإدارة أو التمثيل السياسي في أبيي ينبغي أن تستند إلى المرجعيات القانونية والسياسية التي حكمت وضع المنطقة، وألا تسبق التسوية النهائية المتفق عليها بين الدولتين.
وهنا تكمن العقدة الأساسية التي ترصدها الورقة: جوبا تنظر إلى أبيي من زاوية المشاركة السياسية وبناء المؤسسات، بينما تنظر إليها الخرطوم من زاوية الوضع النهائي والسيادة والالتزام بالاتفاقات السابقة.
وبذلك يعيد القرار الانتخابي القضية إلى المجال السياسي بعدما تركز التعامل معها سنوات طويلة على الجوانب الأمنية والإدارية.
تعود الورقة إلى الجذور القانونية للنزاع لتفسير حساسية الخطوة الحالية. فقد حصلت أبيي على وضع خاص ضمن اتفاقية السلام الشامل بسبب موقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية وأهميتها الاقتصادية.
ونص بروتوكول حل النزاع حول أبيي على وضع إداري خاص للمنطقة خلال المرحلة الانتقالية، وإنشاء مؤسسات انتقالية لإدارتها، إلى جانب تنظيم استفتاء يحدد مستقبلها السياسي بالتزامن مع استفتاء تقرير مصير جنوب السودان.
لكن الخلاف على تنفيذ الاستفتاء، وخصوصا تحديد من يحق لهم التصويت، حال دون إجرائه، فتحولت أبيي بعد استقلال جنوب السودان إلى واحدة من القضايا الكبرى العالقة بين الدولتين، إلى جانب الحدود والموارد والترتيبات الأمنية.
ولم ينه اللجوء إلى التحكيم المشكلة. فقد أعادت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي تحديد حدود منطقة أبيي، وأسهم قرارها في معالجة الخلاف حول نطاقها الجغرافي، لكنه لم يحسم وضعها السياسي النهائي أو مشكلات الإدارة والتمثيل المحلي، التي ظلت مرتبطة بالتوافق بين الخرطوم وجوبا.
ومع تصاعد التوتر الأمني، أصبحت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي "يونيسفا" جزءا أساسيا من ترتيبات المنطقة، وتولت مراقبة الوضع الأمني والمساعدة في توفير بيئة تسمح باستمرار الحوار.
وهكذا نشأ وضع استثنائي امتد سنوات: حدود جرى تحديدها إلى حد كبير، لكن السيادة السياسية بقيت معلقة، وترتيبات أمنية مؤقتة تحولت بفعل الزمن إلى واقع مستمر.
وترى الورقة أن هذا هو جوهر المأزق الحالي؛ فالقانون وفر إطارا لإدارة النزاع، لكنه لم ينتج تسوية سياسية نهائية، ولذلك يستطيع كل طرف الاستناد إلى قراءة مختلفة للعلاقة بين تلك المرجعيات والواقع الراهن.
لا تقرأ الورقة الرفض السوداني بمعزل عن الظروف التي يمر بها السودان؛ فالحرب الداخلية جعلت الأمن الوطني وإدارة الحدود والعلاقات مع دول الجوار في مقدمة الأولويات، وأصبحت أبيي أكثر حساسية بسبب موقعها والتداخلات الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات المحلية على جانبي الحدود.
لكن الخرطوم تواجه معادلة أكثر تعقيدا من مجرد رفض الخطوة الجنوب سودانية.
فبين البلدين مصالح اقتصادية وأمنية كبيرة، وفي مقدمتها اعتماد جنوب السودان على البنية التحتية السودانية لتصدير النفط عبر خطوط الأنابيب إلى موانئ البحر الأحمر. كما تربطهما التجارة الحدودية وحركة السكان والتنسيق الأمني والملفات الإنسانية.
ولهذا تشير الورقة إلى أن السودان يحاول الجمع بين موقفين: التمسك برفض إدراج أبيي في الانتخابات، وتجنب تحويل هذا الرفض إلى أزمة أوسع تضر بعلاقاته ومصالحه مع جنوب السودان.
وفي المقابل، أصبحت أبيي أكثر ارتباطا بالحسابات السياسية الداخلية في جوبا مع اقتراب الانتخابات؛ فقضايا التمثيل والدوائر الانتخابية والشرعية السياسية تضع المنطقة داخل النقاش السياسي الجنوب سوداني، بعدما كان الملف يتحرك بدرجة أكبر داخل قنوات التفاوض بين الدولتين.
ومن هنا يصبح الخطر في أن تنتقل أبيي من قضية تفاوضية مؤجلة إلى قضية تستخدم في السياسة الداخلية، بما يجعل تقديم التنازلات بشأنها أكثر صعوبة على الطرفين.
وترجح الورقة حتى الآن استمرار الخرطوم في استخدام القنوات السياسية والدبلوماسية، مع الحفاظ على رفضها للخطوة، ومحاولة منع الخلاف من الإضرار بالمصالح المشتركة والاستقرار الحدودي.
توسع الورقة دائرة النظر إلى أبيي، فلا تتعامل معها باعتبارها نزاعا حدوديا ثنائيا فقط، وإنما تضعها داخل بيئة القرن الأفريقي وحوض النيل، حيث تتداخل نزاعات الحدود والموارد والأمن وحركة السكان والنزوح.
ويعطي استمرار وجود "يونيسفا" مؤشرا على أن القضية لم تعد قابلة للإدارة بواسطة الخرطوم وجوبا وحدهما؛ فالقوة الدولية ما زالت تؤدي دورا في حماية المدنيين ومراقبة الوضع الأمني وتعزيز التواصل بين المجتمعات المحلية، واستمرار الحاجة إليها يعكس بدوره تعثر الوصول إلى حل سياسي نهائي.
ويظل الاتحاد الإفريقي بدوره طرفا مهما في الملف، انطلاقا من دوره في قضايا السلام والحدود وتشجيع الحلول التفاوضية بين الدولتين.
وتضيف الحرب في السودان عنصرا جديدا إلى المعادلة؛ فقد زادت الضغوط على المناطق الحدودية بفعل النزوح وتغير حركة التجارة والتنقل، ما يجعل أي توتر جديد حول أبيي جزءا من بيئة إقليمية مضطربة بالفعل.
لكن الاقتصاد يعمل في الاتجاه المعاكس؛ فارتباط مصالح الدولتين بالنفط والتجارة والحدود وحركة السكان يمنحهما أسبابا عملية لتجنب الانزلاق إلى مواجهة جديدة. ومن هنا ترى الورقة أن المصالح الاقتصادية ليست عنصرا هامشيا، بل أحد عوامل كبح التصعيد المحتمل.
تضع الورقة ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تتحرك عبرها القضية.
المسار الأول هو احتواء الخلاف بالحوار السياسي، بحيث تستمر الاتصالات بين الخرطوم وجوبا، ويعامل إدراج أبيي في الدوائر الانتخابية باعتباره خلافا سياسيا وقانونيا ينبغي التفاوض بشأنه، من دون السماح له بالانتقال إلى الملفات الأخرى.
وتدعم هذا المسار المصالح المتبادلة بين الدولتين، وخصوصا النفط والأمن الحدودي والتجارة وحركة السكان، فضلًا عن قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على المساعدة في إبقاء الخلاف داخل القنوات السياسية.
أما المسار الثاني فهو تصاعد التوتر السياسي بين الخرطوم وجوبا إذا استمر الخلاف على تفسير الوضع القانوني لأبيي، وتحولت القضية إلى عنصر في الخطاب السياسي الداخلي. وقد تزداد هذه المخاطر كلما ارتبطت أبيي بالهوية والانتماء والتمثيل السياسي، بما قد ينقل التوتر إلى التعاون الأمني والاقتصادي والملفات الحدودية.
ويتمثل المسار الثالث في تعزيز الدور الإقليمي والدولي إذا عجز البلدان عن التوصل إلى تفاهم ثنائي، بما قد يؤدي إلى تنشيط دور الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وإعادة البحث عن صيغة سياسية للتعامل مع الوضع الانتقالي المستمر للمنطقة.
وترجح الورقة مسار الاحتواء السياسي؛ لأنه الأكثر ارتباطا بمصالح السودان وجنوب السودان، لكنها لا تستبعد التصعيد إذا تعذر التفاهم واستمرت أبيي في الدخول ضمن الحسابات السياسية الداخلية.
وفي المحصلة، تكشف أزمة أبيي مفارقة استمرت منذ انفصال جنوب السودان: استطاع الطرفان إدارة الخلاف سنوات طويلة، لكنهما لم يستطيعا حله. ولذلك يكفي قرار انتخابي لإعادة القضية بكل عناصرها القديمة – السيادة والحدود والهوية والتمثيل السياسي – إلى الواجهة.
وتصبح الانتخابات بذلك أكثر من استحقاق داخلي في جنوب السودان؛ لأنها تضع الخرطوم وجوبا أمام اختبار جديد: هل تستطيعان إبقاء أبيي قضية خلاف تدار بالتفاوض، أم يؤدي إدخال المنطقة في العملية السياسية الجنوب سودانية إلى تحويل الأزمة المؤجلة إلى مواجهة سياسية جديدة بين الدولتين؟
_________
للاطلاع على الدراسة كاملة (اضغط هنا)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة