آخر الأخبار

"كهف جبريل ودماء هابيل".. قصة جبل قاسيون من بدء الخلق إلى سقوط الأسد

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

إذا كان الماء يبدأ من دمشق كما قال نزار قباني، فدمشق تبدأ من قاسيون وتنتهي إليه؛ ممتدة بين كفه امتداد التاريخ، المتسع اتساع الماء والدم في تاريخ سوريا القديم والحديث. فلكل صوت في دمشق نبع ورجع صدى في قاسيون، صوت الأرض العابر للقرون، والجبل الذي أدمن الوقوف منذ أن افتر وجهُ الأرض عن الشام.

تنأى دمشق ارتفاعا في شغاف الزمان، واخضلالا في حدائق التاريخ، لكنها ترى في قاسيون الأب والحارس الذي لا تنفر إلا إليه، ولا تتطاول إلى لتغفو في مهاد من حرير سفوحه، تلقي إليه بأسرارها، وتستودع صمتها قصة الخليقة وتاريخ النشأة، ومبتدأ الدنيا وخبر العصور، مدينة لم تعرف الرتابة منذ أن خلقها الله، كانت دائما فؤاد الأيام وسرة الدنيا، ومنارة التاريخ ووجهة الصراع، ومأوى النازح وهي بين يدي جبلها الحارس؛ أصغر بما يكفي لتحيط بها عين من ترقى إلى القنة الشماء، غير أنها أكبر من أن تحيط بها كلمات التاريخ.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 إيفو صانع الفيروسات.. النموذج اللغوي الأخطر الذي لا يحدثك عنه أحد
* list 2 of 2 "عطا الذي في براغ".. كيف صُنِعت أكذوبة الصلة بين صدام حسين والقاعدة؟ end of list

كان منذ أن استقر سفحه في جلسة الواعظ، وانهماك الراهب، يبصر الدنيا، بأحلامها وزعازعها، يرى قوافل القرون والدول والملوك والأعصار، تدخل دمشق وتغادرها، وبين المغارات الغائرة في ضلوعه، احتضن الفارين من لهب الدنيا وعذاب القصور إلى سعة النسك والتزهد، والمستعيذين بغوره المظلم العتيق من فتكات الأيام وأوتار الأضغان، يبصر الدنيا محترقة، ثم يأويها بين أجنحة الصخر، ليعيدها نشأتها الأولى مدينة ولدت من الدم، واغتسلت به، وتوضأ على صخورها الأنبياء والصالحون والرهبان، وتناثرت عليها صفحات الأيام تاريخا وفنا وحضارة وأزمات وكوارث.

يحمل قاسيون في صخوره تاريخ الأسطورة، وبين سفوحه ومغاراته، ذاكرة الدين، وعلى قممه أسرار الحروب والصراعات، وفي سفحه دمشق، وكفى بذلك من أعباء التاريخ وثراء الأيام، ومن كل ذلك تبدأ قصة من قصص دمشق.

مصدر الصورة لقطة جوية تظهر جبل قاسيون، وساحة الأمويين، والتكية السليمانية، ومبنى هيئة الأركان العامة التابع لوزارة الدفاع في دمشق، سوريا (الأناضول)

وإذا استعار قاسيون من نظيره الأندلسي أبيات ابن خفاجة، لربما قال إن الجبال، وإن اختلفت أوطانها، تتشابه في الشموخ وفي مراقبة تقلبات الزمان:

وأرعن طماح الذؤابة باذخ … يطاول أعنان السماء بغارب

يسد مهب الريح من كل وجهة … ويزحم ليلا شهبه بالمناكب

يلوث عليه الغيم سود عمائم … لها من وميض البرق حمر ذوائب

غير أن قاسيون يصيح في آفاق الزمان: لست مقيما على ظهر الفلاة، بل أنا قصة الحضارة وحارس دمشق الفيحاء.

قاسيون.. مبتدأ الدنيا

تتسامق شِعاف قاسيون رانية إلى السماء بارتفاع يصل إلى نحو 1153 مترا، وتقول حفريات الجيولوجيا إن قاسيون هضبة محدبة، تشكلت في ما يعرف بحقبة "الكريتاسي السينوماني " أو العصر الطباشيري المتأخر " قبل قرابة 100 مليون عام. أما أضابير التاريخ فلها حداء شجي بأن حدبات قاسيون ما هي إلا حقائب الأيام، وأوراق السنين.

إعلان

ورغم ارتفاعه الشاهق عن الأرض، فإنه ظل وما زال مسقى الدنيا وشلال الحياة، وعلى سفوحه أكثر من 500 ألف شجرة، ومن جراح صخوره، تدفقت آلاف النوافير من الماء العذب ساقية دمشق ومنبتة بين حواريها مخضلات الحدائق ومائسات أشجار الصنوبر والزيتون، كما تنتثر على منافذ الصخر عشرات الأحياء الدمشقية العريقة التي وجدت في ظلال قاسيون شجرة الحياة التي ربطت جذورها بالسفح الراسخ.

ورغم أن قاسيون عصي على الشيخوخة، فقد لعبت به أحوال الدنيا وزعازع الأيام، فنحتت بين ضلوعه مرآة خالدة "لارتصافات صخرية شديدة، وجروف شاقولية، ومنحدرات رملية بالغة الخطورة " وفقا للجغرافيين، وطبعت عليه طبقاتها الكلسية، قبل أن تنفرج شفاهه عن الماء العذب الذي نبع في فترات تاريخية من قناتين إحداهما رفيقة الدنيا، فقد تفجر نبعها في زمن الرومان، والأخرى إسلامية النمير، وسعها عمال يزيد بن معاوية، وتقاسم العصران اسمي النهرين، حيث حمل الأول اسم تورا، والثاني يزيد.

وليست عينا قاسيون هي كل علاقته مع الماء، بل هو مغتسل الصخر من رحيق الأيام، يفصله نهر بردى ذو الفروع السبعة عن جبل المزة، ملوحا بذلك من وراء الفاصل العذب لإخوته: جبل الشيخ وسهل حوران ذي المياه العذبة، دون أن تنتهي قصة قاسيون مع الماء، حيث تفصله مياه منين شرقا عن جبال القلمون، وكان شاهدا على زمن فاض فيه "يزيد " على سفح الجبل، ماء أمويا عذبا وقصة نسب إلى عبد شمس لا ينقطع.

مدائن الأولياء وملتقى الأمم

تتناثر على سفح قاسيون قصة الحضارة، وتنتظم فيه متفرقات الدنيا، وعلى أديمه الصخري، تمتد كالأمل الفسيح أحياء كبيرة من أبرزها حي الصالحية، الذي تأسس في القرن الثاني عشر الميلادي، على أيدي آل قدامة المقادسة. ويصنف الصالحية ضمن أهم أحياء دمشق وأعرقها، وفيه كبريات المدارس العريقة والمنشآت والآثار التاريخية، مثل المدرسة العمرية، والمدرسة الأتابكية الأيوبية، وتربة السيدة فاطمة خاتون التي تقع ضمن المنطقة التي يُطلق عليها بعض الدمشقيين "البقيع الشامي ".

وفي العراقة يمثل حي الشيخ محيي الدين القلب النابض لحي الصالحية، حيث يحمل اسم الإمام الصوفي الكبير الشيخ محيي الدين بن عربي، وبين أفياء وحواري هذا الحي تتناثر "فصوص الحكم"، ومواويل الدراويش وتراجم الزهاد، ويمتد في سماء الحي من الآثار الخالدة الجامع السليمي الذي شيده السلطان العثماني سليم الأول على ضريح ابن عربي، إضافة إلى التكية السليمية وهي مضافة خيرية ظلت حقبا من الزمن تأوي الغريب وتشبع الجائع وتكسو الفقير.

"على مر الأيام، أخذ قاسيون أكثر من اسم، فلم تكن الشعوب والأزمان والقرون لتتفق له على اسم واحد "

ومن الأحياء القاسيونية الشهيرة حي ركن الدين وفيه أقام الأكراد، وتأسست علائقهم الدمشقية منذ أن أسس فيه المدرسة الركنية الأميرُ ركن الدين منكورس (أحد أمراء الدولة الأيوبية) سنة 1224م (621 هـ) لتضم بعد ذلك ضريحه وذاكره، متوازية مع المدرسة الأتابكية وهي معلم أيوبي خالد، وضفيرة تاريخ على أصداغ قاسيون.

وإلى جانب هذه الأحياء العريقة، تمتد على سفح قاسيون أحياء أخرى مثل حي الشركس الذي أسسه المهاجرون إلى دمشق من قومية الشركس، وكذا حي المهاجرين بمعالمه التاريخية مثل المسجد الجديد، وكذا القصور العثمانية التي أقامها السلاطين والولاة العثمانيون لتكون مقرات للحكم ومثابات استجمام في دمشق التي لبست أثواب الممالك والإمبراطوريات، وأسمال الغزو والدمار أكثر من مرة.

إعلان

وعلى مر الأيام، أخذ قاسيون أكثر من اسم، فلم تكن الشعوب والأزمان والقرون لتتفق له على اسم واحد، وإن جثت الدنيا على الركب إجلالا له في كل حقبة، ويذهب العديد من المؤرخين الإسلاميين والشاميين بشكل خاص إلى أن قاسيون اسم آرامي قديم معناه يعني القوة والقسوة والصلابة.

مصدر الصورة على سفح قاسيون تتناثر قصة الحضارة، وتنتظم فيه متفرقات الدنيا (أسوشيتد برس)

ويقدم ياقوت الحموي صورة معجمية تقرب اسم الجبل وتاريخه الأشم حين يقول "قاسيون بالفتح، وسين مهملة، والياء تحتها نقطتان مضمومة، وآخره نون: وهو الجبل المشرف على مدينة دمشق وفيه عدّة مغاور وفيها آثار الأنبياء وكهوف، وفي سفحه مقبرة أهل الصلاح، وهو جبل معظّم مقدّس تُروى فيه آثار وللصالحين فيه أخبار ". وينقل عن القاضي محيي الدين أبو حامد محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري وهو بحلب رثاءه لكمال الدين قاضي القضاة بالشام وقد مات بدمشق سنة 572 هـ قائلا:

أَلِمُّوا بِسَفْحَيْ قاسيون فسلّموا … على جدث بادي السّنا وترحّموا

وأدّوا إليه عن كئيب تحيّة … يكلّفكم إهداءها القلب لا الفم

ذاكرة الدين ورفيق الرسالات

يتكئ قاسيون على سجادة القداسة منذ منطلق الخليقة، وعلى سفحه وبين شعافه قامت قصة الدين وأفانين الأسطورة، في تداخل بين المحسوس والمغيب، والبيان والعرفان منذ الأزل. يقول الخالد من الأساطير الدمشقية إن قاسيون كان مستقر الجيل الأول من بني آدم، وعلى سفحه قتل قابيل هابيل، وفي ما يسمى بـ "كهف جبريل " من ذلك الجبل الأشم جاءت الملائكة تعزي سيدنا آدم في ابنه القتيل بيد أخيه.

وتأخذ القصة في التراث الدمشقي لونا أسطوريا قاني التعابير، حيث شهق الجبل من هول الجريمة، حين زينت لقابيل نفسه قتل أخيه فقتله، فأصبح من النادمين، وعند تلك الشهقة الأولى انفرج الجبل عن مغارة كالفم، وانصبغ الهشيم باللون الأحمر القاني، وتظهر الملاحظة البصرية في مغارة الدم ما يشبه الفم والأسنان واللسان واللهاة، في سعي للتكامل بين النحت والأسطورة.

ومن مغارات قاسيون الشهيرة، مغارة الجوع التي يقال إن أربعين نبيا قضوا فيها جوعا بسبب التزهد والفرار من الدنيا، ويرى الدمشقيون أن تلك المغارات مواضع لاستجابة الدعاء، وقديما وحديثا يقصدها المتحنثون من العباد، فرارا من صخب الدنيا إلى رهبة الجبل المفعم بأسرار القرون وصفحات الأيام وأنات العباد ومواجع الحياة.

مصدر الصورة مدخل "مغارة الدم " الصخري في جبل قاسيون، والتي ترتبط في الأساطير الدمشقية بقصة مقتل هابيل كأول جريمة في التاريخ (الأناضول)

وفي حقائب الأيام من قداسة قاسيون الشيء الكثير، ففي حين يشير مؤرخون أن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام أقام فترة من الزمن على سفح الجبل، يذكر الإمام الحافظ ابن عساكر (توفي 571 هـ) في كتابه تاريخ مدينة دمشق أن أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام قد ولد على سفح هذا الجبل، عند قرية منه تعرف ببرزة، وكان له فيها مصلى أثار دهشته الأولى حول الكون والكواكب، قبل أن تأخذ بيده العناية إلى مقام الرسالة، وأبوة الأنبياء.

ويتسع سرد ابن عساكر ليقول إن خلف ذلك المصلى الغائر في ضلوع قاسيون يقع مقام سيدنا إبراهيم، وحوله مدفن لسبعين ألف شهيد، و700 نبي. أما ابن جبير فيورد في رحلته إلى دمشق، أن ربوة النيرب في سفح قاسيون كانت منزل حنَّة أم مريم العذراء، وأن مغارات الجيل كانت أيضا ملاذا لبعض الأنبياء من بينهم سيدنا يحيى بن زكريا عليهما السلام.

ويفخر أهل دمشق في مروياتهم الشعبية وتراثهم الاجتماعي العام، بأن تلة قاسيون هي محضن سيدنا عيسى بن مريم وأمه العذراء، وأن تلك التلة هي المقصودة بقوله جل من قائل "وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِين ".

مصدر الصورة الجروف الشاقولية لجبل قاسيون تحتضن مغارات غائرة، يقصدها المتحنثون والزوار فرارا من صخب الدنيا إلى رهبة الجبل (الأناضول)

وبين الحقيقة والأسطورة، لا تعدم القداسة في قاسيون محلا، لدى كل الديانات وكل النحل، وكما كان قاسيون مبتدأ الأيام فهو خبر الخليقة ومنتهى تحولاتها العظيمة، حيث تذهب بعض المرويات إلى أن محيط قاسيون القريب وتحديدا عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، سيكون موضعا لنزول المسيح عيسى بن مريم الهابط إلى الأرض بعد عروج إلى السماء، كما نقل ياقوت الحموي في معجمه.

إعلان

وفي ذاكرة القداسة القاسيونية ترد أسماء أنبياء كثر من مثل موسى وعيسى ولوط ويحيى بن زكريا وهود، وغيرهم من الأنبياء والرسل عليهم السلام.

وعلى ضفاف هذه المشاهد والمغارات المقدسة، ظلت عبر التاريخ الإسلامي تنشأ وتقوم اقتصاديات القداسة، حيث الأوقاف التي تضم العديد من البساتين والأراضي والعقارات، والمدارس، وهو ما يدر أموالا كبيرة لخدمة هذه المقامات المقدسة، واستقبال الفقراء وإطعام الجائعين وخدمة عابري السبيل ومن قذفت بهم سبل الحياة إلى سفوح قاسيون.

"لن تجد قلما أبدع في رسم قاسيون ومدائنه من الشيخ علي الطنطاوي "

وإذا حبر الرحالة والمؤرخون والأولياء تاريخ قاسيون، فلن تجد قلما أبدع في رسم قاسيون ومدائنه من الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى وهو يرنو إلى دمشق من شَعَفات الجبل الأشم مدونا: "كنت إذا صعدت جبل قاسيون وبدت لي دمشق بغوطتَيها، وانجلت لعينَيّ لوحة عرضها أكثر من عشرين كيلا، ألفّها بنظرة واحدة من شرفة داري؛ أرى الدنيا كلها تجمّعت مصغّرة فيها: فالعمران في البلد يتوسطه الجامع الأموي وقبة النسر التي كانت -منذ كانت- من أعظم القِباب التي أقامها العقل المفكر واليد الصَّنَاع، والحدائق والجنّات من حولها، وبردى وأبناؤه الستة تجري من تحتها، والمِزّة تنظر إليها، وقاسيون يطلّ عليها، وسهول المزّة والكسوة تجاورها. فيها كل ما في الدنيا من سهل وجبل، وبستان وقفر، وساقية ونهر، ومسجد وقصر، إلاّ البحر. على أنك ترى حول البلد (أو كنت ترى) بحراً من الخضرة والنبت والشجر ".

ويضيف: "أرى دمشق كأنها طائر حطّ ليستريح، جسده وسط السور وجناحاه ممتدّان إلى ميدان الحصى وحيّ المهاجرين. أو كأنها عروس أتعبَتها حفلة الزفاف فنامت: رأسها على ركبتَي قاسيون وقدماها في قرية القدم، وقلبها حيال قلب البلد الذي يهفو إليه قلب كلّ مسلم، وهو المسجد، الجامع الأموي، أقدم المساجد الفخمة في ديار الإسلام ".

قاسيون.. حارس دمشق وعين الدولة

لم يغب قاسيون عن التحولات الحديثة للدولة السورية المعاصرة، فإذا كان في فترة من الفترات حدا طبيعيا لدمشق، فقد تحول بعد ذلك إلى ميدان توسع لا حد له، حيث ارتقت الأحياء في سفح قاسيون صعودا، وامتدادا.

وكما كان، فقد بقي قاسيون حارسا لدمشق، ومثوى للسلطة وعينا للدولة، ومنحه موقعه المطل على الدنيا الشامية إطارا إستراتيجيا مكن الدولة من الاستيعاب الحضري والأمني للجبل، خصوصا بعد أن انتقل الصعود إلى قاسيون من "الخلوة " إلى "الإرسال " ومن الاختباء إلى المراقبة، بعد أن أرست عليه الدولة السورية أبراج الاتصال، ومحطات الإرسال، لتكون الجغرافيا بذلك نقطة قوة للسياسة وبالذات السياسة العسكرية التي رسختها سلسلة الانقلابات التي آل أمرها إلى حكم آل الأسد البائد.

وقد ارتكزت على قمم وسفوح هذا الجبل كتيبة قاسيون لسرايا الدفاع، منذ 1964 إلى حين تغيير اسمها لاحقا إلى سرايا الدفاع في جبل الأربين، ثم توالت بعد ذلك المواقع والكتائب مثل قيادة الحرس الجمهوري التي كان يقودها باسل الأسد، ومن قبلها سرايا اللوائين المحمولين 105 و106.

"مثل قاسيون طيلة الثورة أحد أهم الأوراق العسكرية في يد النظام "

ومع بداية الثورة السورية، تحولت أجزاء واسعة من قمم قاسيون إلى مناطق عسكرية مغلقة، وحفرت الخنادق وشيدت المقرات العسكرية في أحشاء الصخر، ليستحيل الجبل في سنوات الجمر تلك إلى قلعة سيادية متصلة بعرش الحكم، وإلى أحد أبرز حراس الأسد ونظامه بعد أن كان حارسا لدمشق كلها، وهو ما مكن الأسد من إرساء قبضته بقوة، وخنق دمشق القاسيونية، إطلاقا للنيران المسعورة على كل متحرك وحماية لقصر الشعب الذي أباد الشعب، وتأمينا للاتصالات.

مثل قاسيون طيلة الثورة أحد أهم الأوراق العسكرية في يد النظام، وعنصرا هاما في الحرب، لا متفرجا على صراعات القرون، وتحولت سفوحه إلى أسوار لحصار العاصمة.

ورغم كل أسوار الحذر، وحسابات القوة، ودون أن "ينجي حذر من قدر " فقد خرج الأسد فارا من قصر الشعب، وترك خلفه دمشق الجريحة وقاسيون الشاحب، وجموعا من الشبيحة الذين بدأوا اختبار حياة السجون التي صبر تحت لهبها مئات آلاف السوريين خلال العقود الأسدية المريرة.

ومع سقوط النظام ودخول فيالق الثورة إلى دمشق الفيحاء، عادت رمزية قاسيون مرة أخرى إلى الواجهة فقد كان أول مكان يزوره الرئيس الحالي أحمد الشرع بعد دخوله دمشق، ثم أتبع ذلك بزيارتين حملت كل منهما رمزية خاصة، الأولى للمسجد الأموي، والثانية إلى منزله في حي المزة الدمشقي.

إعلان

وتعززت تلك الرمزية بعد أن اتخذ الشرع من سفحه خلفية لكلمته التي ألقى إلى الشعب السوري بعد أن أصبح نظام الأسد في خبر كان.

في ذلك اليوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بدا أن قاسيون يستعيد ألقه ويعود إلى أهله من جديد، بعد أن خلع عنه ركام الحقبة الأسدية، وتشامخ أكثر فلم تعد شوارعه مغلقة، ولم تعد قممه راجمات لهب على رؤوس الدمشقيين.

نبعة في شغاف الأدب

ومع ما حازه قاسيون من مكانة روحية وعسكرية وسياسية، فقد استبدَّ بأفئدة الشعراء، وتوسد شغاف قلوبهم منذ أزل قديم، وكانت صخوره الكلسية جزءا من تراصيع نزار قباني على سيف دمشقي قديم.

يهفو نزار إلى دمشق الفيحاء، التي لم تكن إلا ميسون الجميلة التي عشق في عينيها كل الشام، وفي ضفائرها الغجرية استعاد سلالم الحياة.

قادم من مدائن الريح وحدي … فاحتضني كالطفل يا قاسيون

أهي مجنونة بشوقي إليها … هذه الشام أم أنا المجنون

شام يا شام يا أميرة حبي … كيف ينسى غرامه المجنون

وربما لو قدر لقاسيون أن يتحدث لقال كيف ينسى غرامه قاسيون، لكن قاسيون عائذ بالصمت منذ الأزل.

أما خليل مردم بك، فيري في قاسيون قصة الزمان الخالد وشاهد الخليقة منذ بدئها وإنسان دمشق العالي المناكب.

على الزعازع والأهوال والباس … لو مادت الأرض يبقى الشامخ الراسي

عاري المناكب إلا أن تظلله … غمائم فهو معتّم بها كاسي

نأى بأعطافه من تيهه ورسا … بأصله وسما بالأنف والراس

ترى النجوم إذا لاحت فرائدها … كانت على رأسه تاجا من الماس

أما الشاعر أديب التقي فيرنو إلى دمشق من منارة الغربة، يهدى عبق الشوق إلى روابي قاسيون، ويراه حرزا للغوطة، ومنتدى للهوى ومقاما للهيام.

يا رَوابي قاسيون … كُلُّ قَلب فيكِ هاما

كُلَّما زادَ بُعادا … زادَهُ البُعد هياما

أَنتَ لِلغوطة حِرزٌ … صانَك اللَه دَواما

ولأحمد رامي حنين لا ينتهي إلى قاسيون يطول مع الزمن، لكنه يشتد عمقا ونقاء.

طــال شـوقي إلـى ربـي قاسـيون … وهفــا بــي إليـه فـرط حنينـي

غبـت عنكـم حـولا ومـا غـاب عني … مــا شـجا خـاطري وشـاق عيـوني

تلك معالم قاسيون، وذلك تاريخه الذي رافق الدنيا، كتفا تستند إليه دمشق، ومحرابا للأنبياء، ومأوى للصالحين من كل حدب وصوب، وكل حقبة وتاريخ، ومجنا ساترا لأهواء العشاق، إنه مبتدأ الخليفة وضفائر الأيام، وصناجة المحن، تستقي من عيونه نواعير الدهور، وتشيب من هيبته ذوائب الملوك، ولا يزال قاسيون فتيا على ظهر الليالي، شامخ المنكب في عنفوان الفارس، واحديداب الحكيم. إنه قاسيون حارس دمشق وذاكرة القرون.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا السعودية إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا