آخر الأخبار

"جيش" من اللصّات في مترو باريس.. من هي عشيرة حميدوفيتش؟

شارك

لا تكاد وجوههن تختفي عن شبكة مترو الأنفاق في باريس ووسائل النقل العام الرابطة بين مطار شارل ديغول الى مدينة الألعاب ديزني لاند. لقد نجحن لسنوات طويلة وبأساليب متوارية رغم صغر سنهن، في تحويل هذه المواقع إلى ما يشبه مصيدة لممارسة "فنون النشل واللصوصية" لكن سلسلة محاكمات في وقت لاحق هذا الشهر أعادت أنشطتهن إلى واجهة الرأي العام في العاصمة الباريسية.

مع إطلالة العقد الأول من الألفية الثالثة، ظل المشهد نفسه يتكرر يوميا أمام عربات المترو مع تدافع جماعات من القصر والبالغات ذوي الأصول الغجرية، لصيد الأموال بحقائب المسافرين والمصطافين من السياح، في عمليات سرقة خاطفة لا تتعدى الثواني، دون أن يردعهن أي شيء.

من البوسنة والهرسك الى أوروبا

وتعتمد لصات "عشيرة حميدوفيتش" التي تديرها شبكات منظمة، في نصب شراكهن، على سرعة التحرك والاندفاع وعلى سنهن بالأساس للحيلولة دون ملاحقتهن قضائيا، حيث يضمن القانون الفرنسي حماية من سنهم أقل من 13 عاما من المحاسبة الجنائية، وهو تكتيك سمح لمؤسس العشيرة، فاهيم حميدوفيتش، في الإبقاء على نشاط العصابة وتوسيعه بين المدن الأوروبية.

مصدر الصورة محطات مترو باريس مرتع للعشرات من اللصات التابعين لعشيرة حميدوفيتش (REUTERS)

لكن التحقيقات التي قادتها الشرطة الفرنسية بما في ذلك فرق حماية القصر بين عامي 2006 و2007، بدأت تكشف النقاب تدريجيا عمن يقف وراء جرائم الاتجار بالبشر وسلسلة سرقات تورطت فيها عصابات منحدرة من البوسنة والهرسك والمنتشرة في أكثر من دولة أوروبية، من بينها إيطاليا وسويسرا والنمسا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا.

وتعتقد الشرطة الفرنسية أن "عشيرة حميدوفيتش" التي يقودها مؤسسها البوسني فاهيم حميدوفتش، كانت مسؤولة عن نحو 75 % من السرقات المبلغ عنها في وسائل النقل العام في باريس وحدها عام 2010.

أفضت التحقيقات في نهاية المطاف الى الإطاحة بفاهيم بعد حملة اعتقالات في جنوب فرنسا وفي إيطاليا، والحكم عليه عام 2013 لمدة 12 عاما بتهمة الاتجار بالبشر والتآمر الإجرامي واستقطاب القصر لارتكاب جرائم، بعد طلبات من الادعاء العام بتشديد العقوبة.

إعلان

وشملت أحكام السجن أيضا زوجته بهيجة و19 عنصرا آخر من عشيرته من بينهم اثنين من أبنائه. وقبل ذلك كانت محكمة فيينا قد أصدرت بدورها عقوبات سجنية ضد حميدوفيتش وزوجته تقضي بسجنهما ثلاث سنوات بتهمة الاتجار بالبشر.

ترتيب هرمي

غير أن القصة لا تقف عند الإدانة، فقد كشفت التحقيقات الفرنسية عن شبكة واسعة ومنسقة للاتجار بالبشر، تعتمد ترتيبا هرميا في الأدوار والمهام داخل العشيرة، تتوزع بين اللصوص المباشرين على الأرض، وقادة الفرق، والزعماء المحليين للعشيرة، وزعماء الشبكة.

مصدر الصورة الشرطة الفرنسية منتشرة في محيط المحطة المركزية شمال باريس (الأوروبية)

وتُصنع ثروة العشيرة على رصيف المترو، إذ تعتمد عمليات السرقة وجمع المال بالأساس على الفتيات القصر والغجريات من البوسنة والهرسك والمنتشرات في أنفاق باريس والأماكن السياحية. ويركز نشاطهن على استهداف السياح الآسيويين الذين يعتقد على نطاق واسع حملهم لمبالغ مالية كبيرة عند السفر.

وتكشف شهادات في التحقيقات نشرت في الصحافة الفرنسية، عن تعرض اللصات الى العنف والضرب والحرق بالسجائر وحتى الاغتصاب، لإرغامهن على جمع مبالغ حددت بسقف لا يقل عن 300 يورو يوميا (نحو 348 دولارا أميركيا).

وفي المقابل تفيد التحقيقات بأن فهيم حميدوفيتش وزوجته بهيجة الذين اعتقلا في إيطاليا، كانا يعيشان في إقامة فخمة في روما وكانا يعتمدان على الوسطاء من أبناء العشيرة بمن فيهم أبناؤهم وزوجات أبنائهم وأبناء إخوتهم، على جمع المبالغ المسروقة، من باريس ومدريد وبروكسل في موعد منتظم يتم تحديده كل أسبوعين بجنوب فرنسا، ليتم تبييضه في اقتناء العقارات والمقتنيات الثمينة والفاخرة.

ووفق الأرقام المتداولة للمدعي العام في باريس، فقد حققت عشيرة حميدوفيتش أرباحا من عمليات السرقة تقدر بنحو 1.3 مليون يورو (نحو 1.5 مليار دولار) عام 2009 وحده.

لكن رغم حملة الإيقافات والاعتقالات لأفراد العصابة فإن العشيرة لم تقل كلمتها الأخيرة.

جيل ثاني

في مايو/آيار 2021 وبعد الأزمة الصحية العالمية المرتبطة بجائحة كوفيد، أعلنت السلطات الفرنسية عن تصاعد لافت في عمليات السرقة بمترو باريس وقطار الضواحي، حيث تم الإبلاغ عن حوالي 400 عملية سرقة في تلك الفترة تورطت فيها قاصرات وفتيات من أصول بوسنية، مع إيقافات طالت أكثر من 250 شخص ضمن تحقيقات أمنية واسعة.

وفي نهاية عام 2022، أمكن للمحققين من حصر الشبهات في زعامة جديدة للعشيرة يقودها روبرتو حميدوفيتش ابن الأخ لفهيم حميدوفيتش، في منطقة باريس. وأسفرت التحقيقات الأولى حسب الشرطة الفرنسية عن توجيه الاتهام إلى ثمانية أشخاص، من بينهم الزعيم الجديد وزوجته واثنين من أطفالهما الثلاثة عشر.

مصدر الصورة ثمانية موقوفين في السجن من "عشيرة حميدوفيتش" ينتظر محاكمتهم في أيلول/سبتمبر (رويترز)

تشير المعلومات حتى الآن إلى أن الزعيم الجديد وزوجته قاما باستغلال ثلاثة من أبنائهما القصر الى جانب تجنيد العشرات من الفتيات والقاصرات الغجريات من البوسنة والهرسك. بينما قدرت تقارير حجم الأموال التي جمعها الجيل الثاني من العشيرة بنحو 15 مليون يورو (نحو 17.4 مليون دولار أميركي).

إعلان

ومن المقرر أن تُعقد جلسات محاكمة للموقوفين، وهم جميعهم في الحبس الاحتياطي، في الفترة من 15 إلى 23 أيلول/سبتمبر الجاري في باريس، على وجه الخصوص بتهمة استقطاب قاصرين لارتكاب جرائم وغسل أموال العصابات المنظمة، في أعمال امتدت من يناير/كانون الثاني 2022 إلى آذار/مارس 2024.

وليس واضحا ما إذا كانت جلسات المحاكمة ستنهي بالكامل أنشطة "عشيرة حميدوفيتش" المتشعبة باريس وعواصم أوروبية أخرى. ففي حزيران/يونيو 2023 أودعت السلطات 31 طفلا من مجندي العشيرة في مركز لرعاية الطفولة لكن أكثر من نصفهم هربوا من المركز في اليوم التالي، ولا يعرف أين ستكون وجهتهم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا