في الشهر الماضي عام 2026، أصدر صندوق النقد الدولي تحديثه الجديد لـ "القائمة السلبية " (المحيّنة حتى 30 يونيو/حزيران 2026)، والتي تضم الدول التي تأخرت عن إتمام مشاوراتها السنوية بموجب "المادة الرابعة " لأكثر من 18 شهرا.
قد يبدو هذا التصنيف للوهلة الأولى مجرد إجراء إداري روتيني، لكن تفكيك الآلية التي بنيت عليها هذه القائمة يثبت أننا أمام مؤشر عميق يعكس درجة القطيعة بين الدول والمنظومة المالية العالمية.
عندما أسست هذه السياسة عام 2012، كان الصندوق يتجنب انتهاج سياسة "التشهير " ضد أعضائه، ولذلك، ضبطت معايير الإدراج بحذر شديد: فكل دولة لها دورة مشاورات بـ12 شهرا، تضاف إليها مهلة سماح بـ3 أشهر.
تثبيت تونس في القائمة السلبية منذ سنوات لم يكن وليد ظروف طارئة أو عوائق قاهرة كما هو الشأن بالنسبة لعدد من دول القائمة، بل جاء ثمرة قرار سياسي واختيار إرادي بقطع الصلة مع صندوق النقد الدولي، متسلحا برهانات على بدائل داخلية وخارجية أثبت الواقع فشلها
ولا تدرج الدولة في "القائمة السلبية " إلا إذا راكمت تأخيرا إضافيا بـ18 شهرا كاملة (أي بتأخير تراكمي يبلغ 33 شهرا منذ آخر استشارة).
بالنسبة لتونس، عقدت آخر استشارة في 17 فبراير/شباط 2021، وكان يفترض إتمام الاستشارة الموالية في أجل أقصاه 17 مايو/أيار 2022. وبلغة الأرقام، وصل التأخير الرسمي لتونس بحلول منتصف عام 2026 إلى 49 شهرا، أي أنه مرت أكثر من 5 سنوات و4 أشهر دون أي تقييم مؤسساتي للاقتصاد التونسي.
إن تثبيت تونس في القائمة السلبية منذ سنوات لم يكن وليد ظروف طارئة أو عوائق قاهرة كما هو الشأن بالنسبة لعدد من دول القائمة، بل جاء ثمرة قرار سياسي واختيار إرادي بقطع الصلة مع صندوق النقد الدولي، متسلحا برهانات على بدائل داخلية وخارجية أثبت الواقع فشلها.
وقد أفضى هذا الانسداد تباعا إلى الانعطاف القسري نحو الاقتراض الداخلي والمصرفي، لتستنزف الدولة سيولة البنوك وترتهن خزينتها للبنك المركزي؛ وهو ما أدى إلى مزاحمة الاستثمار الخاص وتعطيل عجلة الإنتاج، ليفرز بدوره أزمة تزويد حادة في السوق المحلية ومنحى تضخميا تصاعديا يختزل أبعاد المأزق الراهن.
إن القراءة المتقاطعة للدول المدرجة في هذه القائمة تخرج المسألة من دائرة التأخير الإداري وتضعها في صميم الاقتصاد السياسي، فالقائمة المحدثة كشفت عن ديناميكية لافتة.
فاليمن، مثلا، تمكن من الخروج من هذه القائمة بالرغم من الصراعات التي أنهكته طوال سنوات عديدة والتي أسهمت في تصنيفه من طرف الصندوق كبلد هش. ففي مارس/آذار 2026، استطاع اليمن استئناف مشاوراته بمجرد توفيره للبيانات وانفتاحه على الصندوق.
في المقابل، نجد دولا بدأت تستأنف علاقاتها بعد قطيعة عقود، مثل فنزويلا (بعد 21 عاما)، وسوريا (بعد 16 عاما)، وذلك إثر تغييرات سياسية عميقة فيها.
أما الدول التي رسخت في القائمة (مثل روسيا، بيلاروسيا، إيران، السودان، أفغانستان، وميانمار)، فهي دول تعيش إما صراعات مسلحة، أو عقوبات دولية قاسية، أو تفتقر لحكومات معترف بها.
وهنا تبرز المفارقة التونسية؛ فتونس ليست في حالة حرب، ولا تعاني من غياب حكومة معترف بها، ولا تواجه عوائق تقنية تمنعها من تبادل البيانات. وهذا يعني أن بقاء تونس في هذه القائمة ليس نتيجة لظروف قاهرة، بل هو نتاج قرار سياسي بحت صادر عن أعلى هرم السلطة.
وهو قرار حوّل مفهوم "السيادة المالية " من مقاربة تنموية شاملة، إلى مجرد إحلال محاسبي ضيق يعتمد على استبدال التمويل الخارجي باقتراض داخلي مكلف.
وإزاء سقوط هذا الرهان الداخلي، توجه الخطاب الرسمي نحو البحث عن بدائل تمويلية خارجية تعوض صندوق النقد الدولي، عبر التعويل على دول عربية ومؤسسات أفريقية.
غير أن الأسواق تعمل بمنطق، علاوة المخاطر السيادية ولا تعترف بالشعارات السياسية. فالأرقام أثبتت أن الدول العربية التي كانت تشكل سندا تقليديا للميزانية انسحبت بمجرد تعثر المسار مع الصندوق؛ حيث اقتصرت مساهمة الجزائر -مثلا- على 1.5 مليار دينار في عام 2022.
أمام انسداد قنوات التمويل الخارجي، وفشل آليات التمويل الاستثنائية الداخلية، اتجهت بوصلة الاقتراض قسرا نحو السوق المحلية، ما أحدث تشوها هيكليا في السياسة النقدية
ورغم برمجة تمويلات من هذه الدول في قوانين المالية اللاحقة، لم تتمكن الدولة من تعبئة مليم واحد منها بمجرد قطعها المفاوضات مع الصندوق.
وتتجلى ذروة الانكشاف المالي في حصيلة ميزانية عام 2024، حيث لم تتمكن الدولة من تعبئة سوى 3.5 مليارات دينار من إجمالي 16.5 مليار دينار تمت برمجتها، منها 328 مليون دينار فقط لدعم ميزانية الدولة من جملة 14.5 مليار دينار كانت مبرمجة، في غياب تام لدعم الدول العربية والمؤسسات الأفريقية.
والأخطر من ذلك هو التدهور الحاد في هيكلة الدين الخارجي، فاللجوء الاضطراري لمؤسسات كالبنك الأفريقي للاستيراد والتصدير لا يمثل تحررا من المديونية، بل هو انزلاق نحو تمويل أكثر كلفة.
فقبول قروض بنسبة فائدة تقارب 6% وبفترة سداد لا تتجاوز 7 سنوات (منها سنتان إمهال فقط) يمثل تمويلا باهظ الثمن يرفع كلفة خدمة الدين ويهدد سلامة المالية العمومية.
أمام انسداد قنوات التمويل الخارجي، وفشل آليات التمويل الاستثنائية الداخلية، اتجهت بوصلة الاقتراض قسرا نحو السوق المحلية، ما أحدث تشوها هيكليا في السياسة النقدية.
فقد تضاعف الاقتراض الداخلي بأكثر من ثلاث مرات، ليرتفع من 6.8 مليارات دينار في عام 2021 إلى 23.2 مليار دينار في عام 2024.
هذا التحول اتخذ طابعا هيكليا يعتمد على أدوات قصيرة الأجل؛ حيث ارتفعت موارد "رقاع الخزينة 52 أسبوعا " من 194 مليون دينار في عام 2021 إلى 6179 مليون دينار في عام 2023.
كما استنزفت الدولة سيولة البنوك عبر "القرض الرقاعي الوطني " الذي عبأ 5100 مليون دينار في عام 2024.
ولم يتوقف النزيف التمويلي عند البنوك التجارية، بل شمل الاستعانة المباشرة بالبنك المركزي التونسي بتمويلات بلغت 7 مليارات دينار في عام 2024 ومثلها في عام 2025، وصولا إلى 11 مليارا مبرمجة لسد عجز موازنة عام 2026.
ويعكس هذا التوجه المفرط نحو الداخل انحرافا صريحا في الأدوار الاقتصادية: فالبنك المركزي انزاح عن دوره كضامن لاستقرار الأسعار ليغدو ممولا رئيسيا للدولة، والبنوك تحولت من ممول للاستثمار المنتج إلى مقرض لخزينة الدولة هربا من المخاطر التجارية.
وهو مسار يقود حتما إلى خنق الاستثمار الخاص وتعطيل عجلة الإنتاج.
لقد أفرزت "القائمة السلبية " واقعا ملموسا تمثل في تقلص حجم الاقتراض الخارجي وتوفره بشروط قاسية من حيث التكلفة ومدة التسديد، وهو ما دفع الدولة للتعويل على العائدات السياحية وتحويلات التونسيين بالخارج لتأمين تزويد السوق وسداد الديون.
إلا أن هذين الموردين يتسمان بهشاشة عالية وارتهان لتقلبات خارجية، ولا يمكن التعويل عليهما هيكليا لتغطية خدمة دين خارجي باهظ وتمويل فاتورة واردات حيوية في آن واحد.
والدليل الأبرز على هذا القصور الهيكلي هو ما يعيشه المواطن التونسي من صعوبات يومية؛ فبالرغم من التدفقات المسجلة من السياحة والمغتربين، عجزت الدولة فعليا عن تأمين التزويد المنتظم للسوق.
تضافرت هذه العزلة المالية مع التوسع النقدي الداخلي لتفرز ضغوطا تضخمية تصاعدية، تغذيها ندرة السلع، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتنامي المخاطر السيادية. لنجد أنفسنا أمام خلاصة اقتصادية قاسية: إن فاتورة غياب الإرادة السياسية لحسم العلاقة مع المنظومة المالية العالمية، يدفعها الاقتصاد التونسي اليوم من رصيد نموه، ويدفعها المواطن من قوته اليومي
وقد زادت هذه الأزمة من تعقيد الأوضاع المعيشية في ظل الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، فضلا عن مساسها بعصب الاقتصاد، بدءا من النقص الفادح في سلع حيوية كالسكر والقهوة، مرورا بالفقدان المقلق للعديد من الأدوية، وصولا إلى اضطرابات توفير البنزين.
إن هذا الاضطراب الحاد في سلاسل الإمداد هو الترجمة الميدانية المباشرة لما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ "صدمة العرض ".
فالدينار المطبوع محليا والمقترض من البنك المركزي قادر على سداد الأجور وتغطية النفقات الداخلية، لكنه يفتقر تماما للقدرة على تأمين السوق من المواد الأساسية الموردة.
هذا الارتهان يجعل السيادة المالية مجرد وهم خطابي، ويبقي الموازنة العامة رهينة لتقلبات خارجية.
وأمام شح التمويل الخارجي، يستنزف احتياطي العملة الصعبة لسداد الديون كأولوية مطلقة، ليفرض ذلك آليا "ترشيدا قسريا " للواردات، يدفع الاقتصاد الحقيقي فاتورته في شكل ندرة حادة وشلل يصيب آلة الإنتاج المفتقرة للمواد الأولية.
إن المفارقة الكبرى في التجربة التونسية الحالية تكمن في أن البلاد تدفع تكلفة باهظة دون أدنى استفادة.
فهي تطبق فعليا جوهر سياسات "التعديل المالي " الانكماشية، مستجيبة عمليا لأقسى شروط صندوق النقد الدولي، لا سيما تلك المتعلقة بضغط كتلة الأجور وتقليص نفقات الدعم؛ وهي ذات الشروط التي كان الصندوق قاسيا وملحا في المطالبة بها قبل اتخاذ خيار قطع المفاوضات معه.
لكن تونس، ورغم تجرعها الكلفة القاسية لهذه الإصلاحات، لا تستفيد إطلاقا من القروض الميسرة للصندوق، بل تجد نفسها معاقبة ومثبتة في "القائمة السلبية " نتيجة تعنت إداري لا معنى له.
وتتجلى هذه التضحيات صراحة في الأرقام؛ فقد تراجعت حصة الأجور من 15.1% من الناتج المحلي في عام 2022 إلى 13.4% في عام 2024، وانخفضت نفقات الدعم من 6.8% إلى 5.9% بين 2024 و2025.
كان يفترض أن توظف هوامش التحرك المالي المكتسبة من ضغط النفقات في تمويل استثمارات عمومية تخلق الثروة. غير أن العزلة المالية الدولية الناجمة عن هذا التثبيت جعلت هذه الفرصة تتبخر، مما انعكس سلبا على نسب النمو الضعيفة ومعدلات البطالة العالية خاصة لدى الشباب المتعلم.
وفي المحصلة، تضافرت هذه العزلة المالية مع التوسع النقدي الداخلي لتفرز ضغوطا تضخمية تصاعدية، تغذيها ندرة السلع، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتنامي المخاطر السيادية.
لنجد أنفسنا أمام خلاصة اقتصادية قاسية: إن فاتورة غياب الإرادة السياسية لحسم العلاقة مع المنظومة المالية العالمية، يدفعها الاقتصاد التونسي اليوم من رصيد نموه، ويدفعها المواطن من قوته اليومي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة