في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في إسرائيل، كثيرا ما مر الطريق إلى رئاسة الحكومة عبر بوابة الجيش. فمن إسحاق رابين إلى إيهود باراك وأرييل شارون، وصل ثلاثة جنرالات إلى أعلى منصب سياسي مستندين إلى سجلهم العسكري وخبرتهم الأمنية. واليوم يظهر جنرال آخر على الطريق نفسه، لكن هذه المرة في مواجهة بنيامين نتنياهو مباشرة، هو غادي آيزنكوت.
أربعون عاما أمضاها آيزنكوت داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قبل أن يقرر أن معركته الأصعب لن تكون في ساحات القتال، وإنما في الساحة السياسية، حيث يسعى إلى منافسة نتنياهو على رئاسة الحكومة.
فمن هو آيزنكوت؟ وكيف تحول من أحد أبرز جنرالات الجيش الإسرائيلي إلى أحد أبرز التهديدات السياسية لنتنياهو؟
وُلد غادي آيزنكوت في طبريا عام 1960 لعائلة يهودية من أصول مغربية، والتحق بالجيش الإسرائيلي في سن الثامنة عشرة، وانضم إلى لواء جولاني، أحد أبرز ألوية المشاة في الجيش. ومن هناك بدأ رحلة الصعود داخل المؤسسة العسكرية، متنقلا من قائد فصيل إلى قائد كتيبة ثم قائد لواء، قبل أن يتولى قيادة المنطقة العسكرية الشمالية، وصولا إلى منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019.
وخلال أربعة عقود في المؤسسة العسكرية، لم يكن آيزنكوت مجرد ضابط ميداني، بل ارتبط اسمه بإحدى أكثر العقائد العسكرية إثارة للجدل في إسرائيل، وهي ما عُرفت بـ"عقيدة الضاحية" التي صيغت خلال حرب لبنان عام 2006، ونُسبت إلى نهج يقوم على استخدام قوة نارية واسعة ضد البنية التحتية في المناطق التي تنطلق منها الهجمات. ذلك الإرث العسكري منح آيزنكوت، عند دخوله السياسة، رصيدا أمنيا يصعب على خصومه تجاهله.
في عام 2022 دخل آيزنكوت الكنيست للمرة الأولى، من بوابة حزب "الوحدة الوطنية" بقيادة بيني غانتس. ولم يكن انتقاله من الجيش إلى السياسة استثناء في إسرائيل، حيث لطالما شكلت الخلفية الأمنية والعسكرية أحد مصادر الشرعية السياسية.
لكن التحول الأهم في مسيرة آيزنكوت جاء بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فخلفيته العسكرية جعلته واحدا من القلائل الذين انضموا إلى مجلس الحرب الذي شُكّل لإدارة الحرب، وهناك جلس في الغرف المغلقة إلى جانب نتنياهو وغانتس، وشارك في نقاشات تتعلق بالقرارات العسكرية والإستراتيجية. وهناك أيضا، وفق المسار الذي يقدمه آيزنكوت، انتقل الصراع من ساحة الحرب إلى قلب الحكومة.
في يونيو/حزيران 2024، استقال آيزنكوت من مجلس الحرب، موجها انتقادات مباشرة إلى نتنياهو. ولم تكن المسألة مجرد خلاف سياسي بين عضو في الائتلاف ورئيس الحكومة، وإنما خرجت من داخل الدائرة التي كانت تشارك في إدارة الحرب.
واتهم آيزنكوت نتنياهو بعرقلة اتخاذ قرارات إستراتيجية حاسمة، والأهم اتهامه بتغليب الاعتبارات السياسية والشخصية على تحقيق أهداف الحرب. وهنا اكتسبت الاستقالة أهمية خاصة.
فالمعارضة كانت تنتقد نتنياهو في الشوارع والكنيست، لكن انتقادات آيزنكوت جاءت من رجل يحمل تاريخا طويلا داخل المؤسسة الأمنية، وجلس في مجلس الحرب، وشاهد آلية اتخاذ القرارات من الداخل.
ومن ثم، لم يعد نتنياهو يواجه فقط خصما سياسيا يقول إن حكومته فشلت، بل جنرالا سابقا يستطيع أن يقول للناخب الإسرائيلي: كنت داخل الغرفة التي اتُّخذت فيها القرارات.
لسنوات، كان بيني غانتس المنافس الأبرز لنتنياهو. لكن تجربة الحرب غيرت المشهد السياسي داخل المعارضة الإسرائيلية. فغانتس وآيزنكوت دخلا مجلس الحرب معا، وخرجا منه معا تقريبا، لكن مساريهما السياسيين بدآ يفترقان بعد ذلك.
وتراجعت شعبية غانتس، بينما اختار آيزنكوت طريقا أكثر استقلالا. فبدلا من البقاء في إطار الحزب الذي قاده غانتس، أسّس آيزنكوت حزبه الخاص "يشار"، وبدأ بناء قاعدة سياسية مستقلة. وهنا بدأ الجنرال السابق يتحول تدريجيا من شخصية أمنية إلى مشروع سياسي ينافس نتنياهو على الحكم.
وظهر التحول الأبرز في استطلاعات الرأي. ففي يناير/كانون الثاني 2026، كانت استطلاعات الرأي تمنح حزب آيزنكوت نحو 8 مقاعد. لكن بعد خمسة أشهر فقط، وتحديدا في يونيو/حزيران، قفز الرقم إلى 19 مقعدا، وفق استطلاع لصحيفة "هآرتس".
والأهم من عدد المقاعد كان التحول في صورة آيزنكوت لدى الناخبين. ففي مؤشر الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة، تجاوز آيزنكوت نتنياهو للمرة الأولى، بنسبة 44% مقابل 42%. وهنا لم يعد الحديث عن جنرال سابق دخل السياسة، وإنما عن منافس بدأ يقترب من موقع نتنياهو نفسه.
المشكلة التاريخية التي واجهتها المعارضة الإسرائيلية هي قدرتها على التفوق على نتنياهو في بعض استطلاعات الرأي، لكنها غالبا ما عجزت عن تحويل ذلك التفوق إلى انتصار انتخابي. فالمنافسون يصلون إلى سقف معيَّن، ثم يجدون أنفسهم عاجزين عن اختراق القاعدة اليمينية التي تشكل العمود الفقري لحزب الليكود.
لكن آيزنكوت يحاول الوصول إلى هذه القاعدة من زاوية مختلفة. إنه لا يقدّم نفسه بوصفه سياسيا يساريا أو شخصية بعيدة عن المؤسسة الأمنية، بل بكونه جنرالا سابقا يعرف البيئة الأمنية التي يتحرك فيها الناخب الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، يحاول توسيع قاعدته السياسية باتجاه بيئات دينية وقومية يمينية. فهو يزور معاهد دينية تابعة لتيار الصهيونية الدينية، ويلتقي طلاب جامعة أريئيل في المستوطنات.
وبذلك يحاول بناء تركيبة سياسية تجمع بين الخبرة الأمنية والقدرة على مخاطبة اليمين، وهي معادلة يمكن أن تمنحه فرصة لاختراق المجال الذي حافظ نتنياهو عليه لسنوات.
صعود آيزنكوت لم يمر من دون رد فعل من معسكر نتنياهو. فقد أطلق حزب الليكود حملة ضده حملت عنوان "كفى تحريضا"، واتهمه بقيادة تحرك يهدف إلى استبدال حكومة اليمين بالاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة أقلية.
لكن آيزنكوت لم يتراجع، بل رد على الاتهامات بتحد مباشر، قائلا لنتنياهو "حدد الزمان والمكان، وتعال للإجابة أمام المواطنين".
والجملة تختصر طبيعة المواجهة الجديدة. فآيزنكوت لا يخوض معركة مع نتنياهو من موقع المعارض التقليدي، وإنما من موقع رجل يريد أن يثبت أنه قادر على مواجهته في المجال الذي ظل نتنياهو يعده أحد أهم مصادر قوته؛ الأمن والجيش وإدارة الحروب.
وهنا تحديدا تكمن خطورة آيزنكوت بالنسبة إلى نتنياهو. فالمنافس الجديد لا يأتي من هامش المؤسسة السياسية، ولا يعتمد فقط على خطاب المعارضة، وإنما يأتي من داخل المؤسسة الأمنية التي طالما استخدم نتنياهو علاقته بها ورصيده فيها لتعزيز مكانته.
فآيزنكوت يعرف الجيش من الداخل، وقاد المنطقة الشمالية، وترأس هيئة الأركان، وشارك في مجلس الحرب، وجلس إلى جانب نتنياهو في أكثر اللحظات حساسية، ثم خرج من المجلس وانتقد طريقة إدارة الحرب.
وهذه السلسلة تمنحه ميزة سياسية مختلفة، فهو يستطيع مخاطبة الناخب الذي يرى الأمن أولوية، من دون أن يبدو له بالضرورة أن التصويت لمنافس نتنياهو يعني التصويت لشخص يفتقر إلى الخبرة الأمنية.
مع اقتراب نهاية ولاية الكنيست الحالي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، يواجه نتنياهو مجموعة من الضغوط المتزامنة، من المحاكمات الجنائية إلى الأزمات الائتلافية، وصولا إلى المنافسة المتزايدة داخل الساحة السياسية. ومع ذلك، فقد أثبت نتنياهو مرارا قدرته على تجاوز توقعات خصومه والبقاء في السلطة رغم الأزمات.
لكن آيزنكوت يفرض معادلة مختلفة، فالرجل الذي يهدد موقع نتنياهو هذه المرة لم يأت من اليسار، ولم يأت من خارج المنظومة الأمنية، ولم يبدأ حياته السياسية بوصفه خصما تقليديا لرئيس الوزراء. إنه جاء من داخل المؤسسة العسكرية نفسها. دخل إلى مجلس الحرب، وعرف كيف يفكر نتنياهو، وشاهد كيف تُتخذ القرارات، ثم خرج إلى الساحة السياسية ليقول للناخب الإسرائيلي إنه قادر على تقديم بديل. ولهذا، فإن المعركة بين الرجلين ليست مجرد منافسة انتخابية عادية.
ويبقى السؤال: هل يستطيع غادي آيزنكوت أن يفعل ما فشل فيه منافسو نتنياهو طوال السنوات الماضية، فيكسر الحاجز الذي يفصل المعارضة عن قاعدة اليمين، ويحوّل تفوقه في استطلاعات الرأي إلى انتصار انتخابي؟
أم أن نتنياهو، الذي نجا من أزمات سياسية وانتخابية وقضائية عديدة، سيجد مرة أخرى طريقا للبقاء؟
هذه المرة، يبدو التحدي أكثر حساسية، لأن الرجل الذي يقترب من عرشه يعرف المؤسسة التي جاء منها نتنياهو، ويعرف الحرب التي يديرها، والأهم أنه كان يجلس إلى جواره عندما كانت القرارات تُتخذ خلف الأبواب المغلقة.
المصدر:
الجزيرة