آخر الأخبار

هل أصبحت "نفس" عنوان المعارضة الجديدة في تونس؟

شارك
شباب حركة «نفس» يحتجون على سلطة الرئيس قيس سعيد وتدهور الخدمات العامة. تونس العاصمة، 25 يوليو/ تموز 2026.صورة من: Tarek Guizani/DW

في يونيو/ حزيران 2026، قدم العشرات من المحامين والنشطاء وشخصيات مدنية وسياسية دعوى قضائية استعجالية ضد "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات" من أجل إبطال إجراءات انتخابية بأحد دوائر تونس العاصمة بسبب استيفاء أربعة أعضاء من الهيئة لمدتهم النيابية منذ التاسع من مايو/آيار.

لكن الدعوى التي أعلنت الحركة المدنية الناشئة "نفس" عن تبنيها ودعمها، تحولت لاحقا إلى منطلق للتعريف بنفسها في الشارع كحراك تصدر بسرعة موجة الاحتجاجات في تونس للدفاع عن استعادة النظام الديمقراطي واستقلالية القضاء وحرية التعبير ، في وقت انحسر وتراجع فيه بشدة نشاط الأحزاب المعارضة والمجتمع المدني والمنظمات الوطنية العريقة.

ماذا نعرف عن "نفس"؟

يعرف الحراك نفسه "كديناميكية مواطنية مستقلة، تأسست للدفاع عن الحقوق والحريات ، وعن دولة القانون والديمقراطية"، وهو لا يضم أعضاء وقياديين بالمعنى الحرفي ولكنه مبادرة مجتمعية مفتوحة على كل التيارات السياسية والمدنية.

ويوضح المنسق في الحراك حسام الحامي في مقابلة مع DW عربية أن "نفس" تهدف إلى مواصلة التحرك واستقطاب التونسيين بمختلف انتماءاتهم وتوحيد التقاطعات دون تفريق على أساس سياسي أو جهوي، والقاعدة الذهبية في ذلك أن لكل التونسيين الحق في التظاهر والاحتجاج".

يرى نشطاء أن صعود "نفس" يعود إلى حضورها القوي على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا بين الشباب، إضافة إلى تراجع الثقة في الأحزاب والمنظمات التقليدية. صورة من: Tarek Guizani/DW

ونتيجة لذلك يضم الحراك توليفة من عدة انتماءات من بينهم إسلاميين وليبراليين ومن تيارات اليسار إلى جانب محامين ونشطاء شباب، لكنه لا يسعى لأن يكون قاعدة سياسية، فالهدف هو إيجاد توازن ميداني يضم كل الجهات والحساسيات، كما يقول حسام الحامي.

وفي البيان الرسمي للحراك يعلن النشطاء تحت راية "نفس" بوضوح أنه ليس حزبا سياسيا ولا جبهة سياسية أو انتخابية ولا إطارا لصهر الاختلافات أو إلغائها، وإنما هو مساحة مواطنية للعمل المشترك حول قضايا تخص الدفاع عن الحقوق والحريات ودولة القانون، وعن كرامة المواطنات والمواطنين وحقوقهم الأساسية في الماء والغذاء والدواء والكهرباء والصحة والتعليم والعيش الكريم.

ويقول حسام الحامي لـDW عربية إن "مواجهة الاستبداد لا تكون بإعادة إنتاج الإقصاء، بل بالدفاع عن التعدّدية والتنوّع والحقّ في الاختلاف، باعتبارها أسسًا لا غنى عنها لأيّ حياة ديمقراطية".

حتى شهر أغسطس/آب نجحت "نفس" في صناعة الزخم من حولها في الشارع، حيث استند تحركها إلى تقييم حصيلة خمس سنوات من حكم الرئيس قيس سعيد منذ إعلانه التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 يوليو/تموز 2021، بالإضافة الى فترة حكمه الأولى عند انتخابه لأول مرة عام 2019.

ويترافق هذا التحرك مع وضع اقتصادي واجتماعي معقد تعيشه تونس بسبب ارتفاع الأسعار وكلفة المعيشة وتراجع الخدمات في قطاعات حيوية مثل الصحة والنقل والانقطاعات المتكررة للمياه، ليبلغ الوضع ذروته مع تكرار انقطاع الكهرباء لعدة ساعات وأزمة المياه المعلبة في عز الحر.

ومع أن "نفس" تمكنت بشكل تدريجي من استقطاب الجهات الساخطة ضد الوضع السياسي والاجتماعي في احتجاجات سلمية ضمت قطاعات من الشباب، إلا أن الحراك لا يقدم برنامجا تفصيليا لنشاطه المستقبلي. ويوضح حسام أن الهدف في هذه المرحلة هو التوصل إلى تصورات مشتركة مع باقي الأحزاب والمجتمع المدني.

لماذا نجحت "نفس"؟

قادت "نفس" في صيف تونس الحارق بين شهري يونيو/ حزيران وأغسطس/ آب، خمسة تحركات في الشارع في وقت خفتت فيه بشدة أصوات المنظمات الوطنية العريقة مثل الاتحاد العام التونسي للشغل ، لا سيما بعد قرار السلطة بوقف الاقتطاع الآلي من مرتبات العمال لتمويل المنظمة، إلى جانب الأحزاب السياسية التي يقبع أغلب رموزها في السجن.

ويرجع الناشط الحقوقي المستقل مسعود الرمضاني في تعليقه لـDW عربية، سبب هذا الزخم حول الحراك، أنه نجح في أن يقدم نفسه كحراك بعيد عن الاستقطاب السياسي، بدليل قدرته على استيعاب تيارات سياسية غير متجانسة تماما مثل الحزب الدستوري الحر و حركة النهضة الإسلامي ة، التي ظهر عدد من منتسبيهما جنبا إلى جنب في مسيرات "نفس"، وهو أمر نادر الحدوث في ظل العداوة الكبيرة بين الحزبين.

حرّكت "نفس" الشارع التونسي، لكنها تحتاج إلى دعم القوى السياسية والمدنية لتحقيق تأثير أكبر، بحسب نشطاء.صورة من: Tarek Guizani

لكن بخلاف ذلك يرى مراقبون أن حالة التصحر، التي بات عليها النشاط الحزبي والجمعياتي وانتشار الخوف من الإيقافات الأمنية وملاحقة السلطة والقضاء، وغيرها من العوامل، ساهمت في بروز "نفس" كبديل في الشارع.

ويوضح الناشط النقابي في صفاقس خالد غالي، في حديثه مع DW عربية، أسباب بروز حركة "نفس" بدءا من الدعاية الكبيرة التي حظي بها الحراك على مواقع السوشيال ميديا التي تملك تأثيرا كبيرا في صفوف الشباب وصولا إلى عوامل أخرى مثل عزوف الرأي العام عن الأحزاب والمنظمات بسبب أزمة الثقة، ونجاح السلطة بعد 25 يوليو/تموز في فرض رؤيتها في إبعاد الأجسام الوسيطة (أحزاب ومنظمات).

ويضيف النقابي على ذلك أن المحاكمات المتعددة للسياسيين في قضايا "التآمر على أمن الدولة" أو تلك المرتبطة بالمرسوم 54، الذي ينظم الجرائم المتعلقة بأنظمة الاتصال المعلوماتي، قد زادت من حالة الخوف من كل نشاط علني.

صحوة وبعد؟

لكن على الرغم من حالة الركود التي عرفتها الأجسام الوسيطة فإنه يحسب لحراك "نفس" أنه أشاع حالة من الصحوة بعد تحركه الأخير في 20 أغسطس/آب، وهو ما يؤكد عليه الناشط الحقوقي مسعود الرمضاني.

يضم حراك "نفس" توليفة من عدة انتماءات من بينهم إسلاميين وليبراليين ومن تيارات اليسار إلى جانب محامين ونشطاء شباب. صورة من: Tarek Guizani/DW

ويوضح الرمضاني لـDW عربية أن مبادرة حراك "نفس" كانت مهمة في تجاوز حالة الفراغ في الشارع وتحريك المياه الراكدة لكنها ليست كافية وحدها لترجيح الكفة، فهي تحتاج إلى دعم وتكاتف من باقي المنظمات والأحزاب.

وقد أصدرت بالفعل عدة أحزاب سياسية، من بينها حركة النهضة الإسلامية و"حزب العمال" و"آفاق تونس" و"حزب التكتل من أجل العمل والحريات" و"التيار الديمقراطي" بيانات تطالب بالتغيير السياسي.

ومن جهتها أصدرت المنظمات الوطنية أيضا، وهي "الاتحاد العام التونسي للشغل" و"الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان" و"هيئة المحامين"، بيانا مشتركا تضمن انتقادات مباشرة لسياسات السلطة وتدهور الوضع الاجتماعي وتضرر استقلالية القضاء، مع دعوة باقي المكونات الوطنية إلى العمل المشترك من أجل "فتح أفق وطني جديد"، وفق تعبيرها.

ويقول الناشط النقابي خالد غالي، إنه من المهم أن تتعافى الأحزاب والاتحاد العام التونسي للشغل، لينهضوا بواجبهم في توعية الجماهير وتأطيرها في التحركات المشروعة، ولاستعادة التوازن شيئا فشيئا.

لكن الأهم من كل ذلك، وفق النقابي، هو أن تبادر السلطة أيضا بإلغاء المرسوم 54 واستعادة الحوار النقابي والسياسي لتفادي سيناريوهات كارثية على البلاد، لا سيما في ظل تفاقم الأزمة الاجتماعية.

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا