في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا تبدو أهمية تفجيرات مرتفعات علي الطاهر في حجم المنشأة التي دُمرت فحسب، وإنما في إعادة تعريف الوظيفة العسكرية للموقع ضمن منظومة الانتشار الإسرائيلي جنوبي لبنان.
فبحسب قراءة العميد حسن جوني، كانت مرتفعات علي الطاهر تمثل قاعدة عسكرية ذات وظائف متعددة: تحصين، تخزين، قيادة وسيطرة، ومركز عمليات. وبالتالي فإن تدميرها يعني إزالة عقدة مهمة من البنية العسكرية التي كان يعتمد عليها حزب الله في هذه المنطقة.
لكنّ المفارقة الأساسية، وفق جوني، أن الموقع كان قد فقد وظيفته القتالية قبل تدميره؛ إذ إن السيطرة النارية الإسرائيلية عليه، وغياب أي مقاومة مباشرة انطلاقا منه خلال الفترة الأخيرة، جعلا المرتفع أقرب إلى منشأة لوجستية وقيادية جرى تعطيل دورها العملياتي مسبقا.
وهنا تكمن دلالة الانسحاب الإسرائيلي من المرتفع وإعادة التموضع في منطقة قلعة الشقيف. فالجيش الإسرائيلي، وفق هذه القراءة، لا يبدو مضطرا إلى الاحتفاظ بعلي الطاهر كنقطة احتلال متقدمة ما دام قد حقق الهدف الأهم: حرمان حزب الله من استخدام الموقع وتدمير بنيته التحتية.
تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي عن استمرار السيطرة على ما يسمى الخط الأصفر تشير إلى أن الانسحاب من علي الطاهر لا يعني بالضرورة تراجعا إسرائيليا من المنطقة، بل يمكن فهمه باعتباره إعادة تنظيم للانتشار. أي أن إسرائيل قد تنتقل من نموذج التقدم والاحتفاظ بكل موقع يتم الاستيلاء عليه، إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على:
وبهذا المعنى، فإن قلعة الشقيف قد تكون أكثر أهمية في هذه المرحلة من الاحتفاظ المباشر بعلي الطاهر، خصوصا إذا كان الهدف الإسرائيلي هو السيطرة على المجال المحيط بدلا من خوض معركة احتلال بري واسعة.
هنا تبرز النقطة الأكثر أهمية في كلام جوني. فالسيطرة على علي الطاهر، لو اقترنت بقرار إسرائيلي بالاحتفاظ بها عسكريا، يمكن أن تمنح القوات الإسرائيلية قاعدة متقدمة للعمل في اتجاهين:
لكنّ الانتقال من تدمير موقع إلى استخدامه كنقطة انطلاق لعملية برية أوسع يتطلب قرارا مختلفا تماما؛ لأنه يعني عمليا الانتقال من عمليات محدودة وإعادة تموضع إلى حرب برية أوسع مع حزب الله. ومن هنا تأتي أهمية عدم الخلط بين القدرة العسكرية على التقدم وبين القرار السياسي والعسكري بالتقدم.
التموضع في خطوط خلفية أكثر تحصينا يسمح لإسرائيل بتحقيق مجموعة من الأهداف في وقت واحد:
وهذا يجعل الانسحاب من علي الطاهر إعادة تموضع وليس بالضرورة تراجعا عسكريا.
يعتبر جوني أن حديث وزير الدفاع الإسرائيلي عن أن تدمير منشأة علي الطاهر يمنح إسرائيل قدرة أكبر على تهديد حزب الله في العمق يحمل بعدا سياسيا واضحا، هدفه تضخيم قيمة الإنجاز العسكري.
ومن الناحية العسكرية، فإن فقدان حزب الله لمنشأة إستراتيجية أمر مهم، لكنه لا يعني انهيار منظومته العسكرية، خصوصا أن التنظيم يعتمد على بنية لامركزية تنتشر في مساحة واسعة، مع تعدد المواقع والتحصينات والمخازن ومراكز القيادة. وبالتالي فإن تدمير عقدة واحدة يمكن أن يضعف جزءا من الشبكة، لكنه لا يؤدي تلقائيا إلى تعطيل الشبكة كلها.
ويمكن اختصار المشهد في علي الطاهر بثلاثة مستويات:
تدمير موقع ذي قيمة لوجستية وقيادية وتحصينية وحرمان حزب الله من إمكانية استخدامه مستقبلا.
الانسحاب من المرتفع والعودة إلى مواقع أكثر خلفية وتحصينا، بدلا من تحمل كلفة الاحتفاظ بنقطة متقدمة.
الإبقاء على الخط الأصفر تحت السيطرة، مع الاحتفاظ بالقدرة على ضرب العمق اللبناني، بما يعني أن إسرائيل تريد أن تقول إن الانسحاب من بعض النقاط لا يعني التخلي عن المبادرة العسكرية.
وعليه، فإن السؤال الأهم ليس: هل انسحبت إسرائيل من علي الطاهر؟ بل: هل يتحول هذا الانسحاب إلى نموذج جديد للانتشار الإسرائيلي في جنوب لبنان، يقوم على السيطرة النارية والاستخبارية والتمركز في مواقع إستراتيجية بدلا من الاحتلال المباشر لكل مرتفع؟
وإذا كان هذا هو النموذج الجديد، فإن علي الطاهر لا يمثل نهاية العملية الإسرائيلية، بقدر ما يمثل اختبارا لنمط عسكري جديد: تدمير القدرات، ثم إعادة التموضع، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام التصعيد متى قررت إسرائيل توسيع نطاق العمليات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة