في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القدس المحتلة- ليس العلَم أو الخيمة الاستيطانية نقطة معزولة في الضفة الغربية المحتلة، ولا يتحرك المستوطن الذي يقتحم أرضا فلسطينية من تلقاء نفسه. بل هناك منظومة إسرائيلية متشابكة تتقاطع أدوارها لتحويل البؤر الاستيطانية إلى وقائع ثابتة على الأرض، ودفع الضفة خطوة إضافية نحو الضم.
وتكشف التقارير الحقوقية والدولية، وبيانات الموازنات والقرارات الحكومية الإسرائيلية، عن منظومة متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين صناع القرار والجهات الممولة والمنظمات الاستيطانية والمجموعات الميدانية.
في قلب منظومة الاستيطان تقع الدائرة الحكومية، التي تتولى رسم السياسات وتوفير الميزانيات واتخاذ القرارات المتعلقة بالأرض والتخطيط والبنية التحتية والأمن من خلال:
وإضافة إلى ما سبق تتصدر عدة منظمات ومؤسسات مشهد نهب الضفة، نعرض فيما يلي أبرزها:
تعود جذور منظومة الاستيطان بالضفة إلى حركة "غوش إيمونيم" التي تأسست عام 1974 وتعاظم نفوذها بعد وصول حزب الليكود إلى الحكم عام 1977.
وتبنت الحركة رؤية دينية وقومية تقوم على تكريس الوجود اليهودي في ما تسميه "أرض إسرائيل الكبرى" وسعت إلى نشر المستوطنات والبؤر في أنحاء الضفة وربطها بالطرق لفرض واقع يصعب التراجع عنه.
وعام 1977، أقامت مستوطنات عوفرا وكيدوميم ومعاليه أدوميم، قبل أن يتوسع المشروع لاحقا في مناطق واسعة من الضفة.
وهكذا أرست المنظمة الأساس الأيديولوجي والميداني للاستيطان باعتباره أداة للسيطرة على الأرض، وإعادة رسم جغرافيتها.
عام 1978 تأسست حركة "أمانا" كذراع تنظيمية داعمة لـ"غوش إيمونيم" لتصبح لاحقا من أبرز الجهات المنفذة للمشروع الاستيطاني.
وتنشط الحركة في إقامة البؤر والمزارع الاستيطانية، وتوفير القروض والمعدات وشق الطرق وتطوير البنية التحتية، إلى جانب مساعدة المستوطنين وتوطين المهاجرين.
وبذلك أسهمت "أمانا" في تحويل الرؤية الأيديولوجية إلى مشروع ميداني متكامل، يحتاج إلى الأرض والطرق والبناء والتمويل والخدمات لفرض وجوده وتوسيعه.
عام 2005 تأسست حركة "نحالا" على يد موشيه ليفنجر ودانييلا فايس، مواصلة نهج "غوش إيمونيم" في توسيع الاستيطان وإقامة بؤر جديدة في الضفة الغربية.
وتتبنى الحركة رؤية ترفض الحلول السياسية وتتمسك بما تسميه "أرض إسرائيل الكبرى" وتقول إنها ساهمت في إقامة أكثر من 100 بؤرة حتى عام 2026، بدعم من أحزاب اليمين الديني، وفي مقدمتها الصهيونية الدينية وعظمة يهودية.
ومع تنامي نشاط هذه الحركات، باتت إقامة البؤر وسيلة لفرض الوجود على الأرض، على أن يأتي الاعتراف الرسمي بها لاحقا.
في الميدان، ظهرت في العقد الأخير مجموعات للمستوطنين أبرزها "فتية التلال" كأحد أكثر أوجه المشروع الاستيطاني تطرفا. وتتهم هذه المجموعات بتنفيذ اعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية، وإحراق المنازل والمساجد، وتنفيذ هجمات تحت شعار "تدفيع الثمن" إضافة إلى اقتحام القرى والمناطق الزراعية والرعوية.
وتتحول التلال والأراضي الزراعية ومناطق الرعي إلى ساحات مواجهة يومية، لا يكون الهدف دائما الاستيلاء الفوري على الأرض، بل دفع الفلسطينيين إلى مغادرتها قسرا أو تقليص قدرتهم على الوصول إليها.
وفي هذا السياق، تبرز البؤرة الاستيطانية باعتبارها نقطة انطلاق للسيطرة على محيط أوسع منها.
إلى جانب المجموعات الأيديولوجية، تعمل منظمات أخرى على توفير الدعم اللوجستي والأمني للمستوطنين بالمناطق النائية، من أبرزها "هاشومير يوش" التي تنشط في توفير متطوعين وحراس ودعم للمزارع الاستيطانية والبؤر المعزولة، وتقدم خدمات للمستوطنين في مناطق بعيدة عن مراكز المستوطنات.
وبحسب تقارير حقوقية، ارتبط نشاط هذه المنظمات بتضييق الخناق على الرعاة والمزارعين الفلسطينيين، خصوصا في المناطق التي يسعى المستوطنون إلى فرض سيطرة تدريجية عليها.
وهكذا تتحول حماية المزرعة الاستيطانية إلى وسيلة للسيطرة الأمنية على مساحة أوسع من الأرض المحيطة بها.
ولا تقتصر المواجهة على الميدان. فهناك ذراع قانونية تعمل من داخل المحاكم الإسرائيلية. وتنشط منظمة "رغافيم" في متابعة البناء الفلسطيني، خصوصا المناطق المصنفة "ج" وتقدم التماسات تطالب بهدم منازل ومنشآت ومدارس فلسطينية بحجة عدم الترخيص.
وبذلك تصبح الإجراءات القضائية جزءا من معركة السيطرة على الأرض، فبينما تعمل جهات استيطانية على بناء البؤر والمزارع، تتحرك "رغافيم" لملاحقة الوجود الفلسطيني الذي يعيق تمددها.
وعلى الجانب الآخر، توفر منظمة "حونينو" دعما قانونيا وماليا للمستوطنين الذين يواجهون اتهامات أو أحكاما على خلفية اعتداءات ضد فلسطينيين.
ويشكل هذا النوع من الدعم حلقة أخرى في الشبكة، إذ لا تنتهي مهمة المنظومة عند تنفيذ الاعتداء أو فرض الوجود الميداني، بل تمتد إلى توفير محامين ومساعدات للمستوطنين عند مواجهتهم بالإجراءات القانونية.
بجهود كل من سبق ذكرهم وغيرهم، لا يبدأ الاستيطان عند لحظة بناء منزل دائم، بل قد يبدأ بخيمة أو مزرعة صغيرة، فطريق ترابية، ثم بنية تحتية، فحراسة ومعدات، ثم خدمات، فحماية سياسية وقانونية، وصولا إلى محاولة انتزاع الاعتراف الرسمي بالموقع.
وبينما تبدو المؤسسات منفصلة، فإنها تعمل ضمن منظومة متكاملة، فالحكومة الإسرائيلية -حسب منظمة "ييش دين"- توفر القرار والميزانيات والتخطيط، والوزارات والخدمات والحماية، والمنظمات الاستيطانية تنشئ البؤر والمزارع وتديرها، فيما تؤمّن شبكات التمويل الأموال والمعدات، وتخوض الأذرع القانونية المعركة داخل المحاكم، بينما تفرض المجموعات الميدانية الوقائع على الأرض.
لا يمكن فصل اتساع منظومة الاستيطان عن حجم الإنفاق الحكومي المخصص لها -حسب تقرير منظمة "بتسيلم"- فقد أقرت إسرائيل مليارات الشواكل لتوسيع المستوطنات وربطها بالبنية التحتية، من أبرزها 1.3 مليار شيكل (الدولار يساوي 3 شواكل) لتسريع الاستيطان ونقل المستوطنين، ونحو مليار شيكل لتطوير البنية التحتية وربط المستوطنات الجديدة بالقائمة.
كما خصصت الحكومة الحالية نحو 847 مليون شيكل ضمن موازنات متعددة السنوات لوزارة الاستيطان وما تسمى المهام الوطنية، بعد تحويل 80 مليون شيكل عام 2025 ضمن برنامج تجريبي لدعم إقامة المزارع والمراكز التعليمية الاستيطانية الرعوية في الضفة.
وفي الجانب الأمني، فقد أقرت حكومة الاحتلال نحو 550 مليون شيكل لعامي 2026 و2027 لتعزيز أمن المستوطنات والبؤر -وفق صحيفة يديعوت أحرونوت- منها 325 مليونا للمكونات الأمنية، و125 مليونا لشق ورصف طرق أمنية، و100 مليون لحماية حافلات ووسائل نقل المستوطنين.
وتتضح الصورة أكثر في المشاريع الغستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع "إي1" (E1) بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، حيث وقعت حكومة الاحتلال اتفاقية لتسريع تطوير البنية التحتية في المنطقة بقيمة تقارب 3 مليارات شيكل. كما خصصت نحو 335 مليونا لشق ما يعرف بـ"طريق السيادة" بين العيزرية والزعيم شمال شرق القدس المحتلة.
ولا يقتصر دعم الاستيطان على الأرض والبنية التحتية والأمن -كما تقول حركة "السلام الآن" في تقاريرها- حيث يمتد إلى الحوافز الضريبية، فقد أقر الكنيست مزايا ضريبية لسكان المستوطنات بالضفة، بتكلفة تقدر بنحو 130 مليون شيكل سنويا، بما يخفض كلفة المعيشة ويشجع على الاستيطان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة