في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن اجتماع وفد حماس التفاوضي في الدوحة، يوم 9 سبتمبر/أيلول 2025، مجرد محطة جديدة في مسار التفاوض حول غزة. ففي أثناء مناقشة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار، تحول المكان إلى هدف لقصف إسرائيلي استهدف المبنى الذي عقد فيه الاجتماع.
لكن الضربة لم تصب الوفد الذي كان الاجتماع مخصصا له. فقد كان أعضاؤه قد غادروا المبنى الأول وانتقلوا إلى مبنى آخر قبل استهدافه، وفق ما يوثقه تقرير للجزيرة أعده صهيب العصا وشهادات من كانوا في الاجتماع.
يورد تقرير الجزيرة أن الاجتماع بدأ عند الساعة الثانية ظهرا لمناقشة المقترح الأمريكي بشأن وقف إطلاق النار في غزة.
وكان الوفد برئاسة الدكتور خليل الحية (رئيس وفد حماس المفاوض آنذاك) وضم الدكتور غازي حمد والدكتور باسم نعيم وزاهر جبارين، إلى جانب مستشار رئيس الوفد، من دون أن يورد التقرير اسمه.
وهذه نقطة لا تبدو شكلية. فالوفد لم يكن في اجتماع تنظيمي عادي، بل كان يناقش ورقة تفاوض تتصل بالحرب على غزة، في وقت استضافت فيه الدوحة جهود وساطة بين الأطراف.
واستمر الاجتماع في بدايته داخل المبنى الأول، قبل أن ينقل الفريق الأمني مكان الاجتماع إلى مبنى آخر بعد نحو نصف ساعة من انطلاقه.
واستمرت المباحثات في الموقع الجديد حتى الساعة الثالثة و46 دقيقة. ثم استهدف القصف المبنى الأول الذي كان الوفد قد غادره.
ويصف غازي حمد، عضو الوفد وأحد من كانوا في الاجتماع، لحظة سماع الضربات قائلا "تقريبا بعد نصف ساعة من بداية النقاش سمعنا أول جولة من الضربات العنيفة على المبنى.. عرفنا في اللحظات الأولى أنها عملية اغتيال مقصودة موجهة نحو الوفد المفاوض".
في هذه الشهادة، لا يتحدث القيادي في حماس عن خبر وصله من الخارج، بل عن تجربة عاشها داخل الاجتماع: نقاش حول ورقة تفاوض، ثم دوي ضربات عنيفة، ثم إدراك سريع بأن المكان والوفد كانا في قلب الاستهداف.
وأظهرت اللقطات الميدانية وزير الداخلية القطري قائد قوة "لخويا " الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وهو يتفقد شخصيا موقع الهجوم ويسير بين أنقاض المبنى المدمر.
ولم يكن هذا الوجود السريع مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان بمثابة رسالة حازمة للسيطرة على الموقف وإدارة الأزمة من النقطة الصفر، حيث أشرف الوزير بشكل مباشر على توجيه الفرق الأمنية التي نجحت في ظرف قياسي بفرض 3 أطواق أمنية محكمة حول المجمع، وتأمين مسارات إخلاء آمنة ومموهة للشخصيات المستهدفة، وعزل مسرح الحدث بالكامل تمهيدا لبدء عمليات البحث والإنقاذ ورفع الأدلة الجنائية.
وفي إحاطة أمنية، عرض المقدم الركن يوسف عتيق (من قوة لخويا القطرية) نتائج الفحص الميداني لبقايا الذخائر المستخدمة في الهجوم. وذكر التقرير وجود ذخائر موجهة من طراز "جي بي يو" GBU تحمل بصمة شركة صناعات الطيران الإسرائيلية "آي إيه آي" (IAI).
وفي تحليل عسكري ورد في الفيلم، قال الخبير إلياس حنا إن الطائرات الإسرائيلية لم تدخل الأجواء القطرية، وإن الهجوم نفذ بأسلوب الإطلاق عن بعد من المجال الجوي الدولي فوق البحر الأحمر، مشيرا إلى استخدام صواريخ من طراز سبارو (Sparrow). وأضاف أن الذخائر المستخدمة صممت لاختراق الأسقف والتحصينات الخرسانية قبل انفجارها داخل المبنى.
وعثرت فرق التحقيق الميداني على شظايا من الذخائر في محيط الموقع، وكانت أبعد شظية عثر عليها على مسافة 600 متر من نقطة الاستهداف، بحسب ما عرضه التقرير.
لا تكمن دلالة النجاة في أن القصف أخطأ مبنى أو موقعا فقط، بل في أن العملية لم تحقق هدفها المفترض: تصفية الوفد الذي كان يناقش مقترحا لوقف إطلاق النار.
وبحسب ما يظهره تقرير الجزيرة من صور ومعطيات عن موقع الاجتماع، فإن انتقال الوفد قبل الضربة هو التفصيل الذي يفسر نجاته. ولم يكن ذلك تحولا في نتائج التفاوض، بل كان تحولا في الدقائق الفاصلة بين وجود الوفد في المبنى الأول واستهدافه.
ولذلك عبارة "أخفقت إسرائيل" خلاصة لواقعة محددة: المبنى الأول تعرض للقصف، بينما نجا الوفد الذي كان موجودا فيه قبل انتقاله.
شهداء الفريق المرافق لوفد المفاوضين: همام الحية وجهاد لبد وعبد الله عبد الواحد ومؤمن حسونة وأحمد عبد الماليك (الجزيرة)اختيار الدوحة منح الهجوم معنى يتجاوز موقعه المباشر. فالمدينة لم تكن ساحة مواجهة عسكرية، بل كانت مكانا لاجتماع وفد تفاوضي يناقش مقترحا أمريكيا بشأن غزة.
ومن هنا، لا تقرأ الواقعة بوصفها محاولة استهداف شخصيات من حماس فقط، بل بوصفها استهدافا للحظة تفاوضية نفسها. فحين يصبح مكان اجتماع الوسطاء والوفود هدفا للقصف، تتغير حسابات الأمن التي تحيط بأي مسار تفاوضي لاحق.
المنقذ القطري الشهيد بدر الدوسري الذي قضى أثناء تأدية مهامه الميدانية بموقع الانفجار (الجزيرة)وتبقى شهادة غازي حمد أهم ما يختصر تلك الدقائق: اجتماع بدأ بمناقشة وقف إطلاق النار، ثم تحول إلى لحظة نجاة من عملية قال إنها كانت موجهة إلى الوفد المفاوض.
وبعد عام، لا تختصر القصة في مشهد مبنى تعرض للقصف. إنها قصة وفد نجا من هدف معلن، وتفصيل أمني صغير سبق الضربة، ومحاولة إسرائيلية انتهت من دون الوصول إلى من استهدفتهم.
مشهد خارجي للمجمع السكني عقب الضربة الإسرائيلية (الجزيرة)لم تكن تداعيات هذه العملية الفاشلة مقتصرة على الجانب الأمني، بل امتدت لتشعل أزمة سياسية غير مسبوقة. فاستهداف عاصمة دولة وسيطة أغضب الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت في الخطوة تهديدا مباشرا لمسار السلام.
وتحت وطأة الضغوط، وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه مضطرا لتقديم اعتذار رسمي لدولة قطر بعد 20 يوماً من الهجوم، متعهدا بعدم تكرار هذا الخرق.
والمفارقة الأكبر أن المسار التفاوضي، الذي حاولت إسرائيل نسفه بالصواريخ، أثمر في النهاية. فبعد شهر واحد فقط من دوي الانفجارات في الدوحة، دخل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، ليُسدل الستار على محاولة اغتيال تحولت إلى هزيمة استخباراتية وسياسية، ودرس أمني في كيفية إدارة اللحظات الحرجة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة