آخر الأخبار

الحرف اليدوية... جسر العاطلين إلى سوق العمل

شارك
ألمانيا، إنغولشتات، 2010 ، فنيان في ميكاترونيك سيارات في مركز التدريب التابع لشركة أودي صورة من: Ute Grabowsky/photothek/IMAGO

يقول هينينغ هانيبوت، صاحب مهنة لتركيب الأسقف إن كل هذا "جنون" عندما يتحدث عن الإقبال الهائل من المترشحين والمترشحات لولوج شركته في نويشتات أم روبنبرغ بالقرب من هانوفر. وهو يدير هذه الشركة العائلية في الجيل الثالث وكان لديه هذا العام 60 مكانا للتدريب المهني. وقد وصل 700 طلب توظيف إلى صندوق بريده وصناديق زملائه.

شهدت الشركة نموا قويا في السنوات الماضية وكذلك الإقبال من المتقدمين. قبل حوالي عشر سنوات كان هناك خمسة شباب يتقدمون لخمسة أماكن تدريب. "وقد قبلنا الخمسة جميعا، لم نقم بأي عملية فرز"، يقول هينينغ هانيبوت. أما اليوم فهو وزملاؤه يوزعون عددا كبيرا من رسائل الرفض. يتعين على المتقدمين العمل على أساس تجريبي والذهاب إلى موقع البناء لمدة أسبوع على الأقل. "للتأكد مما إذا كانوا مناسبين للفريق"، يوضح هانيبوت. "وللتأكد من كفاءتهم الحرفية".

ألمانيا، أوسينغن 2026، خباز يقدم "بريتزل" المدرسي التقليدي بمناسبة بدء السنة الدراسية الجديدةصورة من: Andreas Arnold/dpa/picture alliance

منذ عامين يبذل هانيبوت وزملاؤه جهودا كبيرة في إعداد الصور ومقاطع الفيديو لنشرها على إنستغرام وتيك توك. وهم يشاركون في معارض التوظيف ويقدمون عرضا عن الشركة في المدارس. يقول المدير التنفيذي: "أصبحنا أكثر ظهورا". لكنه لا يعزو الإقبال الكبير من المتقدمين إلى ذلك فحسب، بل هناك سبب آخر لا يقل أهمية: الذكاء الاصطناعي.

يقول هانيبوت: "غالبا ما يحضر الآباء والأمهات مقابلات التوظيف، ونحن نتحدث كثيرا عن الأمن الوظيفي التي توفره المهن الحرفية في عصر الذكاء الاصطناعي". "إنها أكثر أمانا بكثير من الوظائف المكتبية في البنوك أو شركات التأمين".

غير أن هذا الشعور بالأمان أصبح نادرا في السنوات الأخيرة حيث يواجه الشباب أزمة وظيفية غير متوقعة في سةق العمل. فبعد سنوات من تحذير أرباب العمل من نقص الكوادر المؤهلة، وتوقع الخبراء فرصا واعدة للوافدين الجدد إلى سوق العمل في ظل التغييرات الديموغرافية، بات كثير من الشباب اليوم يواجهون صعوبة متزايدة في العثور على وظيفة.

ويعود ذلك في المقام الأول إلى الوضع الاقتصادي. منذ سبع سنوات والاقتصاد الألماني يعاني من ركود. وعندما تكون الميزانيات محدودة تلجأ الشركات إلى الموظفين ذوي الخبرة وتقتصد في توظيف الموظفين الجدد. وتشير بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء إلى أن عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و24 عاما ممن لا يعملون ولا يشاركون في أي برنامج تعلم أو تدريب يتزايد منذ سنوات. فبعد أن بلغت نسبتهم 8,8 في المائة في عام 2022، ارتفعت إلى 10 في المائة في العام الماض ما يعكس اتساع هذه الظاهرة بين فئة الشباب.

يهدد الذكاء الاصطناعي بتفاقم هذا الوضع: فبحلول عام 2030 يخطط 35 في المائة من مسؤولي الموارد البشرية الذين شملهم الاستطلاع لتقليل عدد المبتدئين في سوق العمل بسبب الذكاء الاصطناعي، وفقا لاستطلاع أجرته شركة الاستشارات كينباوم لصالح مجلة فيرتشافتسفوخه.

زيادة عدد المتدربين في قطاع الحرف اليدوية

في هذه الفترة بالذات يستفيد قطاع واحد ويجذب كوادر شابة جديدة : قطاع الحرف اليدوية. بعد فترة من الركود يتزايد عدد عقود التدريب المهني بشكل مستمر منذ أربع سنوات. فقد أبرم حوالي 67,800 شاب عقد تدريب مهني جديد في قطاع الحرف اليدوية خلال النصف الأول من عام 2026. وهذا يمثل زيادة بنسبة 4,9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

ألمانيا 2014 ، امرأة تعلق النقانقفي محل جزارة اسعدادا لعملية التدخين صورة من: Westend61/IMAGO

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى يمكن أن تشكل الحرف اليدوية بديلا حقيقيا للشباب الذين كانوا يخططون في الأصل للالتحاق بالجامعة؟

لا شك أن العمل الحرفي يوفر الأمان. فقد أجرى باحثو السوق في شركة YouGov بتكليف من هينينغ هانيبوت استطلاعا في مايو من هذا العام شمل أكثر من 2000 شخص حول نظرتهم إلى العمل الحرفي. وكانت النتيجة: يعتبر ثلثا المشاركين في الاستطلاع أن العمل الحرفي أكثر أمانا من العمل المكتبي في عصر الذكاء الاصطناعي.

تتوافق هذه الأرقام مع الملاحظة التي أبداها بيرتهولد شرودر، المدير التنفيذي لورشة نجارة في مدينة هام ورئيس غرفة الحرف اليدوية في دورتموند. "يدرك الشباب أن العديد من المهن التي كانت جذابة في الماضي مثل الوظائف الإدارية في البنوك وشركات التأمين معرضة لخطر أن تصبح غير مطلوبة على الإطلاق في المستقبل، لأن الذكاء الاصطناعي يمارس ضغطا كبيرا على المهن الإدارية تحديدًا".

يعرف الباحث في شؤون الشباب سيمون شنيتزر من خلال الاستطلاعات أن حوالي 30 في المائة من الشباب قلقون من أن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم قريبا. "تكون هذه النسبة أعلى بين الطلاب والمتدربين مقارنة بالشباب الذين يتبعون مسارا دراسيا  ثنائيا أو الذين يعملون بالفعل"، يوضح شنيتزر.

تأثير الذكاء الاصطناعي على المهن الحرفية

وتشير دراسات متعددة في علم النفس المهني إلى أن انعدام الاستقرار الزظيفي يترك آثارا سلبية كبيرة على الصحة النفسية وجودة الحياة. بل إن الخوف من فقدان الوظيفة قد يكون في بعض الأحيان أكثر إرهاقا من البطالة نفسها، إذ يرافق التوتر الأشخاص المتأثرون به بشكل دائم. وتتراوح التدعيات بين اضطرابات النوم والإرهاق ونونبات الاكتئاب وارتفاع ضغط الدم، وصولا إلى تراجع الحافز والانتاجية.

ولكن: عندما قام باحثون من شركة مايكروسوفت في إحدى الدراسات بتحليل المهن التي يمكن فيها إنجاز عدد كبير من المهام باستخدام الذكاء الاصطناعي وتلك التي لا يمكن ذلك فيها تبين أن عددا هائلا من المهن الحرفية آمنة بالفعل من تأثير الذكاء الاصطناعي: مُركِّبو الأرضيات الخشبية ومُغطّو الجدران وعمال البناء في مجال الخرسانة والخرسانة المسلحة وكذلك عمال تغطية الأسقف مثل أولئك الذين يعملون لدى هينينغ هانيبوت.

ألمانيا، كيرشهايم 2024 ، عمال تغطية الأسقف في شقق جديدة بمقاطعة ميونيخصورة من: Frank Hoermann/SVEN SIMON/picture alliance

هل تضر الصور النمطية بمستقبل الحرف اليدوية؟

الأمان هو أحد الجوانب. لكن هل توفر الوظيفة في مجال الحرف اليدوية الشعور بالرضا في حين أن المرء ربما يفضل الالتحاق بالجامعة ؟ بالنسبة لباحث شؤون الشباب سيمون شنيتزر لا تزال هناك فجوة بين "الرغبة والواقع": "مجرد أن المزيد من الشباب أصبحوا يهتمون بالحرف اليدوية الآن لا يعني ذلك بالضرورة أنهم سيجدون السعادة الدائمة في هذا المجال".

تقاعد جيل طفرة المواليد يخلق فرصا واعدة لخلافة الحرفيين

لكن رالتغيير الجذري للمسار المهني قد لا يكون ضروريا أصلا. فحسب برثولد شرودر، تُعد فرص الترقي في مجال الحرف اليدوية جذابة بشكل خاص: ينتمي العديد من أصحاب الشركات إلى جيل طفرة المواليد وبالتالي سيتقاعدون خلال السنوات العشر المقبلة. "سيضطر الكثير منهم قريبا إلى بيع شركاتهم أو إغلاقها أو تسليمها. وهنا تكمن فرصة هائلة للشباب للانتقال من متدرب إلى صاحب عمل خاص به في مسار قصير نسبيا".

ويتضح بالفعل أن عدد الشركات التي توفر برامج التدريب المهني يشهد تراجعا مستمرا منذ سنوات.

أعده للعربية: م.أ.م (ط.أ)

DW المصدر: DW
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا