في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد نحو أسبوعين من الفيضانات المدمرة التي ضربت مناطق حدودية بين نيبال والصين، اجتاح منصات التواصل الاجتماعي ادعاء بأن نيباليين اعتنقوا الإسلام في أعقاب الكارثة الإنسانية المفاجئة.
وحظي هذا الادعاء بانتشار واسع على المنصات الرقمية وفي عدد من الدول العربية، خاصة أن مروجيه استشهدوا بمقطع فيديو قالوا إنه هز الرأي العام، ويظهر عددا من النيباليين وهم يلقون تماثيل وأصناما في مياه أحد الأنهار. فما حقيقة هذا الفيديو؟
ويوثق المقطع مجموعة من الأشخاص وهم يدفعون مجسما ضخما لتمثال إلى المياه ثم يغرقونه، بينما يقوم آخرون بتصوير المشهد بهواتفهم المحمولة، في لقطة فسرها بعض المستخدمين بأنها تعبير عن غضب من "آلهتهم التي لم تحمِهم من الفيضان".
وزعمت منشورات على منصة إكس أن غالبية الشعب النيبالي اعتنق الإسلام بعد الفيضانات والدمار، مستشهدة برمي الأصنام في المياه باعتباره دليلا على أنها "لم تدفع عنهم الخطر"، في لقطة حصدت مئات آلاف المشاهدات خلال ساعات قليلة.
تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار المقطع، وتبين أن حسابا يحمل اسم "الكوبرا العماني" (omani cobra) كان أول من نشره مقرونا بهذا الادعاء على منصة إنستغرام في 6 سبتمبر/أيلول الجاري، وحصد قرابة ثلاثة ملايين مشاهدة خلال وقت قصير.
ورافق المقطع تعليق جاء فيه: "بعد الفيضانات والكوارث التي ضربت مناطق واسعة، انتشرت مشاهد لأشخاص يلقون بتماثيل دينية في المياه، في لحظات أثارت جدلا واسعا على مواقع التواصل"، مضيفا أن "بعضهم تداول ادعاءات بأن هذه المشاهد مرتبطة بتخلي أشخاص عن معتقداتهم واعتناقهم الإسلام".
تحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقطع المتداول، واتضح أنه مضلل ووظف في سياق زماني ومكاني خاطئ، بهدف جذب المشاهدات واستغلال الأزمة التي ضربت نيبال والصين.
حللت الوحدة مقطع الفيديو وتبين أن الظاهرين في الفيديو يتحدثون اللغة البنغالية، وهو ما عزز الشكوك حول الادعاء.
وأكد التفريغ الصوتي، عبر أداة "turboscribe"، أن الشبان الظاهرين في المقطع لم يتطرقوا لا إلى الإسلام ولا إلى أي حديث عن الغضب من تبعات الفيضانات.
وبتعميق البحث، تبين أن المصدر الأصلي للمقطع حساب على إنستغرام يحمل اسم (Khambhat cha Raja)، ونشره بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول 2025، وهو ما يؤكد أن لا صلة له بفيضانات نيبال الأخيرة.
وفي سياق البحث عن الخلفية الحقيقية للفيديو، تبين أن العبارة المكتوبة عليه (Kharapat Cha Maharaja) هي بلغة ولاية ماهاراشترا الهندية، وتعني بالعربية "ملك منطقة خارابات".
وبمراجعة حساب صاحب المقطع الأصلي، تبين أنه ينشر بانتظام صورا ومقاطع فيديو مشابهة للمجسم نفسه في مناسبات وأوقات مختلفة، تظهر فيها جموع من الأشخاص وهم يحتفلون ويؤدون طقوسا أمامه، أو يحملونه على عربة وسط الشارع في مواكب احتفالية، والتقاط صور تذكارية معه.
وبتتبع نشاط الحساب والخلفية الثقافية المرتبطة بالمناسبة، تبين أن المشهد لا يمت بصلة إلى أي كارثة طبيعية أو جرف أحدثته الفيضانات، بل هو توثيق لطقس ديني هندوسي معروف باسم "فيسارجان"، يمثل الذروة الختامية لمهرجان "غانيش تشاتورثي" (Ganesh Chaturthi) الشهير في الهند.
ويمثل المجسم الظاهر في المقطع الإله الهندوسي "غانيشا"، الذي تصنعه المجتمعات المحلية واللجان الشعبية سنويا من الطين ومواد طبيعية أخرى، وتقام حوله الصلوات والاحتفالات على مدى عدة أيام، قبل أن يحمل في مواكب حاشدة تجوب شوارع المدينة وسط الموسيقى والرقص، وصولا إلى أقرب مسطح مائي، سواء كان بحرا أو نهرا أو بحيرة، ويغمر ويغرق عمدا في ختام الطقس.
وهذه ليست المرة الأولى التي يقترن فيها اسم النيباليين بالإسلام في أعقاب كارثة الفيضانات الأخيرة، إذ انتشر بعد أيام من الكارثة مقطع فيديو على نطاق واسع، زعم مروجوه أنه يعود لنيباليين يقرؤون القرآن الكريم تجنبا لتداعيات الكارثة، وحقق انتشارا واسعا.
غير أن التحقق من سياق المقطع والبحث العكسي أثبتا أن الفيديو لا صلة له بفيضانات نيبال، وأنه يعود في الأصل إلى عمليات بحث ميدانية جرت في جبال قيرغيزستان.
وأظهرت مقاطع الفيديو الأصلية تجمع عشرات الطلاب لتلاوة القرآن الكريم بينما كانت أعمال البحث جارية في المنطقة، إذ تجمع متطوعون من مختلف أنحاء البلاد للمشاركة في عمليات البحث الميداني عن مفقودين في المناطق الجبلية، ولا سيما في محافظة تشوي.
ولم تقتصر الجهود على العمل الميداني والفرق الرسمية، بل انضم طلاب من مدارس دينية إلى موقع الحادثة لتلاوة القرآن الكريم والدعاء، على أمل تيسير جهود البحث والعثور على المفقودين سالمين، في مشهد عكس روح التكافل المجتمعي.
وبذلك، يكشف التحقق أن بعض الحسابات حاولت استغلال كارثة الفيضانات التي ضربت نيبال، عبر إضفاء طابع ديني على مشاهد لا صلة لها بالكارثة، سعيا لكسب التعاطف وتحقيق أكبر قدر من الانتشار والمشاهدات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة