آخر الأخبار

هل تصبح ناقلات النفط الإيراني "غنائم" أمريكية؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل أكثر من قرنين، كانت الولايات المتحدة دولة ناشئة تخوض حربا بحرية مع بريطانيا، ولم تكن تملك أسطولا قادرا على منافسة بحريتها. لذلك لجأت إلى وسيلة تبدو اليوم أقرب إلى القرصنة: سمحت لسفن خاصة بمهاجمة السفن التجارية البريطانية والاستيلاء على حمولاتها، على أن يحصل المهاجمون على نصيب من الغنائم.

وفي حرب عام 1812 وحدها، كما يقول تقرير القطاع الرقمي بالجزيرة، استولت السفن الأمريكية على نحو 1059 سفينة تجارية بريطانية. لكن الغنيمة لم تكن تعني تلقائيا أن من استولى عليها أصبح مالكا لها. ومع تزايد عمليات المصادرة، برز سؤال معقد: من يملك السفينة والحمولة بعد الاستيلاء عليها؟ وهل كان الاستيلاء قانونيا أصلا؟

وكان الجواب في مؤسسة قضائية خاصة عرفت باسم "محكمة الغنائم" مهمتها النظر في شرعية الاستيلاء، وتحديد ملكية السفينة وحمولتها، ثم تقرير مصيرها. فإذا أقرت المحكمة قانونية المصادرة، بيعت السفينة والبضائع وذهبت عائداتها إلى المنتصرين وفق القواعد المعمول بها. أما إذا لم تثبت شرعية الاستيلاء، فعلى الغنيمة أن تعود إلى أصحابها.

وهكذا تحولت عملية الاستيلاء من فعل قد يبدو سطوا في عرض البحر إلى غنيمة تحظى باعتراف القانون. ومع مرور الزمن، أصبحت الولايات المتحدة قوة بحرية وعسكرية كبرى، وتراجع حضور هذه المحاكم حتى كادت تختفي من الذاكرة القانونية الأمريكية.

لكن التاريخ القديم يعود اليوم من جديد، وهذه المرة في مواجهة إيران.

نحن مثل القراصنة

منذ أبريل/نيسان 2026، فرضت واشنطن حصارا بحريا على موانئ إيرانية، واعترضت سفنا واستولت على بعضها وعلى شحنات النفط التي تحملها. ولم يخف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حماسه لهذه العمليات، بل وصفها بلغة لافتة قائلا "استولينا على الحمولة، واستولينا على النفط" مضيفا في حديثه عن العمليات الأمريكية "نحن مثل القراصنة نوعا ما".

إعلان

لكن المشكلة لم تكن في الاستيلاء وحده. فالاستيلاء على ناقلة نفط في عرض البحر لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة أصبحت مالكة للنفط الموجود على متنها. وبدون غطاء قانوني واضح، قد تبقى الشحنة محتجزة من دون إمكانية بيعها أو تحويل عائداتها إلى الخزانة الأمريكية.

وهنا عادت واشنطن إلى كتاب التاريخ.

وتدرس الولايات المتحدة، وفق التقرير، إمكانية إحياء مفهوم "محكمة الغنائم" بحيث تعرض الشحنات النفطية المصادرة أمام قاض للنظر في قانونية الاستيلاء وملكية الحمولة. وإذا صدر قرار يقر المصادرة، يمكن بيع النفط وتحويل عائداته إلى الخزانة الأمريكية.

وبذلك لا تكتفي واشنطن باعتراض ناقلات النفط، وإنما تحاول تحويل ما تصفه طهران بأنه "قرصنة" إلى ملكية معترف بها قضائيا. والهدف أبعد من النفط نفسه، فواشنطن تسعى إلى تجفيف موارد إيران المالية، وفي الوقت نفسه تعويض جزء من كلفة الحرب. ووفق تقديرات وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) الواردة في التقرير، بلغت خسائر إيران من الحصار في أسابيعه الأولى نحو 4.8 مليارات دولار.

لكن البحر لا يحمل النفط الإيراني وحده، بل يحمل معه أزمة دولية أكثر تعقيدا. فجزء كبير من النفط الإيراني يتجه إلى الصين، التي تعد المشتري الأكبر له، فيما تواصل شركات صينية -وفق التقرير- التعامل مع ما يعرف بـ" أسطول الظل" الذي ينقل النفط الإيراني إلى الموانئ الصينية رغم العقوبات الأمريكية.

وهنا يمكن أن تتحول المحكمة الأمريكية من ساحة لتصفية نزاع بين واشنطن وطهران إلى نقطة احتكاك بين أكبر اقتصادين في العالم.

فماذا يحدث إذا صادرت الولايات المتحدة ناقلة تحمل نفطا إيرانيا، لكن ملكية الشحنة تعود إلى شركة صينية؟ هل تصبح الحمولة "غنيمة" أمريكية لمجرد وجودها على سفينة تمت مصادرتها؟

أسئلة قانونية معقدة تفتح الباب أمام معارك قضائية طويلة:


* هل السفينة المستولى عليها عدوة أم محايدة؟
* من يملك النفط؟
* هل هو إيراني أم تابع لتاجر أو شركة في دولة ثالثة؟
* هل تمت عملية الاستيلاء وفق قوانين الحرب؟

محكمة الغنائم

وتزداد المسألة تعقيدا لأن عددا من ناقلات النفط الإيراني يرفع أعلام دول أخرى، فيما تقف خلف الشحنات شبكة من الشركات والوسطاء والمشترين. لذلك، فإن إحياء "محكمة الغنائم" قد لا ينهي النزاع، بل ينقله إلى جبهة جديدة: جبهة المحاكم.

ومن المتوقع -وفق التقرير- أن تواجه الإجراءات الأمريكية موجة من الطعون القانونية، على غرار معارك قضائية رافقت قرارات أخرى لإدارة ترمب، في ملفات مثل الرسوم الجمركية والهجرة. أما طهران، فقد اختارت توصيفا مختلفا تماما لما يجري، ووصفت العمليات الأمريكية في البحر بأنها "قرصنة مسلحة".

وبينما ترى واشنطن في الاستيلاء على النفط أداة للضغط وتجفيف الموارد، تراه إيران اعتداء على ثروتها وسيادتها. وهكذا تعود مؤسسة ولدت زمن السفن الشراعية والحروب التجارية إلى قلب صراع نفطي في القرن الـ21.

فالسؤال لم يعد فقط: من يسيطر على النفط في البحر؟ بل أصبح: من يملك الحق في مصادرته؟ ومن يقرر ملكيته؟ وهل يستطيع قاض أمريكي أن يحول شحنة نفط صودرت في عرض البحر من "حمولة محتجزة" إلى "غنيمة قانونية"؟

إعلان

وإذا مضت واشنطن في هذا المسار، فإن الحرب على النفط الإيراني ستفتح جبهة جديدة، ولن تبقى المعركة في البحر وحده، بل ستنتقل إلى قاعات المحاكم الأمريكية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا روسيا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا