آخر الأخبار

حرب المسيّرات.. كيف تتغير قواعد القتال بين القوات الحكومية والحوثيين في اليمن؟

شارك

عدن- في إحدى جبهات محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، لم يعد المقاتل يكتفي بمراقبة خطوط التماس أمامه أو الاحتماء خلف ساتر ترابي وخندق عميق. ثمة اتجاه آخر بات عليه مراقبته باستمرار وهو السماء.

فبعد سنوات ارتبط فيها استخدام المسيرات بصورة أكبر بجماعة أنصار الله ( الحوثيين) اتسع حضورها لدى القوات الحكومية أيضا، ولم يعد أثرها يقتصر على الضربات، بل امتد إلى تغيير أساليب الحركة والتحصين والإمداد والتمويه في الجبهات.

ويقول مفيد شكري، وهو مصدر ميداني في إحدى الجبهات التابعة للقوات اليمنية الحكومية بتعز -للجزيرة نت- إن اتساع استخدام الطائرات المسيرة غيّر قواعد اعتاد عليها المقاتلون طوال سنوات الحرب، فلم يعد التحصين التقليدي كافيا إذا كانت الطائرة قادرة على مراقبة مداخل المواقع وتتبع حركة الأفراد والمركبات.

وأوضح أن المقاتل كان يخشى في السابق القناص أو نيران المدفعية عند انتقاله بين المواقع "أما الآن فعليه أن يفترض طوال الوقت أن هناك عينا تراقبه من السماء، وأن أي حركة مكشوفة قد تتحول إلى هدف".

تحول أوسع

وما يصفه شكري ميدانيا يعكس تحولا أوسع في مسار الحرب باليمن، ففي 10 أغسطس/آب الماضي، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات بمسيرات في مأرب استهدفت مقاتلين ومركبات ومواقع عسكرية ومصادر نيران حوثية، قبل أن تعلن لاحقا عمليات مماثلة في جبهات أخرى.

وفي المقابل، واصل الحوثيون الجمع بين المسيرات والصواريخ الباليستية والمدفعية والهجمات البرية.

وهنا لا يعود السؤال متعلقا فقط بمن يمتلك العدد الأكبر أو المسيرات الأكثر تطورا، بل بما تفعله هذه التكنولوجيا بطريقة الحرب نفسها: كيف يتحرك المقاتلون؟ وكيف تصل التعزيزات؟ وهل ما تزال التحصينات التقليدية كافية؟

ويعود حضور المسيرات لدى القوات اليمنية الحكومية إلى سنوات سابقة، لكن اتساع استخدامها الهجومي أصبح أكثر وضوحا خلال المرحلة الأخيرة.

إعلان

ويرجع أحمد شبح، رئيس تحرير منصة "ديفانس لاين" المتخصصة في الشؤون الأمنية والعسكرية، بداية استخدام الجيش اليمني للمسيرات إلى عام 2021، بالتزامن مع اشتداد المعارك في مأرب.

ويقول للجزيرة نت إن دخول هذا السلاح أحدث فارقا في ميزان القوى وكسر احتكار الحوثيين للطيران المسير، الذي منحهم خلال سنوات الحرب ميزة في الاستطلاع والمناورة والضرب، وساعدهم على توسيع عملياتهم خارج اليمن.

وبحسب شبح، تمتلك القوات الحكومية قدرات مسيرة قصيرة المدى للاستطلاع والمهام الهجومية، بعد سنوات من تدريب فرق تشغيل وكوادر متخصصة، فيما ظلت جوانب من هذه القدرات بعيدة عن التغطية الإعلامية.

مصدر الصورة طائرات مسيرة حوثية خلال مناورات عسكرية سابقة (مواقع التواصل)

تقلص الفجوة

غير أن هذا التحفظ الإعلامي بدأ يتراجع مع اتساع الاستخدام، فقد ظهرت على مواقع التواصل صفحات مخصصة لنشر عمليات المسيرات التابعة للجيش، من بينها صفحة تحمل اسم "الطيران المسير للجيش الوطني اليمني" وتنشر بصورة شبه يومية مقاطع لعمليات في عدد من الجبهات.

وتُظهر المواد المنشورة تنوعا في طبيعة الاستخدام بين مسيرات استطلاعية وأخرى هجومية وانقضاضية، مع استهداف مواقع ومركبات وتجمعات حوثية.

لكن ذلك لا يعني أن ميزان المسيرات أصبح متكافئا، فالفجوة مع الحوثيين، وفق شبح "تتقلص بالتأكيد، وإن كان ببطء" بينما يبدو الوصول إلى قدر من التوازن والردع هدفا أقرب من الحديث عن تفوق كامل.

ويلتقي الخبير في الشؤون الإستراتيجية العسكرية والأمنية الدكتور علي الذهب مع هذه القراءة، لكنه يضع حدودا أوضح لما حققته المسيرات الحكومية حتى الآن. ويرى أن تأثيرها ما يزال تكتيكيا في الغالب ومتركزا في العمق القريب من خطوط التماس، حيث تستخدم لاستهداف الأفراد والقيادات والمركبات ووسائل القتال.

ويقول للجزيرة نت إن دخول المسيرات منح القوات الحكومية قدرة أفضل على الاستطلاع والضرب، لكنه لم يُنه تفوق الحوثيين القائم على كثافة ما يمتلكونه وتنوعه التقني، وخبرة تشغيلية تراكمت خلال سنوات، فضلا عن قدرتهم على تنفيذ هجمات بعيدة المدى.

فجماعة الحوثي -وفقا له- لم تستخدم المسيرات في الجبهات الداخلية فقط، بل وظفتها في هجمات بعيدة ودمجتها مع الصواريخ والأسلحة الأخرى، كما يجعل المقارنة أوسع من مجرد امتلاك الطرفين طائرات مسيرة فوق خطوط التماس. وتعني انتهاء مرحلة كان فيها الحوثيون الطرف شبه المنفرد في استخدام هذا السلاح بكثافة ضد خصومهم.

مصدر الصورة مفيد شكري مقاتل تابع للقوات الحكومية يقول إن اتساع استخدام المسيرات غيّر قواعد اعتاد عليها المقاتلون (الجزيرة)

تأثير المسيّرات

وبحسب شكري، لم يعد الخطر مقتصرا على المقاتل في الموقع الأمامي؛ إذ أصبحت طرق الإمداد والتعزيزات وحركة المركبات خلف خطوط التماس أكثر عرضة للرصد، فيما بات تجمع الأفراد أو توقف مركبات عدة في نقطة واحدة أكثر خطورة من السابق.

ويوضح "أصبحنا نتحرك بصورة مختلفة، مجموعات أصغر، وفترات أقصر في المواقع المكشوفة، مع تغيير بعض طرق الحركة والإمداد وزيادة الاعتماد على التمويه والتفرق. حتى المركبة لا يمكن أن تبقى في المكان نفسه طويلا كما كان يحدث سابقا".

إعلان

ولا تحتاج المسيرة بالضرورة -وفقا له- إلى تنفيذ ضربة حتى تؤثر في سلوك القوات، فمجرد رصدها قد يدفع إلى وقف حركة، أو تأخير تعزيزات، أو تفريق تجمع خشية اكتشافه واستهدافه. ويختصر قائلا "المقاتل عليه اليوم أن يراقب الجبهة والسماء معا".

ووراء ذلك معادلة باتت أكثر أهمية في ساحات القتال الحديثة: من يرى خصمه أولا؟ فالمسيرات تختصر الزمن بين الاستطلاع والاستهداف، وتتيح مراقبة مساحات واسعة من دون دفع وحدات إلى الاقتراب من مواقع الخصم، كما تسمح بتوجيه النيران أو تنفيذ الضربة مباشرة.

ويرى شبح أن هذا السلاح أضاف إلى الحرب اليمنية "طابعا جديدا" بما يوفره من قدرة على المناورة والوصول بكلفة مادية وبشرية أقل من وسائل قتالية تقليدية عديدة.

لكن امتلاك المسيرات -برأيه- يمثل جزءا واحدا من المعادلة، فمع اتساع استخدامها، تصبح الحرب الإلكترونية والتشويش والإنذار المبكر والدفاع الجوي عوامل حاسمة في تحديد من يستطيع تشغيلها بفاعلية، ومن يستطيع حرمان خصمه من ذلك.

وهنا تبرز -حسب شبح- إحدى نقاط الضعف لدى القوات الحكومية "فامتلاك مسيرات هجومية لا يعني تلقائيا امتلاك قدرة دفاعية متكاملة في مواجهة مسيرات الحوثيين".

الطيران المأهول

وقد أعلنت القوات الحكومية خلال موجات التصعيد الأخيرة إسقاط طائرات حوثية في عدة جبهات، لكن توفير الحماية على امتداد خطوط تماس طويلة ومنشآت مدنية وعسكرية يظل أكثر تعقيدا، خصوصا أمام طائرات صغيرة ومنخفضة الكلفة نسبيا. ولهذا، يربط شبح تقليص الفجوة مستقبلا بقدرة القيادة اليمنية على تطوير منظومة متكاملة.

في حين يرى الذهب أن كفاءة القيادة والسيطرة والاستخبارات والدفاع الجوي ستظل حاسمة في تحديد فاعلية القوة الجوية. ويضع فاصلا بين ما تستطيع المسيرات فعله قرب خطوط التماس وبين إحداث تأثير إستراتيجي في عمق مناطق سيطرة الحوثيين.

فالمسيرات المستخدمة في الجبهات تستطيع، بحسب تقديره، مراقبة التحركات واستهداف الأفراد والمركبات والمواقع القريبة، لكن الوصول إلى مراكز القيادة والسيطرة ومخازن السلاح وخطوط الإمداد البعيدة يحتاج إلى قدرة جوية أوسع.

وقد عاد الطيران المأهول إلى المشهد مع إعلان القوات الحكومية تنفيذ غارات على مواقع حوثية، إلا أن الذهب يرى أن استخدامه ما يزال محدودا ومتقطعا، ولا تتوفر حتى الآن معطيات كافية للحكم على مداه وقدرته على العمل بصورة مستمرة.

ورغم تأثير المسيرات في الحركة والتحصين والاستطلاع، لا يرى الذهب أن الحرب اليمنية تتجه إلى تجاوز القتال البري أو إنهاء حرب المواقع. فالمسيرة -باعتقاده- لا تستطيع السيطرة على جبل أو مدينة أو الاحتفاظ بطريق.

كما يمتلك الحوثيون، وفقا له، خبرة طويلة في القتال البري والمناطق الجبلية منذ حروب صعدة التي بدأت عام 2004، ويستفيدون من التضاريس الوعرة والتحصينات في تقليل أثر القوة الجوية. ويقدم التصعيد الأخير نموذجا لذلك، إذ امتزجت المسيرات بالصواريخ والمدفعية والقوات البرية، بينما استخدمت القوات الحكومية بدورها المسيرات والمدفعية والطيران.

ولذلك، لا تبدو المسيرات بديلا عن حرب الخنادق، فالخندق يبقى لكنه يحتاج إلى تمويه أفضل، والمركبة تبقى لكن حركتها تصبح أسرع وأقل قابلية للتوقع، فيما تظل القوات البرية أداة السيطرة على الأرض في بيئة أصبح فيها الانكشاف من الجو أكثر خطورة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا