أنهى بحّارة حاملة الطائرات الأميركية " يو إس إس أبراهام لينكولن" أشهرًا طويلة من الحرب والعزلة في البحر، ليجدوا أنفسهم فجأة أمام أضواء باتايا، المدينة التايلاندية التي ارتبط اسمها منذ حرب فيتنام بالجنود الأميركيين وحياتها الليلية الصاخبة.
لكن ما حدث بعد نزول نحو خمسة آلاف عسكري إلى اليابسة بدا مختلفًا عن الصورة التي قد يوحي بها اسم المدينة. فبعد انتشار قاسٍ امتد أكثر من 9 أشهر، كانت لدى كثيرين منهم أولويات أبسط بكثير: طعام جيد، ملابس جديدة، جلسة عناية بالأقدام، وربما جوارب جديدة.
فكيف قضى بحّارة واحدة من أقوى حاملات الطائرات الأميركية أيامهم الأولى بعيدًا عن الحرب؟
ترسم هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في تقرير لها المشهد منذ اللحظات الأولى لوصول البحّارة إلى باتايا ، حيث لم تكن الحانات أول وجهاتهم، بل المتاجر ومراكز التسوق.
وبعد نحو 250 يومًا عاش خلالها أفراد الطاقم داخل سفينة حربية ضخمة، بدا أن مجرد التجول في مركز تجاري واستعادة تفاصيل الحياة اليومية يمثلان بالنسبة إليهم نوعًا من العودة إلى الوضع الطبيعي.
وفي فندق "هارد روك"، أحد الفندقين على الشاطئ اللذين سُمح للعسكريين بالإقامة فيهما بعيدًا عن الحاملة، تجمع البحّارة وهم يحملون أكياس مشترياتهم.
وكان من السهل تمييزهم وسط السياح المنتشرين في المدينة: قصات شعر عسكرية، شوارب لدى بعضهم، وقمصان تحمل شعارات البحرية الأميركية، في مقابل ملابس الشاطئ والصنادل التي يرتديها زوار باتايا.
لكن مع حلول الليل، بدأت المدينة تكشف لهم وجهًا آخر.
بحسب "بي بي سي"، استقبلت لافتة ضخمة مضاءة عند مدخل شارع "ووكينغ ستريت"، أشهر شوارع باتايا الليلية، أفراد طاقم "أبراهام لينكولن" برسالة ترحيب خاصة.
وسرعان ما بدأ بعض البحّارة يتنقلون بين الحانات، فيما دخل آخرون بحذر إلى نوادٍ ليلية تقدم عروضًا راقصة ذات طابع جنسي. وبحلول منتصف الليل، كان بعض البحّارة الأصغر سنًا قد أفرطوا في الشرب، إلى حد اضطر معه زملاؤهم إلى مساعدتهم على الوقوف والسير.
لكن النزول إلى اليابسة لم يكن يعني أن كل شيء أصبح متاحًا أمامهم، إذ جرى تذكير أفراد الطاقم بضرورة الابتعاد عن الدعارة والخدمات الجنسية المدفوعة، والالتزام بالقوانين الأميركية وأنظمة البحرية، فضلًا عن القوانين التايلاندية.
وانتشر في المدينة أيضًا أفراد يرتدون قمصانًا تحمل الأحرف "إس إل جي"، في إشارة إلى "مجموعة الاتصال على الشاطئ"، المكلفة بمساعدة أفراد الطاقم ومراقبة الانضباط والتنسيق مع السلطات المحلية.
وعندما سألت "بي بي سي" الملحق البحري الأميركي كريستوفر روبنسون عن المحظورات المفروضة على البحّارة، تجنب الخوض في التفاصيل، مؤكدًا أن الهدف هو منحهم أكبر قدر ممكن من الراحة، شرط الالتزام بالقوانين والأنظمة.
من جهتها، نقلت صحيفة "الغارديان" المشهد من حانات باتايا ومراكزها التجارية إلى مكان مختلف تمامًا، حيث امتلأ صالون "كولور نيل" بالبحّارة الأميركيين حتى كاد يخلو من أي مقعد شاغر.
جلس رجال ونساء من طاقم "أبراهام لينكولن" لإجراء جلسات عناية بالأقدام، فيما انتظر آخرون دورهم في الخارج، بحثًا عن بعض الراحة بعد أشهر طويلة ومرهقة في البحر.
وكان المشهد بعيدًا عن الصورة التي قد تتبادر إلى الذهن لدى وصول آلاف البحّارة إلى مدينة تشتهر بحياتها الليلية ومنطقة الضوء الأحمر. فعدد منهم، كما رصدت "الغارديان"، لم يكن يبحث سوى عن متع بسيطة افتقدها خلال الانتشار الطويل.
لكن وراء لحظات الاسترخاء تلك، حمل البحّارة معهم من الحاملة روايات أقل راحة بكثير.
تحدث عدد من أفراد الطاقم إلى "الغارديان" عن ظروف حياتهم على متن "أبراهام لينكولن"، رغم أنهم لم يكونوا مخولين، بحسب الصحيفة، التحدث إلى وسائل الإعلام عن تلك التفاصيل، ما دفعها إلى استخدام أسماء وهمية للبحّارة الذين أدلوا بشهاداتهم حفاظًا على هوياتهم.
وقال "آدم"، الذي كان يخوض أول انتشار عسكري له، إن العيش داخل الحاملة يشبه أن يكون الشخص "عالقًا في غرفة نومه مع جميع أفراد عائلته"، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الصداقات التي بناها على متن السفينة ساعدته على تحمل الظروف.
لكن الطعام كان قصة أخرى، فبحسب روايته، قُدمت لهم أحيانًا لحوم وبطاطا لم تُطهَ جيدًا، ووصل الأمر، كما قال، إلى أنه كاد يختنق بالطعام أكثر من مرة.
ولم يعزُ "آدم" تراجع الظروف إلى طول المهمة وحده، بل ربطه أيضًا بمتطلبات القتال خلال عملية "إيبيك فيوري".
ووافقه "ماركو"، معتبرًا أن تراجع مستوى المعيشة كان في جزء منه نتيجة "إيقاع المعركة"، إذ لم يكن التوقف لإعادة الإمداد خيارًا سهلًا في ظل العمليات العسكرية.
أما "ترينت"، فاختصر أصعب جوانب المهمة في القدرة على الاستمرار والحفاظ على الحالة الذهنية اللازمة رغم طول الانتشار.
وبالنسبة إلى "دين"، كانت العودة إلى اليابسة لحظة مختلفة تمامًا. فقد وصفها بأنها أزاحت "حملاً" عن كتفيه، وقال إن المهمة كانت صعبة، لكن كان عليهم إنجازها.
وما فعله في أول ليلة له بعيدًا عن السفينة يكشف الكثير عن حجم الحرمان الذي عاشه الطاقم: أكل حتى الشبع.
بل إنه مازح بأن الطعام التايلاندي قد يصبح "أفضل صديق" له.
ولم تكن المشقة جسدية فقط. فقد ألمح عسكري آخر، رفض الكشف عن اسمه، إلى الثمن النفسي للانتشار الطويل، موضحًا أن بعض الأشخاص يستطيعون التأقلم مع هذه الظروف، "لكن ليس الجميع".
وسط كل ما يمكن أن تقدمه باتايا، كانت رغبات بعض البحّارة أكثر بساطة مما قد يُتوقع. فقد دخل "تيم" متجر "فانز" بحثًا عن جوارب جديدة، واضعًا إياها ضمن "الأشياء البسيطة" التي افتقدها خلال الأشهر الطويلة التي أمضاها في البحر.
أما "ديفيد"، الذي كان يخوض انتشاره العسكري الرابع، فاتجه تفكيره إلى زوجته واشترى لها لعبة محشوة لشخصية "هيلو كيتي". ورغم خبرته في المهمات الطويلة، أقر بأن هذا الانتشار كان استثنائيًا في مدته، ولا سيما بالنسبة إلى البحّارة الذين يخوضون التجربة للمرة الأولى.
وكان لـ"آدم" طريقته الخاصة في الاستمتاع بالعودة إلى اليابسة، إذ طلب شطيرتي برغر من "برغر كينغ"، قبل أن يضع لنفسه برنامجًا للأيام التالية يشمل شراء بدلة مفصلة واستكشاف الساحل الشرقي لتايلاند.
بالنسبة إلى باتايا، لم يكن وصول الحاملة الأميركية مجرد زيارة عسكرية.
فالمدينة استقبلت نحو خمسة آلاف شخص أمضى كثير منهم أشهرًا طويلة في البحر من دون فرص كبيرة لإنفاق رواتبهم، وسرعان ما ظهر أثر ذلك في المتاجر.
ووفق "الغارديان"، سجلت متاجر وعلامات تجارية أميركية ارتفاعًا واضحًا في المبيعات، من بينها "نايكي" و"فيكتوريا سيكريت" و"ستاربكس".
وفي متجر "أميركان إيغل"، قالت إحدى الموظفات إن المبيعات التي تبلغ عادة نحو 70 ألف بات تايلاندي يوميًا خلال الموسم الهادئ قفزت إلى أكثر من 200 ألف بات في يوم وصول البحّارة، ثم تجاوزت 100 ألف بات بحلول ظهر اليوم التالي.
وكان تعليقها كافيًا لاختصار مزاج التجار: ألا يستطيعون البقاء أسبوعًا إضافيًا؟
وقدّر عمدة باتايا بوراميت نغامبيشيت أن إنفاق كل عسكري ما بين 100 و150 دولارًا يوميًا قد يضخ نحو 100 مليون بات، أي قرابة ثلاثة ملايين دولار، في اقتصاد المدينة.
لكن التوقعات بإنفاق سخي لم تتحقق في كل أنحاء باتايا، إذ اشتكى بعض أصحاب الأعمال من أن البحّارة لم ينفقوا بالمستوى الذي كانوا يأملونه، فيما قال صاحب حانة لـ"بي بي سي" إن كثيرين اكتفوا بالتجول من دون الدخول للشرب، وإن إنفاقهم بدا أقل مقارنة بزيارات سابقة لبحّارة أميركيين.
ورغم أن باتايا فتحت أبوابها أمام آلاف البحّارة، لم تكن جميع مناطقها متاحة لهم. فبحسب "الغارديان"، نُصح أفراد الطاقم بعدم التوجه ليلًا إلى "سوي 6"، وهو شارع معروف بكثافة الحانات وأماكن الترفيه المرتبطة بمنطقة الضوء الأحمر في المدينة.
في المقابل، لم تشمل القيود شارع "ووكينغ ستريت"، أشهر مناطق السهر والحياة الليلية في باتايا، ما دفع عددًا من البحّارة إلى التوجه إليه بعد حلول الظلام، وهو ما رصدته أيضًا "بي بي سي". ونقلت "الغارديان" عن عاملين في حانات محلية أن كثيرين كانوا يتجاوزون "سوي 6" ويتجهون مباشرة إلى "ووكينغ ستريت"، فيما بدا البحّارة الذين دخلوا بعض الحانات حذرين في تعاملهم مع العاملات فيها.
وللمشهد خلفية أقدم بكثير من زيارة "أبراهام لينكولن"، إذ لم تكن باتايا دائمًا المدينة السياحية الصاخبة المعروفة اليوم، بل بدأت قرية صيد قبل أن تتغير ملامحها خلال حرب فيتنام، عندما تحولت إلى وجهة للراحة والترفيه بالنسبة إلى الجنود الأميركيين. ومع تدفق العسكريين، توسعت الفنادق والحانات وصالات التدليك، ونمت حولهم صناعة سياحية ارتبط جانب منها بالحياة الليلية والسياحة الجنسية.
وبعد عقود، عاد آلاف العسكريين الأميركيين إلى المكان نفسه، لكن هذه المرة بعد أشهر طويلة أمضوها على متن حاملة طائرات تنقلت بين المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي والخليج، وسط عمليات عسكرية وضغوط متواصلة وتمديد لمهمتها الأصلية. وبينما كانت أضواء باتايا وحاناتها تستعد لاستقبال نحو خمسة آلاف بحّار خرجوا للتو من أشهر طويلة في البحر، كشفت أيامهم الأولى أن ما افتقده بعضهم لم يكن استثنائيًا على الإطلاق: وجبة جيدة، سرير على اليابسة، هدية للزوجة، جلسة عناية بالأقدام أو حتى جوارب جديدة.
أشياء تبدو عادية في أي يوم، لكنها بعد أشهر من الحرب والعزلة في البحر، تحولت بالنسبة إلى بعض بحّارة "أبراهام لينكولن" إلى ترف طال انتظاره.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة