آخر الأخبار

صفقات بالمليارات.. لماذا تراهن ألمانيا على السلاح الإسرائيلي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يأتي إطلاق البحرية الألمانية صاروخ لورا (LORA) الإسرائيلي من سفينة حربية شمال الأطلسي مجرد اختبار لمنظومة جديدة، كعلامة على تحول أعمق في العقيدة العسكرية الألمانية.

فبرلين -التي أمضت عقود ما بعد الحرب الباردة في تقليص جيشها- تختبر اليوم قدرة باليستية هجومية من إنتاج إسرائيلي، بالتزامن مع اتهام برلين روسيا بمحاولة هجوم بمسيرة متفجرة على مطار لايبزيغ هاله.

وكتب يوفال أزولاي مراسل الصناعات العسكرية في "كالكاليست" -في 2 سبتمبر/أيلول 2026- أن الصاروخ أطلق من سفينة ألمانية بين أيرلندا وآيسلندا، وأن نجاح التجربة يفتح الطريق أمام شراء محتمل لمنظومة يتجاوز مداها 500 كيلومتر، ووصف قائد البحرية الألمانية التجربة بأنها لحظة "كتبنا فيها تاريخا بحريا" مضيفا أن المدى الممكن "يتجاوز كل ما عرفناه".

شراكة غير متوازنة

وتعود العلاقات الأمنية الإسرائيلية الألمانية إلى خمسينيات القرن الماضي، حين بدأت سرا في ظل اتفاق التعويضات، وأصبحت علنية بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1965. وفي مراجعة نشرها "يديعوت أحرنوت " عام 2016، كتب يوآف زيتون وإلداد بك أن التعاون شمل منذ البداية تبادل المعرفة والسلاح، لكنه جرى لعقود أساسا باتجاه واحد: من ألمانيا إلى إسرائيل.

وكانت غواصات "دولفين" التعبير الأبرز عن هذا النموذج، وبعد حرب الخليج عام 1991 ساهمت حكومة المستشار هيلموت كول في تمويل غواصات إسرائيلية ردا على كشف مساهمة شركات وخبراء ألمان في برامج الصواريخ العراقية، وبحسب تقرير رون بن يشاي في صحيفة يديعوت أحرنوت استمر المسار لاحقا مع الغواصات وسفن "ساعر 6" ومكونات لمنظومات إسرائيلية.

لكن الاتجاه المعاكس اتسع، حسب يديعوت أحرنوت. ففي عام 2009 اشترت ألمانيا طائرات "هيرون" غير المأهولة لتشغيلها في أفغانستان، ثم وقعت عام 2016 اتفاقا بنحو 600 مليون يورو لاستئجار طائرات طراز "هيرون تي بي" (Heron TP) والمعروفة إسرائيلياً باسم "إيتان" وبعدها دخلت صواريخ "سبايك" ومنظومات إسرائيلية أخرى إلى الجيش الألماني.

مصدر الصورة العلاقة انتقلت من غواصات ألمانية تمنح إسرائيل عمقا استراتيجيا إلى صواريخ إسرائيلية تمنح لألمانيا (كلاكيست)

أوكرانيا قلبت المعادلة

وقد شكّل الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 نقطة الفصل، فالحرب كشفت للألمان فجوات لم تعد تتعلق فقط بعدد الدبابات أو مخزون القذائف، بل بالدفاع ضد الصواريخ الباليستية والقدرة على ضرب أهداف بعيدة.

إعلان

وهذا ما يفسر صفقة "حيتس 3" التي أصبحت في ديسمبر/كانون الأول 2025 أول بطارية من المنظومة الإسرائيلية تشكل جزءا من الدفاع الألماني، ثم وسعت برلين مشترياتها بحيث تجاوزت قيمة الصفقتين 6.7 مليارات دولار، وهي أكبر صفقة تصدير عسكري إسرائيلية.

ونقل زئيف أفراهامي في "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول أمني ألماني قوله إن حرب أوكرانيا والتطورات الدولية "أوضحت لنا أننا ملزمون بإيجاد طرق لحماية أنفسنا من هجوم بالصواريخ الباليستية". وهكذا انتقلت العلاقة من غواصات ألمانية تمنح إسرائيل عمقا إستراتيجيا، إلى صواريخ إسرائيلية تمنح ألمانيا مظلة ضد روسيا.

فجوة الضربة البعيدة

وتكمن أهمية صاروخ لورا في أنه يعالج مشكلة أخرى وهي أن ألمانيا لا تملك حاليا ترسانة باليستية عملياتية مماثلة، بينما يعتمد سلاحها بعيد المدى أساسا على صاروخ "تاوروس" الجوال الذي يطلق من الطائرات، ولذلك يمنح إطلاق صاروخ لورا من البحر برلين إمكانية ضرب أهداف برية دقيقة من مسافات بعيدة دون ربطها بطائرة مقاتلة.

ويربط أزولاي الاختبار مباشرة بجهود ألمانيا لبناء ردع أمام روسيا، بينما كتب أودي عتصيون في "والا" في اليوم نفسه أن امتلاك الصاروخ سيكون جزءا من برنامج التسلح الذي أطلق بعد غزو أوكرانيا، بعد عقود لم تحتفظ خلالها برلين بقدرات لصناعة صواريخ باليستية.

مصدر الصورة أفضلية لإسرائيل بالنسبة لألمانيا عبر منظومات جاهزة اختبرت عمليا ويمكن إدخالها الخدمة (غيتي)

ويمنح توقيت التجربة معنى سياسيا، ففي الأول من سبتمبر/أيلول الماضي اتهمت الحكومة الألمانية روسيا بالمسؤولية عن محاولة هجوم بمسيرة مفخخة قرب طائرة أوكرانية في مطار لايبزيغ هاله، ونفت موسكو الاتهام، لكن الحادث عزز في برلين مفهوم "الحرب الهجينة".

ولا يعني شراء ألمانيا سلاحا إسرائيليا أنها تفتقر إلى صناعة عسكرية، فهي موطن كبرى شركات الصناعات العسكرية مثل "راينميتال" و"ديل ديفنس" و"هينسولت" و"تي كيه إم إس" لكن المشكلة أن هذه الصناعة صممت خلال عقود السلام لإنتاج محدود، بينما تتطلب مواجهة محتملة مع روسيا مخزونات وإنتاجا بالحجم الصناعي للحروب الطويلة.

ويصف أساف أوني مراسل "غلوبس" في أوروبا (مقيم في برلين) التحول بأنه محاولة لتعويض فجوة تراكمت أمام روسيا منذ نهاية الحرب الباردة، ووفقا لخطة رصدها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وصلت الالتزامات والمشاريع المزمعة للمشتريات العسكرية الألمانية متعددة السنوات إلى 377 مليار يورو، كما توقع رئيس "راينميتال" أرمين بابيرغر وصول تراكم طلبيات شركته إلى 120 مليار يورو.

كما تبحث ألمانيا عن تحويل جزء من قاعدتها الصناعية المدنية المتعثرة إلى الإنتاج العسكري، وفي مارس/آذار 2026 رصد مراسل "غلوبس" اتصالات لإدخال مصانع وشركات ألمانية في تعاون مع شركات إسرائيلية، وهذا يفسر نموذج "يوروسبايك" الذي يجمع رافائيل مع راينميتال وديل، ويتيح تصنيع صواريخ سبايك داخل ألمانيا.

مصدر الصورة تشارك ألمانيا في عدة مشاريع أوروبية لإنتاج صواريخ بعيدة المدى جزء منها لم يكتمل (غيتي إيميجز)

صواريخ أوروبية مشتركة

ومع ذلك، لا تريد برلين استبدال الاعتماد الأميركي باعتماد إسرائيلي دائم، فهي تتحرك في 3 مسارات: شراء قدرات جاهزة، تطوير قدراتها الذاتية، بناء منظومات أوروبية مشتركة.

إعلان

وفي مبادرة "إي إل إس إيه" (ELSA) للضربات الأوروبية بعيدة المدى، تشارك ألمانيا مع فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا والسويد في تطوير أسلحة تشمل أنظمة أرضية بمدى 300-500 كيلومتر، وأخرى بين 500 و2000 كيلومتر، وقدرات تتجاوز 2000 كيلومتر، كما تعمل ألمانيا وبريطانيا على مشروع خاص للفئة الأخيرة.

وبالتوازي، تطور برلين صواريخ "تايروس إن إي أو" (Taurus NEO) وتتحرك لشراء صواريخ " توماهوك" الأميركية، لذلك يمكن قراءة صاروخ لورا كجسر زمني عبر شراء قدرة جاهزة الآن إلى أن تنضج المشاريع الأوروبية لاحقا.

إنفاق بلا سقف

وتقف وراء هذه السرعة طفرة مالية، فميزانية وزارة الدفاع الألمانية لعام 2026 وفق ما نشرته الحكومة بلغت 82.7 مليار يورو، مقابل 62.4 مليارا عام 2025، ويضاف إليها 25.5 مليارا من الصندوق الخاص للجيش، أي نحو 108.2 مليارات، وتخطط برلين للوصول إلى إنفاق دفاعي أساسي يعادل 3.5% من الناتج المحلي بحلول عام 2029.

ولم تعد قواعد الانضباط المالي القديمة عائقا كما كانت، بعد تعديل إطار "مكبح الديون" بما يسمح بتمويل أوسع للدفاع. لذلك تضاعفت الصفقات -وفق تقرير "غلوبس" في 5 مارس/آذار 20250 حيث يعوض الجيش مخزونات استنزفتها المساعدات لأوكرانيا، ويسد نقصا تراكم لعقود، ويبني قوات قادرة على الوفاء بالتزامات الناتو

وهنا تظهر أفضلية إسرائيل بالنسبة لبرلين عبر منظومات جاهزة اختبرت عمليا، ويمكن إدخالها الخدمة أسرع من انتظار مشروع أوروبي جديد. وقال بوعز ليفي الرئيس التنفيذي للصناعات الجوي -لـ"غلوبس"- إن لدى شركته "منتجات مجربة في السوق" في إشارة إلى الفارق الزمني بينها وبين كثير من المشاريع الأوروبية.

ولا تقف القائمة عند "حيتس 3" و صاروخ لورا، فقد اشترت ألمانيا أو شغلت "هيرون" ووسعت مشتريات "سبايك". وبحسب تقرير "غلوبس" تسلمت ألمانيا في فبراير/شباط 2026 الغواصة غير المأهولة "بلو وال" (BlueWhale) وإنتاج جزء من الأنظمة داخل ألمانيا يحول التعاون من بيع وشراء إلى تشابك صناعي.

وفي الخلاصة، يعكس اختبار صاروخ لورا انتقال التعاون الألماني الإسرائيلي من تعويضات وغواصات إلى شراكة مرتبطة مباشرة بإعادة بناء الردع الأوروبي أمام روسيا، فألمانيا تحتاج التكنولوجيا الإسرائيلية لأنها توفر قدرات جاهزة لسد فجوات عاجلة، وتستخدمها جسرا حتى تنضج صناعتها ومشاريعها الأوروبية بعيدة المدى، وبذلك تتحول إسرائيل من متلق رئيسي للسلاح الألماني إلى أحد الموردين الذين تعتمد عليهم برلين في إعادة تشكيل جيشها لعصر ما بعد حرب أوكرانيا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا