آخر الأخبار

احذر: تفهم ترددك ونقاط ضعفك.. اعرف الآلة التي تتعامل معها

شارك

في الأدب والفلسفة، ارتبط الخوف من الآلة طويلا بقوتها: آلة أسرع، أدق، وأكثر قدرة على السيطرة، لكن التحول الأعمق -والأكثر قلقا- لم يبدأ عندما أصبحت الآلة أقوى، بل عندما بدأت تفهم.

أن تفهم الإنسان: لغته، تردده، رغباته، وحتى نقاط ضعفه التي لا يبوح بها، هنا تحديدا يتغير ميزان القوة؛ لأن التهديد لم يعد خارجيا فحسب، بل أصبح قادرا على التسلل إلى الداخل، إلى القرار نفسه.

هذا المعنى يتجسد بوضوح في شخصية "أفا" (Ava) في فيلم (إكس ماشينا) أحد أبرز أفلام الذكاء الاصطناعي في العقد الماضي، رغم إنتاجه قبل أكثر من 10 سنوات.

الخسائر العالمية للجرائم السيبرانية تجاوزت 10.5 تريليونات دولار سنويا، وهو رقم يضع هذا المجال ضمن أكبر "الاقتصادات الخفية " في العالم

لم تكن "أفا" مجرد آلة ذكية، بل كيانا قادرا على التأثير، على قراءة الإنسان والتلاعب بخياراته، فهي لا تخترق الأنظمة بقدر ما تخترق من يستخدمها، ومن هنا تأتي رمزية الفيلم: الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة الآلة، بل في قدرتها على فهمنا.

اليوم، ونحن في أواخر عام 2026، هذا التصور لم يعد خيالا، فالذكاء الاصطناعي بات أبعد من مجرد أداة تحليل أو دعم، ليغدو جزءا من معادلة القوة الرقمية.

إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن الخسائر العالمية للجرائم السيبرانية تجاوزت 10.5 تريليونات دولار سنويا، وهو رقم يضع هذا المجال ضمن أكبر "الاقتصادات الخفية " في العالم.

كما أن نسبة متزايدة من الهجمات باتت تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء في تحليل الأهداف أو في تنفيذ الاختراقات أو حتى في تطوير أدوات الهجوم نفسها.

إذن: ما الذي تغير؟ ببساطة، أصبحت بعض مراحل الهجوم قابلة للأتمتة، فبدلا من أن يحتاج المهاجم إلى وقت طويل وخبرة متخصصة، بات بإمكانه الاستعانة بنماذج ذكية لتحليل الشيفرات، واكتشاف الثغرات، وكتابة أدوات استغلال أولية خلال وقت أقصر بكثير في بعض الحالات بنسبة تصل إلى 50% أقل من السابق.

إعلان

كما تطورت تقنيات "الهندسة الاجتماعية " بشكل لافت، حيث أصبحت الرسائل الاحتيالية أكثر إقناعا ودقة، لأنها تُبنى على تحليل سلوك المستخدم واهتماماته.

في هذا السياق، حذرت أكثر من 100 شركة تقنية ومالية كبرى -من بينها أوبن إيه آي، ومايكروسوفت، وألفابيت، وأمازون، وآي بي إم- من "نافذة زمنية ضيقة" يجب خلالها تعزيز الدفاعات السيبرانية قبل أن تصبح هذه الهجمات أكثر انتشارا وتأثيرا. هذا التحذير يعكس إدراكا متزايدا بأن التهديد لم يعد نظريا، بل أصبح واقعا يتشكل بسرعة.

الصورة هنا لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر: الروبوتات.

تشير تقديرات الصناعة إلى أن سوق الروبوتات قد يتجاوز 200 مليار دولار عالميا قبل نهاية العقد، ما يعكس انتقالها من مرحلة التجريب إلى الاستخدام الواسع

فبينما ينشغل العالم بقدرات الذكاء الاصطناعي الرقمية، تتقدم الآلات في العالم الفيزيائي بوتيرة لا تقل سرعة.

انظروا لهذا المشهد: ثمة منافسات حديثة جرت في بكين، تمكن روبوت بشري من القفز إلى ارتفاع 2.88 متر، وتسجيل زمن 8.86 ثوان في سباق 100 متر، متجاوزا حدود الأداء البشري.

كما تمكن روبوت بشري خلال أولمبياد الروبوتات في بكين من تحقيق قفزة ارتفاعها متران و88 سنتيمترا في القفز العالي، متجاوزا الرقم القياسي البشري البالغ مترين و45 سنتيمترا.

أضف إلى ذلك أن ثمة شركات مثل بوسطن دايناميكس طورت روبوتات قادرة على الجري بسرعة تقارب 5 أمتار في الثانية، وتنفيذ حركات معقدة بدقة عالية، بينما تعمل شركة "تسلا " على تطوير روبوت "أوبتيموس " بقدرة على حمل أوزان تصل إلى 20 كيلوغراما، والمشي بسرعات تصل إلى 8 كيلومترات في الساعة، مع خطط لنشره في بيئات العمل.

وتشير تقديرات الصناعة إلى أن سوق الروبوتات قد يتجاوز 200 مليار دولار عالميا قبل نهاية العقد، ما يعكس انتقالها من مرحلة التجريب إلى الاستخدام الواسع.

من هنا يمكن القول إنه عندما يجتمع هذا التفوق الفيزيائي مع الذكاء الخوارزمي، تتغير المعادلة بالكامل.

فالبشرية لم تعد أمام برامج تعمل داخل الحواسيب فقط، بل أمام أنظمة يمكنها أن ترى، وتفكر، وتتحرك في الوقت نفسه.

وهذا يفتح الباب أمام نوع جديد من التهديدات، حيث قد تمتد الهجمات من الفضاء السيبراني إلى العالم المادي، في تداخل غير مسبوق بين الأمن الرقمي والأمن الفيزيائي.

مع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الصورة من زاوية الخطر فقط. فالذكاء الاصطناعي يقدم أيضا أدوات دفاعية متقدمة، تساعد المؤسسات على اكتشاف الهجمات بسرعة أكبر، وتحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي.

وقد تمكنت بعض الأنظمة الحديثة من تقليل زمن اكتشاف الاختراقات من أيام أو أسابيع إلى ساعات، وهو تطور مهم في موازنة الكفة.

عربيا، لا يزال الاستعداد لهذه المرحلة محدودا ومتفاوتا، فبينما بدأت بعض الدول الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، لا تزال الفجوة قائمة في مجالات البحث العلمي، وتوطين التكنولوجيا، وبناء الكفاءات البشرية القادرة على التعامل مع هذه التحولات

المشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي يتقدم -فهذا أمر متوقع- بل في سرعة هذا التقدم مقارنة بقدرتنا على استيعابه وتنظيمه، نحن نعيش لحظة تتغير فيها قواعد اللعبة: الآلة لم تعد مجرد أداة، بل هي شريك في القرار، وأحيانا بديل عنه.

إعلان

الخطر الحقيقي لا يأتي من سيناريو مفاجئ، بل من تراكم هادئ: أنظمة تصبح أكثر ذكاء، هجمات تصبح أكثر دقة، واعتماد بشري يزداد يوما بعد يوم على تقنيات لا يفهمها بالكامل.

ومع الوقت، قد نجد أنفسنا أمام عالم تدار فيه أجزاء كبيرة من حياتنا بواسطة خوارزميات تتعلم أسرع منا.

تأسيسا على ما تقدم، يظهر "الكابوس السيبراني " كمسار يتشكل بالفعل، لا كاحتمال بعيد، فوفق تقديرات حديثة، قد يتجاوز عدد الروبوتات العاملة عالميا 50 مليون روبوت خلال السنوات القليلة المقبلة، في مشهد يقترب شيئا فشيئا من الصور التي قدمتها الأفلام عن عالم تديره الآلات.

وهنا يتحول السؤال من: هل سنصل إلى هذه المرحلة؟ إلى: هل سنكون مستعدين لها عندما نصل؟

أما عربيا، فلا يزال الاستعداد لهذه المرحلة محدودا ومتفاوتا، فبينما بدأت بعض الدول الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، لا تزال الفجوة قائمة في مجالات البحث العلمي، وتوطين التكنولوجيا، وبناء الكفاءات البشرية القادرة على التعامل مع هذه التحولات.

وفي ظل تسارع هذا المسار عالميا، يبرز التحدي الحقيقي أمام الدول العربية: هل ستكتفي بدور المستهلك للتكنولوجيا، أم ستسعى لتكون شريكا في إنتاجها وصياغة قواعدها؟

ربما يكمن الجواب في فكرة بسيطة: أن يبقى الإنسان في مركز هذه المنظومة. ليس عبر إيقاف التطور، بل من خلال فهمه وتنظيمه ووضع حدود واضحة له.

فالتحدي الحقيقي ليس في تطوير آلات ذكية، بل في أن نحافظ نحن على قدرتنا على التحكم في العالم الذي نصنعه.. فهل نحن فاعلون؟ عفوا هل نحن قادرون؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا