يستعد العديد من المهاجرين في ولاية ساكسونيا-أنهالت الواقعة في شرق ألمانيا ، وهي إحدى الولايات السابقة لألمانيا الشرقية، لحزم أمتعتهم والمغادرة وسط مؤشرات على تقدم حزب " البديل من أجل ألمانيا " اليميني المتطرف الذي تعهد بترحيل المهاجرين ، في الانتخابات المحلية في الولاية.
ومن المتوقع أن يحقق الحزب المعروف بمواقفه المناهضة للهجرة والمؤيدة لروسيا فوزا تاريخيا في الولاية الصغيرة، ويكسب أول أغلبية برلمانية في تاريخه.
وبالنسبة للمهاجرين مثل طبيب القلب أيمن اليوسف المولود في سوريا ، وهو رئيس الأطباء في إحدى عيادات مدينة كفيدلينبورغ، فإن مثل هذا الاحتمال يبعث على التشاؤم. وقال "أخشى أن تتفشى كراهية الأجانب "، وهو الشعور الذي بات سائدا في أوساط عدد متزايد من المهاجرين. ويروي اليوسف، الذي وصل إلى ألمانيا عام 2014 وحصل على الجنسية الألمانية أنه لاقى ترحيبا من المرضى والزملاء، ومع ذلك يواجه أحيانا بعض المضايقات في الشارع ، فيما تعاني زوجته وابنته اللتين ترتديان الحجاب المشكلة نفسها.
وقال لفرانس برس "يأتي إلينا مرضى يعانون نوبات قلبية عند الثالثة فجرا. وعندما أنجح في إنقاذهم من خطر محقق، يكونون ممتنين جدا لأن أجنبيا ساعدهم. إلا أنه في الشارع، لا يعرف الناس أنني طبيب قلب بل يعتقدون أنني مجرد أجنبي يتلقى مساعدات من سلطات المدينة، ويطالبون بالتالي برحيل أمثالي".
ولا تقتصر هذه المخاوف على الأطباء، إذ أغلق الأسبوع الماضي نحو 150 مطعم ومقهى وصالونات حلاقة يديرها مهاجرون، أبوابها مؤقتا في ماغديبورغ عاصمة الولاية، احتجاجا على ما يقولون إنه "مناخ أكثر عدائية تجاه الأجانب".
من جهته، أكد "مجلس اللاجئين" أن الكثير من الأجانب أفادوا بتعرضهم لـ" مواقف عنصرية وحالات إقصاء اجتماعي"، وأن الحديث المتزايد عن الترحيل الجماعي يثير حالة من "الخوف والارتباك".
بدوره يعبر رضوان تالاش (24 عاما)، وهو مهاجر أفغاني يعمل في صيانة الحواسيب بمدينة ماغديبورغ منذ ست سنوات عن المخاوف نفسها، متسائلا في حديث إلى فرانس برس: "هل ستبقى حياتي على ما هي عليه الآن؟ هذا السؤال لا يفارق تفكيري".
وتابع تالاش، وهو متطوع أيضا في جمعية لدعم المهاجرين، أن "عددا ليس بقليل من الناس في ولايتنا غادروا أخيرا لأنهم يتخوفون من أننا لن نكون بأمان بعد الانتخابات"، مضيفا بالقول: "لا نريد أن يذهب كل ما قمنا به لبناء حياة هادئة وكريمة أدراج الرياح".
وكان مرشح حزب "البديل من أجل ألمانيا" أولريش زيغموند الذي يسعى لتولي رئاسة حكومة ولاية ساكسونيا- أنهالت قد تعهد بطرد جميع المهاجرين غير النظاميين "اعتبارا من الدقيقة الأولى" لتوليه السلطة . إلا أنه عاد وأكد في تصريح لفرانس برس خلال إحدى الفعاليات الانتخابية يوم أمس السبت (29 آب/ أغسطس 2026)، أن حزبه يستهدف فقط "غير النظاميين والمطَالبين بمغادرة البلاد"، مؤكدا أن " الهجرة النظامية التي تستوفي المعايير الصارمة لن تطرح مشكلة".
وبغض النظر عما ستؤول إليه نتائج الانتخابات الأحد المقبل، فإن هذا الخطاب المشحون أسهم بالفعل في "تعميق الانقسامات في المجتمع"، طبقا لما يؤكده ماماد محمد، مرشح حزب الخضر الذي كان يوزع منشورات خارج مركز ثقافي إسلامي في مدينة هاله.
وقال محمد، وهو كردي إيزيدي وصل إلى ألمانيا من سوريا عام 1996 عندما كان في السادسة عشرة من عمره "بعض الأشخاص يكونون راغبين في التحدث إلينا وطرح الأسئلة، إلا أن البعض الآخر يعمدون إلى شتمنا والصراخ في وجهنا"، متابعا: "يتعين علينا أن نبقى متيقظين دائما. (...) ونحرص على الخروج في مجموعات مكونة من ثلاثة أشخاص أو أربعة خلال عملنا على الحملة الانتخابية في المدينة".
جددت منظمة شباب "جيل ألمانيا" التابعة لحزب البديل دعوتها إلى الترحيل الجماعي للمهاجرين وقال رئيس المنظمة جان باسكال هوم "يجب أن تبقى ألمانيا أرض الألمان"!صورة من: Martin Meissner/AP Photo/picture allianceويحذر خبراء اقتصاديون من أن حملة "حزب البديل من أجل ألمانيا" المناهضة للهجرة، وإلى جانب ما ستتسبب به من معاناة إنسانية، سترتد اقتصاديا بشكل كارثي على الولاية الصغيرة، التي فقدت بالفعل ما يقرب من ربع سكانها منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990.
وتجسد منظمة شباب الحزب "جيل ألمانيا" الموقف المتشدد للحزب اليميني المتطرف تجاه المهاجرين، وأكدت ذلك مجددا في مؤتمر وطني عقدته يوم أمس السبت، استعدادا لانتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، إذ بدت المنظمة واثقة للغاية من نفسها، وجددت دعوتها إلى عمليات ترحيل جماعية. وقال رئيس المنظمة جان- ياسكال هوم: "يجب أن تظل ألمانيا أرض الألمان. هذا المبدأ غير قابل للتفاوض". وزعم أن ملايين الأشخاص دخلوا البلاد، مضيفا: "يجب أن يغادر ملايين الأشخاص هذا البلد مجددا". كما دعا هوم الأعضاء إلى الدفاع عن أنفسهم جسديا في حال تعرضهم لاعتداءات جسدية من جانب خصومهم السياسيين.
من جهته، يؤكد سفين شولتسه المرشح المحافظ عن حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي "اليوم، مقابل كل شخصين يغادران سوق العمل، يدخله شخص واحد فقط وهي فجوة لا يمكن لسكان ساكسونيا والمناطق المجاورة سدها بمفردهم".
وفيما يقترح حزب "البديل من أجل ألمانيا" مواجهة الأزمة الديموغرافية عبر تقديم "حوافز مالية" للآباء الذين يرزقون بمواليد، بالإضافة إلى استقطاب الألمان المقيمين في الخارج، يؤكد أصحاب العمل أنهم يعانون بالفعل نقصا في العمال المؤهلين.
وقال ماتياس هيربيرغ، رئيس تالاش في العمل "تعاني الولاية صعوبة كبيرة في استقطاب الكفاءات الشابة، على وقع مغادرة الكثير منهم الولاية أو افتقارهم للمؤهلات العلمية الكافية"، مشيرا إلى أن "المهاجرين الذين يمتلكون مثل هذه المؤهلات قادرون على سد الفجوة".
ويعد قطاع الصحة، الذي يضم الآلاف من الأطباء والممرضين من أصول أجنبية، الأكثر إلحاحا. في السياق، يقول مدير عيادة كفيدلينبورغ ماتياس فوت إنه " من دون زملائنا أصحاب الكفاءات العالية من أصول أجنبية ، لن نكون قادرين على الاستمرار، وسأضطر لإغلاق المستشفى".
وعلى الرغم من أن الطبيب أيمن اليوسف أعرب عن رغبته في البقاء، إلا أنه أشار إلى أن جميع الخيارات تبقى مطروحة، قائلا "أحمل أنا وعائلتي الجواز الألماني، وأستطيع العمل في أي مكان وليس فقط هنا في ساكسونيا أنهالت أو الولايات الأخرى، بل في دول أخرى أيضا. إذا شعرت بأن خطاب الكراهية يتفشى هنا، فستكون هذه النهاية بالنسبة لي".
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW