في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في منطقة شرق القدس المحتلة، على الأراضي الممتدة بين عناتا والعيساوية والزعيم والعيزرية وأبو ديس، يعود مخطط "إي 1" الاستيطاني ليختصر أزمة أكبر بكثير من بضعة آلاف من الوحدات السكنية. فالممر المخطط له بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم يهدد بعزل المدينة المقدسة عن عمقها الفلسطيني، وقطع التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.
لذلك، ترى قراءات غربية حديثة أن "إي 1" قد يُسقط ما تبقى من المعنى العملي لعبارة "حل الدولتين". فالقضية لم تعد مجرد توسع استيطاني جديد، بل هي واقع يتغير على الأرض بوتيرة أسرع من قدرة الخطاب التقليدي في واشنطن ولندن على اللحاق به.
ماثيو غولد، السفير البريطاني لدى إسرائيل بين عامي 2010 و2015، يستعيد في صحيفة تايمز كيف علم عام 2013 بخطة للبناء في "إي 1" فاتصل بتسيبي ليفني (وزيرة العدل آنذاك) قبل أن يعلم لاحقًا أن الخطة أُسقطت، من دون أن يعرف إن كان لتدخله أثر في ذلك.
وبعد أكثر من عقد، يرى غولد أن الظروف تغيرت. فالحكومة الإسرائيلية، كما يقول، قررت أن "القواعد مختلفة الآن" وطرحت عطاءً لبناء 1234 وحدة استيطانية في المنطقة، هي الأولى من أصل 3400 وحدة أقرتها. ولم يترك وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش مساحة كبيرة للتأويل حين قال إن البناء في "إي 1" "يدفن فكرة الدولة الفلسطينية".
ولا يضع غولد المخطط في فراغ، بل ضمن توسع أوسع للمستوطنات في عمق الضفة الغربية، لا سيما تلك المقامة على قمم التلال، بما يكرس السيطرة الإسرائيلية ويجعل التواصل بين المناطق الفلسطينية أكثر صعوبة.
وهذه الصورة نفسها تظهر على نطاق أوسع في الخرائط التي يستعرضها ديفيد كيركباتريك في مجلة نيويوركر. فمنذ بداية عام 2023، أقرت الحكومة الإسرائيلية 104 مستوطنات جديدة وأكثر من 58 ألف وحدة سكنية، فيما ارتفع العدد الإجمالي للمستوطنات والبؤر من نحو 300 إلى قرابة 640.
ويعيش اليوم أكثر من 500 ألف مستوطن وسط أكثر من 3 ملايين فلسطيني في الضفة المحتلة.
وأمام هذا التمدد، تنقل تايمز عن صبري صيدم (وزير سابق في السلطة الفلسطينية) قوله إن "المستوطنات الإسرائيلية كالسرطان، كلما امتدت ازداد تهديدها للوجود الفلسطيني".
قبل 10 أعوام، عرض فرانك لوينشتاين، المبعوث الأمريكي السابق للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، على الرئيس باراك أوباما خرائط تكشف تمدد المستوطنات في الضفة. وأسهمت الخرائط، بحسب نيويوركر، في إقناع أوباما بالسماح بمرور قرار في مجلس الأمن يدين الاستيطان، بعدما امتنعت الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض.
وبعد أيام، حذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري آنذاك من أن التوسع الاستيطاني يرسخ بصورة متزايدة "واقع الدولة الواحدة".
واليوم، ما زال لوينشتاين يحدّث الخرائط نفسها، لكن السؤال تغير. فالنقاش، كما يقول، انتقل من "ماذا يمكننا أن نفعل للوصول إلى حل الدولتين؟" إلى "ما الذي يمكن فعله لمنع إسرائيل من الاستيلاء حرفيًا على الأرض كلها؟".
وبحسب خرائطه، لم يعد تصور شكل قابل للحياة من الحكم الفلسطيني يتطلب انسحابًا إسرائيليًا من غزة ووقف نمو المستوطنات فحسب، بل تراجعًا واسعًا عن مستوطنات وبؤر قائمة بالفعل.
ويتزامن ذلك مع تحول سياسي إسرائيلي أكثر صراحة. فلوينشتاين يقول إن نتنياهو وقادة إسرائيليين آخرين كانوا في السابق يعلنون، على الأقل، تأييدهم لدولة فلسطينية بعيدة وافتراضية. أما عام 2025، فأقر الكنيست قرارًا غير ملزم يعلن أن لإسرائيل "حقًا طبيعيًا وتاريخيًا وقانونيًا" في الضفة وغزة، فيما يخوض نتنياهو حملته الانتخابية متعهدًا بعدم السماح بقيام دولة فلسطينية.
ولهذا يقترح لوينشتاين تغيير السؤال المطروح في واشنطن من: هل تؤيد إسرائيل؟ إلى: أي إسرائيل تؤيد؟ إسرائيل المعترف بها دوليًا ضمن الحدود التي سبقت حرب 1967 أم مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يمتد إلى الأراضي المحتلة؟
وتختصر الخرائط حجم التحول. فوفق قراءة لوينشتاين، ترك قرار التقسيم عام 1947 للفلسطينيين نحو 43% من الأرض بين نهر الأردن والبحر المتوسط، قبل أن تتوسع إسرائيل في الحرب التي أعقبتها لتسيطر على 78%، ويبقى للفلسطينيين نحو 22%.
أما في أحدث خرائطه، فتظهر المستوطنات والبؤر والعمليات العسكرية في غزة وكأنها تحصر السيطرة الفلسطينية في نحو 8% فقط من إجمالي الأرض بين النهر والبحر، مقابل سيطرة إسرائيلية كاملة على نحو 92%.
لكن الخريطة لا تتغير بالبناء وحده. فبالتوازي مع توسع المستوطنات، يتصاعد عنف المستوطنين بما يجعل الحياة اليومية نفسها وسيلة لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل.
ومنذ عام 2023، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 5300 اعتداء نفذه مستوطنون وألحق أضرارًا بالممتلكات الفلسطينية أو أوقع إصابات، بمعدل يزيد على 4 اعتداءات يوميًا. وفي الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 وحدها، سجلت ما لا يقل عن 1380 اعتداء، أي أكثر من ستة يوميًا.
وخلال السنوات الثلاث نفسها، أدت عمليات الهدم والترهيب، بحسب الأمم المتحدة، إلى تهجير كلي أو جزئي لسكان 117 تجمعًا فلسطينيًا، واقتلاع أكثر من 5900 فلسطيني من أماكن سكنهم.
وفي صحيفة نيويورك تايمز، تنتقل هذه الأرقام إلى مشاهد مباشرة. فقد اقتحم عشرات المستوطنين منزلًا فلسطينيًا قرب بلدة قصرة شمالي الضفة أمس السبت، وحاصروا الموجودين داخله واعتدوا عليهم. وفي هجوم حديث آخر قرب جالود، هاجم مستوطنون ملثمون فريقًا من شبكة "إن بي سي" أثناء مقابلة مع امرأة فلسطينية أُجبرت على مغادرة منزلها، فأصيب ثلاثة من أفراد الطاقم والمرأة.
المستوطنات الإسرائيلية كالسرطان؛ كلما امتدت.. كلما ازداد تهديدها للوجود الفلسطيني.
بواسطة صبري صيدم
ودفعت حدة الهجمات نتنياهو إلى إصدار إدانة نادرة، قال فيها إن المعتدين يخرقون القانون ويضرون بصورة إسرائيل في العالم، كما دعا الرئيس إسحاق هرتسوغ إلى ملاحقتهم.
لكن منظمات حقوقية إسرائيلية تشير إلى إفلات واسع من العقاب. وتقول منظمة "يش دين" الإسرائيلية إن 3% فقط من التحقيقات التي تابعتها بين عامي 2005 و2025 انتهت بإدانات كاملة أو جزئية.
وتظهر فجوة الحماية في رواية الفلسطيني لؤي بيروتي، صاحب المنزل الذي تعرض للهجوم قرب قصرة. فقد قال إنه اتصل مرارًا بالسلطات الإسرائيلية طالبًا المساعدة، وإن الجنود الذين وصلوا أطلقوا الغاز ثم احتجزوه وآخرين مؤقتًا. وأكد الجيش تقييد عدد من الفلسطينيين الذين قال إنهم ألقوا حجارة، لكنه لم يوضح ما إذا كان أي من المهاجمين الإسرائيليين قد اعتُقل.
إذا كانت هناك صحوة غربية، فهي لا تزال في بدايتها. فالتغطيات تعكس تكشف إدراكًا متزايدًا بأن التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين يغيران الواقع الذي يفترض أن يقوم عليه حل الدولتين الذي تفضله مجتمعات الغرب، حتى بات السؤال في بعض الدوائر الغربية أقل تعلقًا بكيفية إحيائه، وأكثر بكيفية منع اختفائه نهائيًا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة