آخر الأخبار

حرفي ينجح في ألمانيا ومهندس يطرق باب الحكومة في العراق

شارك
يعتمد اقتصاد الدول الصناعية على الحرف والمهن التي تشغل المصانع وتُقدّم الخدمات للمواطنين عبر شركات القطاع الخاص، وليس على خريجي الجامعات وحدهم. صورة من: Jens Büttner/dpa/picture alliance

بين الحين والآخر، يتظاهر خريجون جدد من   الجامعات العراقية للمطالبة بالحصول على وظائف.

يقدر عدد خريجي   الجامعات العراقية بنحو 250 ألف خريج سنوياً، يحصل بعضهم على وظائف في القطاع العام، بينما يبحث آخرون عن فرصة يبدؤون من خلالها مسيرتهم المهنية.

ويقدر عدد موظفي القطاع العام بنحو 7 ملايين موظف، فيما يرفع بعض الخبراء العدد إلى نحو 9.5 ملايين. وبهذا، يحتل العراق موقعاً متقدماً عالمياً من حيث حجم التوظيف الحكومي مقارنة بعدد السكان. لكن هذا الجيش الكبير من الموظفين يثير تساؤلات عديدة بشأن أسباب تضخمه ومدى فعاليته الاقتصادية.

لماذا الهرولة وراء الوظيفة الحكومية؟

تؤدي عوامل عدة دوراً في اتساع القطاع العام في العراق . أولها أن الوظيفة الحكومية تُعد بالنسبة إلى كثير من العراقيين خياراً آمناً ومستقراً، خصوصاً في ظل محدودية فرص العمل في القطاع الخاص.

كما أن الدولة هي المشغّل الأكبر في العراق، وتمنح موظفيها رواتب ومخصصات وامتيازات تختلف باختلاف طبيعة الوظيفة، والجهة الحكومية، والتحصيل العلمي، وسنوات الخدمة. لذلك ينظر كثير من الخريجين إلى التعيين الحكومي بوصفه ضماناً للاستقرار الوظيفي والاجتماعي، وليس مجرد مصدر للدخل. لكن استمرار اعتماد سوق العمل على الوظائف الحكومية يفاقم الضغط على الميزانية العامة، ويحدّ من قدرة القطاع الخاص على النمو واستيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.

وبناء على تقريرين صدرا من صندوق النقد الدولي في عام 2024 والبنك الدولي في عام 2023، فإن القطاع العام في العراق يعاني من ضعف في الكفاءة والإنتاجية، رغم ضخامته من حيث عدد العاملين والإنفاق عليه. فقد أصبح القطاع الحكومي يستوعب "نحو 40 بالمئة من العاملين"، بينما ارتفع التوظيف والأجور الحكومية خلال العقدين الماضيين بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد. ويرى صندوق النقد الدولي "أن تضخم الجهاز الحكومي، إلى جانب ضعف أداء الشركات العامة، يزاحم القطاع الخاص ويحدّ من نموه". كما يشير البنك الدولي إلى ضعف كفاءة الإنفاق العام وتقديم الخدمات، في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط. لذلك لا تكمن المشكلة في نقص الوظائف فقط، بل في اختلال هيكل سوق العمل، قطاع عام كبير ذو إنتاجية محدودة، وقطاع خاص ضعيف لا يستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، حسب المؤسسة المالية الدولية.

أسباب بنيوية وإدارية

يقول الخبير الاقتصادي العراقي المقيم في ألمانيا الدكتور محمد الفخري في حوار مع DW عربية: "مع الأسف لا يوجد تخطيط يراعي متطلبات سوق العمل والقبول في الجامعات؛ ولذلك مخرجات التعليم لا تتوافق مع متطلبات سوق العمل ولا حاجاته بسبب غياب التنسيق في هذا المجال. هناك تخصصات جامعية لا يستفيد منها سوق العمل".

وأشار البنك الدولي في تقريره إلى أن تقديم الخدمات العامة في العراق  يعاني من ضعف إدارة الاستثمار العام، وعدم الكفاءة في تخصيص الموارد واستخدامها، والفساد. وفي الوقت نفسه، يعتمد الاقتصاد على النفط بدرجة كبيرة. ففي 2025 شكّل النفط نحو 53 بالمئة من الناتج المحلي الحقيقي و88 بالمئة من الإيرادات الحكومية. وهذا يعني أن الدولة تستطيع تمويل جهاز حكومي ضخم عندما تكون أسعار النفط وإيراداته مرتفعة، لكنها لا تحصل بالضرورة على إنتاج اقتصادي مقابل كل وظيفة حكومية جديدة. وبجانب ذلك فإن إنتاجية الوظيفة الحكومية في العراق ضعيفة، فهي تمثل جهازاً بيروقراطياً عملاقاً غير منتج ولا يقدم خدمات حقيقية.

لا يمكن أن يكون الجميع أطباء أو مهندسين في العراق. صورة من: Showan Sulaiman Ali/Middle East Images/IMAGO

القطاع الخاص "المريض"

واحد من أسباب تفاقم أزمة البحث عن وظائف في دوائر الدولة هو العدد الكبير من خريجي الجامعات، الحكومية والأهلية. وبسبب ترسّخ ثقافة أن الوظيفة الحكومية هي الخيار الأكثر أماناً واستقراراً، يُدير كثير من الخريجين ظهورهم للقطاع الخاص.

ويرى خبراء   اقتصاديون عراقيون  في حوار مع DW عربية أن القطاع الخاص نفسه يمثل جزءاً من المشكلة، وليس بالضرورة محركاً للنمو الاقتصادي، فهو يضيف إلى البيروقراطية، ويستحوذ على جانب من التعاملات المصرفية، فيما يعاني من ضعف الشفافية نتيجة محدودية الرقابة وضعف النظام الضريبي. كما يعتمد جزء كبير منه على التعامل مع القطاع العام وأموال الدولة، من دون أن يحقق بالضرورة قيمة اقتصادية مضافة أو يوفر فرص عمل تنهض به وبالاقتصاد ككل وبمستوى معيشة المواطن.

ويتركز جزء كبير من القطاع الخاص في أنشطة خدمية وتجارية، مثل المطاعم والمقاهي والشركات التجارية، بدلًا من القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق وظائف مستدامة. ويشير الدكتور محمد الفخري إلى تغير في "ثقافة المجتمع بعد عام 2003" بعد إطاحة الغزو الأمريكي بنظام صدام حسين. ويفسر أكثر: "أقفلت المدارس الصناعية ومعاهد التكنولوجيا، ما أدى إلى اضمحلال الكادر الوسط الذي يشكل العمود الأساسي في سوق العمل".

كما أن صلب المشكلة يكمن في دفع العوائل لأبنائها لدراسة الاختصاصات الطبية أو الهندسية، والنظرة المجتمعية الدونية المترسخة منذ عقود للاختصاصات الأخرى.

في ألمانيا من يكسب أكثر؟

بسبب الذكاء الاصطناعي وعوامل أخرى بدأ التوجه حتى في ألمانيا يميل أكثر من السابق نحو التعليم المهني لا الجامعي، فالدراسة الجامعية لا تضمن المستقبل، بينما الدراسة المهنية الفنية مطلوبة جداً في بلد يعتمد على الصناعة ركيزة أساسية في الاقتصاد.

كشف تقرير لموقع "تاغسشاو" الإخباري الألماني نشر يوم الرابع من آذار/ مارس 2026، أن نسبة البطالة بين الأكاديميين ارتفعت من 2.1 قبل جائحة كورونا إلى 3.3 في الوقت الحالي.

ينقل التقرير أنه عند النظر إلى "إجمالي دخل الحياة المهنية"، أي مجموع الأجور الإجمالية على امتداد العمر الوظيفي، يتضح أن خريجي الجامعات لا يلحقون بالميزة المالية التي يحققها المتدربون في السنوات الأولى إلا في وقت متأخر من العمر.

ويرى خبراء أن من أكثر المهن الحرفية أماناً وربحية تلك المرتبطة بالصناعة، ولا سيما في مجالي الطاقة والأتمتة، مثل الميكاترونيك والكهرباء"، بحسب تقرير الموقع الألماني.

كان أحد أسباب تظاهرات تشرين عام 2019 البحث عن ظائف للخريجين.صورة من: Reuters/T. al-Sudani

بين الاقتصاد الريعي والاقتصاد الصناعي

يعتمد اقتصاد الدول الصناعية على الحرف والمهن التي تشغل المصانع وتُقدّم الخدمات للمواطنين عبر شركات القطاع الخاص، وليس على خريجي الجامعات وحدهم. يقول الدكتور محمد الفخري في حواره مع DW عربية: "تجربة ألمانيا مختلفة هنا يجري تشجيع الفنيين. الثقافة مختلفة  بين ألمانيا والعراق".

تعتمد الدول ذات الاقتصاد الريعي، التي تقوم مواردها أساساً على بيع الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط، على التوظيف الحكومي أكثر من اعتمادها على النشاط الإنتاجي. وهذا ما يفسّر عزوف كثير من الشباب العراقي عن تعلّم المهن والحرف، واتجاههم إلى التعليم الجامعي بانتظار الحصول على وظيفة حكومية.

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا