في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
السودان – قبل شروق شمس كل يوم في مخيمات شرق تشاد، يستيقظ اللاجئون من إقليم دارفور على معركة لا تنتهي. معركة لا يُسمَع فيها رصاص، بل لهيب حرارة يتسلل تحت الخيام، فلا ظل يحمي، ولا جدار يحجب شمسا تلامس 50 درجة مئوية.
في هذه البقعة المنسية، يعيش اللاجئون كل يوم معركة، وفي كل خيمة حكاية ألم. وفي خضم الجحيم، تقول الأرقام إن تشاد تستضيف 940 ألفا و612 لاجئا سودانيا منذ أبريل/نيسان 2023.
تقول فاطمة، أم لخمسة أطفال نزحت من الفاشر قبل أشهر، للجزيرة نت: "نستيقظ مع أول خيط من نور الشمس. لا ننام ليلا من الحر، ولا نستطيع التنفس نهارا. الخيمة كالفرن، والأطفال يبكون من العطش والحرارة. الظل هنا رفاهية لا يملكها أحد".
يؤكد مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية ب دارفور ومدير منظمة "يد الخير" المحلية، أن "الخيام المصنوعة من القماش الرقيق تحولت إلى مصائد حرارية، ترتفع الحرارة داخلها عن الخارج".
ويضيف للجزيرة نت أن نصف اللاجئين الواصلين حديثا يفتقرون إلى مواد الإيواء، وما زالوا يعيشون تحت الأشجار، مما يعرضهم لأشعة الشمس المباشرة والزواحف والحشرات السامة.
وفي مشهد يتكرر يوميا قبل شروق الشمس، تصطف طوابير طويلة من النساء والأطفال أمام نقاط توزيع المياه. يبدؤون رحلتهم قبل أن تشتد الحرارة، حاملين جرارا فارغة، يعودون بها تحت لهيب شمس تزداد قسوة مع كل ساعة.
ووفقا للبيان المشترك الصادر عن مفوضية اللاجئين و برنامج الأغذية العالمي في 9 أبريل/نيسان 2026 من العاصمة التشادية إنجمينا، يعيش اللاجئون في بعض المواقع على أقل من نصف الحد الأدنى اليومي من المياه، وتشير المفوضية إلى أن نحو 80 ألف أسرة تعيش بلا مأوى بسبب النقص في التمويل.
ويقول صدام أبكر الصافي مسؤول غرفة طوارئ كرياري: "كثير من العائلات تضطر للاختيار بين شرب الماء أو غسل أطفالها. في هذه الأجواء، الماء أثمن من الذهب".
ولم تقتصر المعاناة على الحر فقط، ففي 15 أغسطس/آب 2026، تسببت أمطار غزيرة مصحوبة برياح قوية في تدمير نحو عشرات المنازل في مخيمي بامي جورا وكارياري، وسجلت مصرع 3 أشخاص وإصابة 23 إصابة في صفوف اللاجئين، بينهم حالات حرجة نقلت إلى مستشفى "أم جرس"، وفق ما أفاد به مصطفى بره في تصريح خاص للجزيرة نت.
ويؤكد بره أن "موسم الخريف يحول المخيمات إلى مستنقعات من الطين، والخيام البالية لا تصمد أمام الرياح والأمطار". ويشير إلى أن تراكم المياه وتكدس النفايات تسبب في انتشار الذباب والحشرات، مما يهدد صحة اللاجئين.
ويعمل متطوعون في مخيم أردمي، بجهود ذاتية محدودة لسد الفجوة التي خلفتها المنظمات الدولية. يقول مصطفى بره، الذي يعمل عضوا بغرفة الطوارئ في المخيم للجزيرة نت: "نستقبل يوميا عشرات العائلات الجديدة، منهكة من الرحلة، ومعظمهم من النساء والأطفال. نحاول توفير الغذاء والماء لهم بقدر ما تسمح به إمكانياتنا المحدودة، لكنّ الغرفة باتت تواجه أزمة تفوق طاقتها".
وتشير غرفة طوارئ أردمي، حسب إفادة مصطفى بره، إلى أن نحو 180 ألف لاجئ في المنطقة يعانون صعوبات يومية في الحصول على مياه الشرب.
وفي 30 يوليو/تموز 2026، كشفت منظمة أطباء بلا حدود في بيان من إنجمينا، أن أكثر من خُمس النساء الحوامل والمرضعات في شرق تشاد يعانين من سوء التغذية الحاد.
وبين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026، فحصت المنظمة 5785 امرأة مرضعة وحاملا في مدينة أدري الحدودية، وتبيّن أن 1225 منهن، أي 21.2%، يعانين من سوء التغذية المعتدل أو الشديد، وهي نسبة تتجاوز بكثير عتبة الطوارئ البالغة 15%.
ولفت البيان إلى أن ثلاثة أرباع هؤلاء النساء ينتمين إلى المجتمعات المضيفة التي تستضيف اللاجئين، لكنها مستبعدة من توزيعات المساعدات الغذائية المحلية، بسبب القواعد الصارمة التي تحصرها باللاجئين المسجلين. ويؤكد مصطفى بره أن "الحوامل والمرضعات هن الأكثر تضررا. أطفال يولدون بوزن أقل من الطبيعي، وأمهات لا يجدن ما يرضعن به أطفالهن".
وفي 3 أغسطس/آب 2026، أوضحت بيانات مفوضية اللاجئين أن تشاد تستضيف 940 ألفا و612 لاجئا سودانيا. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الفصول الدراسية في معظم مخيمات شرق تشاد تتكدس بأكثر من 100 طفل لكل مُعلم.
وتقول فاطمة بصوت يختلط فيه الألم بالرجاء: "أطفالي يكبرون دون أن يتعلموا القراءة أو الكتابة. لا مدارس، لا كتب، لا مستقبل. كيف سيكون حالهم بعد عشر سنوات؟".
يقول مصطفى بره: "ليس الجوع فقط ما يقتل الناس هنا، الخوف على الأطفال، وعدم معرفة مصير من تركوا في دارفور، يفطر قلوبهم". ويشير بره استنادا إلى متابعته اليومية أن حالات الاكتئاب والقلق بين اللاجئين في تزايد، خاصة بين النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو أبناءهن، في غياب تام للمختصين في الصحة النفسية داخل المخيمات.
وسعت الجزيرة نت عبر وسائل التواصل المتاحة للحصول على تعليق من مفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي حول أوضاع اللاجئين في شرق تشاد، لكنها لم تتلقَّ ردا حتى لحظة نشر التقرير.
وفي صحراء شرق تشاد، يبحث مئات الآلاف عن ظل لا يجدونه، وماء لا يكفيهم، تجرفهم السيول من خيامهم، ويموت أطفالهم قبل أن يُولدوا، ويفقد آخرون مستقبلهم، وتنهكهم الصدمات النفسية.
يبقى السؤال معلقا في هذا الجحيم الصامت: كم قصة أخرى ستنتهي قبل أن يفتح العالم عينيه على هذه الكارثة الإنسانية التي ليست مجرد أرقام، بل حياة تموت بصمت كل يوم؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة