آخر الأخبار

خطيئة نيكسون وكيسنجر.. كيف أطلقت أمريكا المارد الذي يهدد عرشها؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في ذروة الحرب الباردة وغرق الولايات المتحدة في مستنقع فيتنام عام 1967، كتب ريتشارد نيكسون، المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة عام 1960 والرئيس الأمريكي لاحقا، مقالة شهيرة بعنوان "آسيا بعد فيتنام" حلل خلالها خريطة آسيا الجيوسياسية بالنسبة للولايات المتحدة من خارج المنظار الفيتنامي الذي احتكر النظرة الأمريكية آنذاك.

رأى نيكسون آسيا تغلي، وأنها خرجت من مربع الاستعمار في تفكيرها، وبدأت تُكوِّن وعيها الآسيوي الخاص، كما رأى أنها تنهض بسرعة، بما يجعلها مهيأة لتكون مركزا دوليا أهم من أوروبا، خاصة مع نموها الاقتصادي المتصاعد وانفتاحها على العالم. إضافة إلى ذلك، رأى نيكسون في بعض التجارب غير الشيوعية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، نماذج نجاح خاصة في التنمية، واعتبر أن التسليم بشيوعية آسيا يُمثِّل قصورا في الرؤية الأمريكية. وختم رؤيته للصين بوصفها خطرا مركزيا وقوة شيوعية ثورية تتطلب الانتباه الجدي، من دون أن يكون التعامل معها بالقوة هو الخيار الأوحد.

"رأى نيكسون أنه لا يمكن للولايات المتحدة ترك الصين خارج النظام الدولي للأبد"

وشدَّد نيكسون على أنه لا يمكن للولايات المتحدة ترك الصين خارج النظام الدولي للأبد، واقترح نموذجا يقوم على الضغط عليها على المدى القصير، وفتح الباب لها بعد ذلك، بطريقة تحتوي خطرها دون الصدام المكلف معها. وبعد سنة واحدة تقريبا، وعلى وقع الانقسام الداخلي الأمريكي الناتج عن الحرب في فيتنام، وصل نيكسون إلى رئاسة الولايات المتحدة، بعد فوزه في انتخابات عام 1968. ولم يتأخر عن ترجمة الزاوية الصينية من مقالته إلى فعل، وبدأ خطوات عملية بتخفيف بعض القيود عن الصين، كما استعان بباكستان كقناة سرية للتواصل بين واشنطن وبكين.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 سيرة ذاتية للنظام الدولي.. من ينقذ العالم قبل القنبلة القادمة؟
* list 2 of 2 الوجه الآخر لابن خلدون.. لماذا أحب التقرب من ذوي الجاه؟ end of list

لم تتأخر الانفراجة، فكانت زيارة مستشار نيكسون للأمن القومي هنري كيسنجر السرية إلى الصين، حيث التقى رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي، ومهد للزيارة الكبرى التي قام بها نيكسون إلى بكين في فبراير/شباط 1972، ما قلب خريطة الحرب الباردة وفتح الباب أمام علاقة أمريكية صينية طبيعية. وبين زيارة كيسنجر السرية وزيارة نيكسون العلنية، كانت بكين قد استعادت موقعها في الأمم المتحدة، في خطوة لم تكن تخطر على بال أحد قبل سنوات.

مصدر الصورة نيكسون أثناء زيارته للصين عام 1972، يظهر في مقدمة الصورة، وإلى يمينه تشو إن لاي، بينما يظهر هنري كيسنجر في منتصف الصف الثاني خلفهما (غيتي)

نيكسون واختراق الكتلة الشيوعية

بين عامي 1972 و2026، عادت المقارنة تفرض نفسها. ففي ذروة الصراع الأمريكي الإيراني، وصل الرئيس دونالد ترمب إلى بكين في مايو/أيار الماضي للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، معيدا إلى الذاكرة لقاء نيكسون مع ماو تسي تونغ وتشو إن لاي عام 1972، ومن ثم توالت أسئلة المقارنة بين المشهدين. ولعل الزيارتين تتشابهان من حيث الشكل، لكن الواقع أن السياقين التاريخيين يختلفان جذريا؛ فلا الصين هي الصين، ولا الولايات المتحدة هي الولايات المتحدة، ولا الواقع العالمي هو نفسه.

إعلان

قبل الانفتاح الأمريكي على الصين، قُطعت العلاقة الرسمية بين البلدين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، حيث كان الاعتراف الأمريكي، ومعه الغالبية العظمى من الاعتراف الدولي، مقصورا على حكومة تايوان التي سمت نفسها "جمهورية الصين". وبرغم القلق من الصين حينها، الذي عبَّر عنه نيكسون قبل وصوله إلى الرئاسة، فإنها في ذلك الوقت لم تكن تُشكِّل قطبا عالميا مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، طرفي الحرب الباردة.

كانت الصين دولة فقيرة بناتج محلي يقارب 113 مليار دولار مقابل حجم سكاني كبير يُقدَّر بنحو 862 مليون نسمة آنذاك، أي بمعدل دخل يبلغ نحو 132 دولارا فقط للفرد. أما الاقتصاد الصيني فكان مغلقا ومُوجَّها ومركزيا، قبل زمن الإصلاحات والانفتاح الذي انطلق عام 1978. وكانت تجارة الصين الخارجية في الخمسينيات والستينيات محدودة للغاية. أما الولايات المتحدة، فكان لديها شعب يقارب 210 ملايين نسمة، ويبلغ ناتجها المحلي نحو 1.28 تريليون دولار، بمتوسط 6 آلاف دولار للفرد. وفي ذلك الوقت، كانت واشنطن تقود النظام الاقتصادي العالمي، وينافسها بدرجة أقل اقتصاد سوفياتي مغلق، لكنه مُتحكِّم بكتلة اقتصادية داخل أوروبا الشرقية.

"لم تمتلك الصين آنذاك طموحات خارجية جدية، واكتفت بحضور محدود وخطاب ثوري وعلاقات سياسية متناثرة"

لم تمتلك الصين آنذاك طموحات خارجية جدية، واكتفت بحضور محدود وخطاب ثوري وعلاقات سياسية متناثرة. وفي المقابل كانت الولايات المتحدة، القوة النووية الأكبر، قد ورثت نفوذ القوى الأوروبية في العالم وقادت حلف الناتو، إضافة إلى امتلاكها نفوذا وحضورا قرب منابع الطاقة وأهم ممراتها في الخليج العربي وإيران، ناهيك بجل خصائص القوة العالمية الأخرى. كما كان الاتحاد السوفياتي قد أسس حلف وارسو، وبنى ترسانة نووية ضخمة، وحاول مقارعة أمريكا في كل الساحات، بما فيها الشرق الأوسط، عبر النفاذ إلى مصر وسوريا، وتبنِّي الحركات اليسارية العالمية. باختصار، كان هناك مسرح عالمي، وكانت الصين بعيدة كل البعد عن الانخراط فيه.

أدركت أمريكا أن الكتلة الشيوعية تتفتت مع تصاعد الصراع الصيني السوفياتي. فقد بدأت علاقة الطرفين بالتدهور منذ نهاية الخمسينيات، إذ اختلفت البوصلة الأيديولوجية بعد ستالين، ورأى الزعيم الشيوعي الصيني ماو أن خروتشوف، خليفة ستالين، شخص انحرف بالشيوعية عن مسارها وتخلى عن الثورة العالمية. وكان الخلاف الأيديولوجي في جوهره اختلافا حول قيادة العالم الشيوعي. فقد رفضت الصين أن تكون تابعة للاتحاد السوفياتي، وحاولت شق طريقها الخاص بعد أن تلقت منه دعما في البداية، ثم تباينت السبل مع سحب الخبراء السوفيات من الصين ووقف مساعداتهم التقنية، الأمر الذي شكل ضربة للعديد من المشاريع الصينية الناشئة. وتصاعد الخلاف بين الطرفين بعد التجربة النووية الصينية الأولى عام 1964، وبلغ ذروته في مارس/آذار 1969 حين وقع اشتباك عسكري حدودي بين الطرفين.

"كان مد اليد إلى الصين خيارا إستراتيجيا أمريكيا لإضعاف موسكو على الساحة الدولية"

أمام هذا المشهد الذي تشكل من عدو سوفياتي قوي، وصين شيوعية ضعيفة لكنها متمايزة عن السوفيات، برز خيار مد اليد إلى الصين كخيار إستراتيجي أمريكي لإضعاف موسكو على الساحة الدولية، واختراق المعسكر الشيوعي بهدف تغيير ميزان الحرب الباردة، وتخفيف الضغط على الولايات المتحدة في فيتنام، وعزل هانوي دبلوماسيا، وزيادة نفوذ أمريكا على حساب منافسها الرئيس. في المقابل، كانت الصين تسعى إلى الخروج من العزلة الدولية التي عاشتها نحو 3 عقود، وتحاول إضعاف موقف تايوان عبر تقاسم العلاقة مع الولايات المتحدة. ولذا مهدت هذه الزيارة لتغيرات داخلية في الصين دفعتها إلى الاندماج في النظام العالمي خلال العقود التالية. كان الاتفاق مكسبا أمريكيا قصيرا ومتوسط المدى، وربحا طويل الأمد جنت الصين ثماره مع مرور الوقت.

مصدر الصورة نيكسون (يمين) يلتقي الزعيم الصيني ماو تسي تونغ خلال زيارة الرئيس الأمريكي التاريخية إلى الصين عام 1972 (غيتي)

ما لم تستشرفه واشنطن

لم تستشرف الولايات المتحدة، في لحظتها، إمكانية احتلال الصين مكانة الاتحاد السوفياتي كمنافس في المستقبل، وحتى عندما قرأت هذا الاحتمال، تعاملت معه من منطلق قائم على تعزيز الشراكة والاحتواء. ولهذا السبب، على سبيل المثال، انتقد جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وأحد منظري الواقعية، مسار الانفتاح الأمريكي الصيني، ورأى أن هنري كيسنجر لا يمكن وصفه بأنه من صقور الواقعية السياسية، بالنظر إلى دعمه الانفتاح على الصين.

إعلان

وحتى زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في عهد جيمي كارتر وأحد أبرز العقول الإستراتيجية الأمريكية في الحرب الباردة، قلل في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى: التفوق الأمريكي وضروراته الجيوستراتيجية" الصادر عام 1997، من شأن الصين، واعتبر أنها لا تمتلك القدرة على أن تصبح قطبا عالميا، مشددا على أن حدودها هي جغرافيتها وما حولها باعتبارها قوة إقليمية كبرى.

على أرض الواقع، ظل التوجه الصيني نحو الانفتاح على العالم يتعزز بصورة متواصلة، ولم تعد عجلة التنمية الصينية إلى الوراء. ومع وصول دنغ شياو بينغ إلى السلطة عام 1978، شهدت عقلية الدولة تحولا جذريا من خلال إطلاق "التحديثات الأربعة" في الزراعة والصناعة والدفاع والتكنولوجيا، لتصبح التنمية الاقتصادية متقدمة على سائر المهام الوطنية. ورغم التعثرات التي شهدتها بعض المراحل، استمر المسار التصاعدي للإصلاحات التي عززت الانفتاح الاقتصادي، وصولا إلى بناء اقتصاد سوق مندمج في الاقتصاد العالمي.

لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا المسار. ففي عهد بيل كلينتون، أُطلقت عام 1993 "سياسة الانخراط الشامل" مع الصين، والتي انطلقت من رؤية ليبرالية راهنت على أن توسيع التجارة وتعزيز الانخراط الصيني في سياسات السوق والتجارة العالمية والمؤسسات الدولية سيجعل بكين أكثر اندماجا في النظام الدولي الذي صاغته وتقوده الولايات المتحدة.

"عززت الصين حضورها الاقتصادي العالمي بكلفة محدودة؛ إذ تحملت الولايات المتحدة العبء الأكبر لتأمين وحماية الممرات التجارية"

وجاءت لحظة التحول الكبرى مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، إذ أصبحت بعدها تُعرف بمصنع العالم، مستفيدة من انفتاح الأسواق العالمية، فيما استفادت الولايات المتحدة اقتصاديا من تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة. وفي فترة وجيزة، عززت الصين حضورها الاقتصادي العالمي بكلفة محدودة؛ إذ كانت الولايات المتحدة، عبر أساطيلها البحرية وسياساتها الأمنية، تتحمل العبء الأكبر من تأمين وحماية الممرات التجارية، بينما ركزت بكين على توسيع قاعدتها الإنتاجية، وتعزيز صادراتها، وجني ثمار النمو الاقتصادي.

مصدر الصورة وزير التجارة الصيني شي غوانغ شنغ يوقع وثيقة عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية عام 2001 (رويترز)

حين بدأ القلق من بكين

أثناء إدارة بوش الابن، المنغمسة في الحرب على العراق، بدأ القلق الأمريكي يتبلور إزاء صعود الصين. ففي عام 2005 طرح روبرت زوليك، نائب وزير الخارجية الأمريكي، فكرة مفادها أن على الصين أن تصبح طرفا مسؤولا في النظام الدولي، بحيث تساعد في حمايته بدلا من أن تستغله فقط. ثم جاء التحول الأكبر مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، إذ أضعفت الأزمة الاقتصادات الغربية، وعززت في المقابل ثقة الصين بمكانتها في الاقتصاد العالمي. ومنذ ذلك الحين، تركز الاهتمام الإستراتيجي الأمريكي على الصين بوصفها مركز الثقل الدولي الصاعد، وبدأت تتبلور تصورات وسياسات جديدة للتعامل معها.

وفي عام 2011، صرحت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، بأن مستقبل السياسة العالمية سيكون في آسيا، وحددت 6 مسارات أساسية لمواكبة ذلك: تقوية التحالفات، وتعميق العلاقات مع القوى الصاعدة وفي مقدمتها الصين، وتعزيز دور المؤسسات الإقليمية، وتوسيع التجارة، وترسيخ الحضور العسكري، ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

"أخذ التعامل الأمريكي مع الصين ينتقل تدريجيا من المنطق الاقتصادي إلى المنطق الجيوسياسي"

من هنا بدأت مرحلة الالتفات إلى آسيا، ومنذ ذلك الحين أخذ التعامل الأمريكي مع الصين ينتقل من المنطق الاقتصادي إلى المنطق الجيوسياسي. ففي تقرير البيت الأبيض الصادر عام 2020، أكدت إدارة ترمب أن نهجها يمثل إعادة تقييم جوهرية لطريقة فهم الولايات المتحدة للصين، وأن واشنطن باتت تقر بوجود منافسة إستراتيجية طويلة الأمد بين النظامين. ثم أكدت إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2022، الصادرة في عهد جو بايدن، أن الصين هي المنافس الوحيد الذي يملك النية والقدرة على إعادة تشكيل النظام الدولي.

إعلان

صين ترمب ليست صين نيكسون

يكمُن الخطر القادم من الصين في كونها تمثل حالة غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي. فقد تغنت الولايات المتحدة، بالنظام الدولي الذي قادته بعد الحرب العالمية الثانية، باعتباره نظاما قادرا على استيعاب كل من ينخرط فيه، وإقصاء كل من يقف في مواجهته، حتى بدا -وفق الرؤية الليبرالية- وكأنه يجسد "نهاية التاريخ".

غير أن الصين خرجت من رحم هذا النظام، لكن وفق وصفتها الخاصة. فقد استفادت من اللعبة التي تعتقد الولايات المتحدة أنها تحركها، وتسللت وفق قواعدها حتى باتت أحد أهم الفاعلين فيها. وبسرعة صاروخية، سيطرت الصين على التصنيع والتجارة العالمية؛ وانتقل الناتج المحلي الصيني من أقل من نصف تريليون دولار في مطلع التسعينيات إلى نحو 19.5 تريليون دولار عام 2025، وانتقلت صادراتها من نحو 60 مليار دولار تقريبا إلى 3.5 تريليون دولار.

وحتى التجارة مع الولايات المتحدة، ارتفعت من حوالي 5 مليارات دولار إلى أكثر من 440 مليار دولار، منها نحو 143 مليار دولار فقط صادرات أمريكية إلى الصين وفق بيانات 2024. وامتد الأمر إلى القطاع الصناعي كذلك، فارتفعت القيمة الصناعية الصينية من 100–120 مليار دولار تقريبا إلى نحو 4.5 – 4.7 تريليون دولار. وبهذا أصبحت الصين أكبر قوة تصنيعية وأكبر مصدر للسلع في العالم، ولاعبا رئيسيا في سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الاقتصاد الأمريكي.

"أصبحت الصين أكبر قوة تصنيعية وأكبر مصدر للسلع في العالم، ولاعبا رئيسيا في سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الاقتصاد الأمريكي"

امتد الحضور الصيني إلى المؤسسات الدولية التي أسهمت الولايات المتحدة في بنائها وترسيخها، فأصبحت ثاني أكبر مساهم في الميزانية العادية للأمم المتحدة بعد واشنطن، وبفارق ضئيل. وجاء ذلك في وقت تعرضت فيه الأمم المتحدة بين عامي 2025 و2026 لأزمة سيولة حادة نتيجة تأخر الدول الأعضاء في سداد مساهماتها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة نفسها. وينطبق الأمر ذاته على ملفات حفظ السلام، ومنظمة التجارة العالمية، وتمويل جهود مكافحة تغير المناخ، وغيرها من المجالات التي يتزايد فيها الحضور الصيني، بالتوازي مع تراجع الانخراط الأمريكي. وبعبارة أخرى، فإن المؤسسات التي حكمت الولايات المتحدة العالم من خلالها، أخذت واشنطن تنأى بنفسها عنها، بينما باتت الصين أكثر انخراطا فيها.

إضافة إلى ذلك، تعمل الصين على تقليص مركزية الدولار في النظام المالي الدولي. فقد انضمت روسيا وعدد متزايد من الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى نظام المدفوعات الصيني "سيبس" (CIPS)، بالتوازي مع اتساع استخدام اليوان في التسويات التجارية. صحيح أن اليوان لا ينافس الدولار على موقعه المهيمن حتى الآن، لكنه يفتح ثغرات في احتكاره للنظام المالي العالمي. وتحاول الصين كذلك كسر معادلة البترودولار، عبر إدخال اليوان في تجارة الطاقة، لا سيما مع الدول الخاضعة للعقوبات الأمريكية، مثل روسيا وإيران.

أما ضربة الصين الكبرى، فتتمثل في المعادن الحرجة التي تدخل في معظم الصناعات التكنولوجية المتقدمة، والتي تهيمن الصين على سلاسل تكريرها العالمية. إذ تتصدر بكين عمليات تكرير 19 من أصل 20 معدنا إستراتيجيا، بحصة متوسطة تقارب 70% من إجمالي عمليات التكرير، الأمر الذي يجعل جانبا كبيرا من سلاسل إمداد الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة تمر عبر المصانع الصينية. وتتجلى هذه الهيمنة بصورة أوضح في الأتربة النادرة والغرافيت والليثيوم والكوبالت؛ إذ يُتوقع أن تبقى الصين بحلول عام 2035 موردا لأكثر من 60% من الليثيوم والكوبالت المكررين، ونحو 80% من الغرافيت المخصص للبطاريات والأتربة النادرة المعالجة.

ولم تغفل الصين المجال العسكري، حيث تطوره بوتيرة متصاعدة، فقد قدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري الصيني عام 2025 بنحو 336 مليار دولار، ليحتل المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة، بزيادة سنوية بلغت 7.4%. وفي الوقت نفسه، تراقب بكين عن كثب الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة، وتحرص على استخلاص الدروس العملياتية والتقنية منها، بما في ذلك المواجهة الأخيرة مع إيران. واستنادا إلى هذه القوة المالية والاقتصادية والصناعية والتكنولوجية، تقدمت الصين إلى دول العالم طارحة نموذج تعاون اقتصادي مختلف عن نظيره الأمريكي، باستثمارات مباشرة، ومن دون اشتراطات سياسية داخلية، في وقت أصبح فيه التمويل الغربي بالغ الصعوبة ومرتفع الكلفة سياسيا.

"استطاعت الصين عبر مبادرة الحزام والطريق تعزيز حضورها في عدد كبير من دول العالم"

من هذا المنطلق، استطاعت الصين عبر مبادرة الحزام والطريق تعزيز حضورها في عدد كبير من دول العالم، في مواقع إستراتيجية تقع على خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية الدولية، من خلال الاستثمار في المرافئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية وشبكات الطاقة والاتصالات. والأمثلة في ذلك لا حصر لها: من ميناء غوادر في باكستان، الذي يمنح الصين منفذا قريبا من الخليج والمحيط الهندي؛ وميناء هامبانتوتا في سريلانكا، الواقع قرب أحد أهم خطوط الملاحة في المحيط الهندي؛ وميناء بيرايوس في اليونان، الذي فتح للصين بوابة بحرية وتجارية إلى أوروبا؛ وقاعدة جيبوتي وموانئها عند مدخل البحر الأحمر وباب المندب؛ إضافة إلى ميناء تشانكاي في البيرو، الذي يعزز الحضور الصيني على ساحل المحيط الهادي في أمريكا اللاتينية.

إعلان

وامتد الحضور الصيني إلى القوة الناعمة، فصاغت بكين خطابا يدغدغ مشاعر دول الجنوب العالمي عبر التأكيد على مبادئ احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعددية الأقطاب، في مقابل الانتقادات الموجهة إلى الهيمنة الغربية. هذه هي الصين التي زارها ترمب عام 2026، وهي تختلف جذريا عن الصين التي انفتح عليها نيكسون في سبعينيات القرن الماضي.

ترمب في بكين

وصل ترمب في مايو/أيار إلى الصين في زيارته الثانية، التي اختلفت من حيث الشكل قبل المضمون عن زيارته الأولى. فقد جاءت الزيارة الثانية أقل بهرجة واحتفالية من الأولى، التي استقبلته فيها الصين بحفاوة كبيرة. وقد خرجت العلاقة الأمريكية الصينية فعليا من دائرة البحث عن شراكة، إلى موقع تنظيم الصراع، كما خرجت من دائرة الفرحة الصينية بالقبول الغربي إلى دائرة التنافس الجاد، وأحيانا الخشن.

أمام حجم القوة التي يمتلكها الطرفان، والتداخل العميق بين اقتصاديْهما في الإنتاج والاستهلاك وسلاسل الإمداد، لا يرغب أي منهما في الانزلاق إلى صدام، لما قد يترتب عليه من كلفة باهظة، ومن نتائج يصعب التنبؤ بها. ولذلك، أصبح خيار تنظيم الصراع هو الخيار الأكثر واقعية، لا سيما في ملفات الاحتكاك الرئيسية، مثل التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والمعادن الحرجة، وكذلك ملف تايوان والنفوذ في آسيا، وموقع الصين في الشرق الأوسط في ظل الحرب مع إيران.

"خرجت العلاقة الأمريكية الصينية فعليا من دائرة البحث عن شراكة، إلى موقع تنظيم الصراع"

أراد ترمب من الزيارة تحقيق إنجازات اقتصادية قابلة للتسويق قبل انتخابات التجديد النصفي، بدءا من زيادة مشتريات الصين من الطائرات والمنتجات الزراعية الأمريكية، وصولا إلى تخفيف القيود أمام الشركات الأمريكية، والبحث في ترتيبات تجارية جديدة تقلص العجز التجاري الذي يشكل هاجسا له منذ ولايته الأولى. كما سعى إلى الحصول على تعاون صيني في ملف الحرب على إيران، انسجاما مع أسلوبه القائم على العلاقات الشخصية والقنوات المباشرة والحلول السريعة، عوضا عن المسارات المؤسسية والبيروقراطية.

وبالفعل، أعلن البيت الأبيض عقب الزيارة أن الصين ستشتري بما لا يقل عن 17 مليار دولار سنويا منتجات زراعية أمريكية في الفترة بين عامي 2026 و2028، إضافة إلى التزامات سابقة مرتبطة بفول الصويا. كما تحدثت واشنطن عن تحسين فرص دخول لحوم البقر والدواجن الأمريكية إلى السوق الصينية. غير أن بكين وصفت هذه التفاهمات بأنها أولية وستستكمل في مراحل لاحقة، ما يعني أن ترمب حصل على عنوان سياسي واقتصادي قابل للتسويق، لكنه لم يحصل بالضرورة على اتفاق نهائي مكتمل البنود. وفي السياق ذاته، أعلن ترمب أن الصين وافقت على شراء 200 طائرة من شركة بوينغ، رغم أن التوقعات كانت تشير إلى صفقة أكبر، ودون الإعلان عن تفاصيل كافية بشأنها.

مصدر الصورة أسهم بوينغ تراجعت في ظل خيبة أمل بشأن اتفاق أكبر مع الصين (الفرنسية)

أما أبرز ما رُوِّج له أمريكيا، فتمثل في الاتفاق على إنشاء أو تفعيل أطر للحوار التجاري والاستثماري، والبحث في خفض الرسوم على سلع محددة، ومعالجة بعض العوائق غير الجمركية. وبعبارة أخرى، لم تفضِ الزيارة إلى حلول نهائية للخلافات القائمة، بقدر ما أرست مسارا تفاوضيا لإدارتها. أما الملف الأكثر سخونة، وهو الحرب على إيران، فلم يحصل ترمب فيه على دعم صيني ملموس لإنهائها، رغم شكره شي على الحياد أثناء الحرب.

في المقابل، لا تزال الصين بحاجة إلى الولايات المتحدة في عدد من المجالات الحيوية، وعلى رأسها الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدما، ومعدات تصنيعها الدقيقة، ورقائق الذكاء الاصطناعي، وبرمجيات تصميم الرقائق. ولذلك، تخشى بكين من استمرار القيود الأمريكية في هذه القطاعات، لما لها من تأثير في عدد كبير من الصناعات الصينية. فلا تزال الولايات المتحدة تمتلك القدرة على قيادة تحالف تكنولوجي غربي يفرض قيودا على وصول الصين إلى التقنيات المتطورة. وينطبق الأمر ذاته على مجالات أخرى، مثل التمويل وسلاسل الإمداد العالمية، التي لا تزال الصين بحاجة إلى قدر من الاستقرار فيها.

"مصلحة بكين في هذه المرحلة تتمثل في كسب الوقت، والحفاظ على استقرار النظام القائم"

ومن ثم، فإن مصلحة بكين في هذه المرحلة تتمثل في كسب الوقت، والحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي القائم، مع تحقيق اختراقات في مجالات محددة. وعمليا، حققت الصين هذا الهدف في قمة انتهت من دون انفجار، أو إهانة متبادلة، أو تصعيد كبير، أو تنازلات جوهرية. أما المكسب الرمزي الأبرز الذي خرجت به الصين، فتمثل في تكريس الاعتراف الأمريكي بمكانتها بوصفها قوة عالمية لا يمكن تجاوزها، وبأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الانفراد بإدارة النظام الدولي. وتجسد ذلك في طبيعة الاستقبال، وفي الثقة التي ظهر بها شي في تعامله مع ترمب، كما تجلى في خطاب ترمب الذي بدا أكثر قبولا بالواقع الجديد للصين، سواء في لهجته العامة أو في بعض الإشارات المتعلقة بملف تايوان.

موازين القوى الجديدة

يمكن القول إن زيارة الرئيس ترمب قبل أسابيع إلى بكين أبرزت ميزان القوى الجديد في العالم، مثلما أبرزت زيارة نيكسون ميزان القوى في مطلع سبعينيات القرن الماضي. فما تزال الولايات المتحدة القوة الأولى عالميا، بما تمتلكه من نفوذ سياسي ومالي، فضلا عن ريادتها في التقنيات والصناعات المتطورة، سواء داخل حدودها أو عبر شبكة حلفائها وشركائها. وفي المقابل، أصبح من المسلم به أن الصين أصبحت قطبا عالميا منافسا. ومع ذلك، تدرك بكين أن أولويتها في هذه المرحلة هي تثبيت الاستقرار وكسب الوقت الذي يميل لصالحها، في وقت تغرق فيه الولايات المتحدة في حروب متعددة وأزمات متلاحقة حتى مع حلفائها، وداخل النظام الذي رعته.

إذا كانت زيارة نيكسون قد عززت الموقع الإستراتيجي للولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفياتي، فإن زيارة ترمب ثبتت الأقدام الصينية. أما على مستوى الشرق الأوسط، فتشير المعطيات إلى أن الصين لا تبدو مستعدة للانصياع للرؤية الأمريكية، رغم أنها ليست راغبة في دخول مواجهة دفاعا عن شركائها.

يوما ما، أسهمت زيارة نيكسون في صناعة ميزان قوى جديد منح الولايات المتحدة أفضلية إستراتيجية، وفتح الباب أمام صعود الصين الطويل والتدريجي. أما ترمب فيتعامل اليوم مع واقع تنتقل فيه واشنطن إلى مرحلة إدارة التعايش مع صعود الصين، الذي بات أمرا واقعا لا سبيل إلى تجاهله أو تجاوزه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا