في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- "لم أشعر بالخطر بل كنت أدرك أن الموت يهددني بشكل مباشر"، بهذه الكلمات وصفت مراسلة قناة الجزيرة الإنجليزية، هند الخضري، تغطيتها حرب الإبادة على غزة، مشيرة إلى أن ذلك الشعور لم يختلف حتى الآن.
وتصف هند تجربتها كامرأة بأنها جزء أساسي من العمل الصحفي في القطاع، فـ"الصحفيات يضفن نكهة مختلفة للتغطية في غزة" بحسب رأيها.
ويفتح حلول الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الصحفية مريم أبو دقة جرح صحفيات القطاع، اللواتي دفعن أثمانا باهظة في الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أسوة بالصحفيين الذكور.
وعملت الشهيدة مريم صحفية ومصورة حرة مع "أسوشيتد برس" و"إندبندنت عربية"، واستُشهدت في قصف إسرائيلي في 25 أغسطس/آب 2025 تاركة طفلها "غيث".
تضيف هند الخضري، في حديثها للجزيرة نت، "لدي انحياز كبير للفتيات العاملات بالصحافة، ولا أجد أفضل منهن في محاورة السيدات اللواتي لا يجدن حواجز في الحديث معنا، كما أننا نجيد كتابة القصة بشكل أجمل".
بدأ شغف هند بالعمل الصحفي عام 2017، وتطور أكثر خلال الحرب. وتقول إن الإبادة الجماعية لم تمهلها لتستوعب ما يحدث حولها وتتأثر به في محاولة للتجاور والاستمرار. ورغم أنها فقدت الكثير وراودتها فكرة التوقف عن التغطية مرارا، إلا أنها استمرت.
لم تفقد هند أفرادا من عائلتها وأصدقائها فحسب، بل فقدت أمتعتها الشخصية وملابسها الصحفية ومكتبها. وتوضح أنه كان من الصعب على الصحفيات الحضور في الميدان بين الشباب، خاصة أن الحرب دمرت كل شيء؛ حتى إن انعدام الخصوصية وقضاء الحاجة باتا مشكلة يومية.
وتؤكد هند أن الوقوف أمام الشاشة لا يقتصر على دقائق لنقل الخبر، بل هو محاولة للظهور بشكل قوي أمام العالم لنقل الحقائق المؤلمة، بينما لا تفارقها رائحة الشهداء، ومشاهد الوداع الحزينة، وصرخات الأمهات والأطفال، مع ضرورة كتمان ذلك للظهور بثبات وقوة.
خسرت هند حياتها الزوجية نتيجة اختيارها استمرار تغطية الإبادة الجماعية، حيث طُلب منها مغادرة غزة في بداية الحرب لكنها فضلت رسالتها الصحفية، ما أدى إلى انفصالها عن زوجها.
ولم تكن لحظات الخوف والخطر عابرة بل كانت واقعا يوميا مستمرا، إذ لا يوجد بيت يعودون إليه للنوم، وفق الصحفية الفلسطينية. وتستذكر هند كيف كانت تستيقظ بعد ساعات نوم قليلة جدا وهي تشعر بإنهاك شديد يمنعها من النهوض، لكن حديث النفس كان يحثها "الكثير من الناس في الميدان يقولون لي: أخبريهم عنا.. قولي ما نعيشه. هذه مسؤولية كبيرة، ولا بديل عني للتغطية، ولهذا أستمر".
وتصف هند لحظة استشهاد زميلتها الصحفية مريم أبو دقة بـ"الصاعقة"، مشيرة إلى أنها كانت أشبه بـ"الملاك" على الأرض، وأبكاها فراقها كثيرا، لافتة إلى أنها هي من أذاعت خبر استشهاد مريم وزملاء آخرين عبر الجزيرة الإنجليزية حينها.
أما مرام حميد، التي تعمل لموقع "الجزيرة الإنجليزية"، فلا تجد مجالا للمقارنة بين مسيرتها المهنية على مدار 15 عاما وسنوات تغطية الحرب الحالية.
تقول مرام للجزيرة نت: "نركض من مكان إلى آخر محاولين النجاة ولا نعلم إلى متى سننجو"، مضيفة أنها تعمل في الميدان وسط ظروف قاسية كالتنقل مشيا لغياب المواصلات، وانقطاع الإنترنت، فضلا عن أن تغطية القصص تتطلب قوة عاطفية متماسكة.
وعن التوفيق بين كونها أُمًّا وعملها الصحفي تقول: "بدأت الحرب وطفلي الأصغر بعمر الشهرين وكنت مرضعة، وتنقلت من بيت إلى آخر باحثة عن الأمان المفقود، وأنا أفكر بمسؤولياتي كأم وكصحفية. هذه الضغوط النفسية المتتالية تجعلنا نفكر بالاستسلام، لكن صوتا بداخلنا يرفض ذلك ويجبرنا على الاستمرار".
وتصف مرام لحظة فقدها والدتها المريضة خلال الحرب بأنها كانت قاسية، مؤكدة أنها لم تأخذ حقها في الحزن ولم تتلقَّ التعازي بسبب استمرار النزوح والقصف.
وتقول: "فقدت والدتي في 7 مايو/أيار 2024، بالتزامن مع النزوح من رفح وبدء العملية العسكرية هناك. كان الناس يركضون في الشوارع، وفي تلك الأيام الدموية لم أستطع الحزن أو التعبير عن فقدي بسبب ظروف العمل. كنت أتمنى أن تنجو أمي، لكنها بعد سفرها للعلاج في الخارج لم تنجُ من الموت، وفقدها مؤلم لا يُنسى".
ثلاث سنوات من الحرب المستمرة جعلت مرام تشعر أن الصحفيات في غزة لا وقت لديهن للراحة، فالعالم في الخارج يمارس حياته ولديه إجازات، بينما الصحفيون في غزة مستمرون ولا يتوقفون ولا توجد لديهم فرصة للتفكير بالمستقبل والتخطيط.
وعن استشهاد زميلتها مريم أبو دقة، تقول مرام إن أحدا لا ينسى اللحظة، مضيفة أن فقدها وفقد باقي الزملاء الصحفيين زادا شعورها بأن الصحفيين في غزة مستهدفون.
أما يسرى العكلوك، مراسلة موقع الجزيرة نت، فهي زوجة شهيد وأم لـ3 أطفال، وتعتبر الصحافة جزءا كبيرا من حياتها؛ ورغم أنها توقفت 5 سنوات في بداية مشوارها، عادت بشغف مؤمنة بأن "الصحافة في غزة رسالة".
تضيف يسرى "كانت تلك السنوات الخمس فرصة لصنع ذكريات جميلة مع زوجي أسامة الزبدة وأطفالي كعائلة واحدة، قبل استشهاده في حرب عام 2021".
عاشت يسرى تحديات كبيرة خوفا على أطفالها: "كان الاستهداف العشوائي مرعبا، والأسوأ هي مرحلة المجاعة حيث كنت أحاول توفير الطعام لأطفالي رغم الغلاء وندرة البضائع".
اختارت يسرى البقاء في بيتها بمنطقة الرمال وسط مدينة غزة "وهذا قرار صعب فيه مخاطر واحتمالات الاستهداف مرتفعة" وشاركها في التغطية عدد قليل من الصحفيين، من بينهم الشهيد أنس الشريف.
تهتم يسرى بالقصص الإنسانية وروايتها، وكانت تسير أحيانا ساعات على الأقدام في الشمال لنقل قصص المواطنين وإيصالها للعالم.
حاولت يسرى وضع فاصل بين المشاهد المؤلمة خارج البيت وبين دورها كأم تواسي أطفالها وتحضنهم أثناء القصف، وكان مُهما ألا تفقدها الحرب إنسانيتها، وحرصت على ألا يفقد أطفالها الشعور بمحيطهم.
تقول: "رفضت التغطية الميدانية المباشرة بين مشاهد الجرحى والشهداء كيلا تصاب مشاعري بالتبلد مع تكرار الصور، وفضلت انتقاء القصص وروايتها بدلا من الوجود ميدانيا رغم العروض الكثيرة التي رفضتها لهذا السبب".
ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار اقترب من نهاية عامه الأول، تؤكد الصحفيات الثلاث أن الواقع ما زال قاسيا وصعبا على الصحفيين.
ووفق نقابة الصحفيين الفلسطينيين استُشهد 265 صحفيا خلال الحرب في قطاع غزة، بينهم 27 صحفية، إضافة إلى إصابة نحو 500، واعتقال أكثر من 34.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة