آخر الأخبار

عقوبات وتهديد.. لماذا أصبحت الجنائية الدولية في مرمى واشنطن؟

شارك
في مرمى الولايات المتحدة: المحكمة الجنائية الدولية في لاهايصورة من: Peter Dejong/AP Photo/dpa/picture alliance

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتحدث بغضب: إن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة "فاسدة ومسيّسة بشكل كارثي" وتقوم "بإساءة استخدام صلاحياتها بشكل خبيث وتجاوز ولايتها".

وأعلن فرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، توموكو أكاني والمدعي العام للمحكمة عبدولاي سيي من السنغال. وتؤدي العقوبات المعلنة إلى تجميد الأصول المحتملة للأشخاص المعنيين في الولايات المتحدة واستبعادهم إلى حد كبير من النظام المالي الأمريكي.

وتقوم المحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2002 بمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب بشكل فردي. ويقع مقر المحكمة في لاهاي تماما مثل محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة .

صعّد لهجته تجاه المحكمة الجنائية الدولية بشكل واضح مرة أخرى: وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيوصورة من: Eric Lee/REUTERS

وتتولى هذه المحكمة تسوية النزاعات بين الدول. ولا تضم المحكمة جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة، بل تقتصر عضويتها على 125 دولة انضمت إليها بشكل فعلي وبالإضافة إلى الولايات المتحدة و روسيا و الصين تغيب عن عضويتها بشكل خاص بعض الدول الآسيوية والشمال أفريقية.

حظر الدخول والعقوبات

وكان روبيو قد هدد مؤخرا بتفكيك المحكمة الجنائية الدولية "لبنة لبنة". وقد أوردت وزارته في بيان قائمة بالأدوات التي تدرس الولايات المتحدة استخدامها في حملتها ضد المحكمة: من بين أمور أخرى يمكن للولايات المتحدة فرض حظر دخول على موظفي المحكمة الجنائية الدولية أو تشديد العقوبات على المحكمة والمنظمات التابعة لها وقد تم ذلك بالفعل من خلال العقوبات المفروضة على أكاني وسيي.

كما تمت مناقشة التدقيق بشكل أكبر في تلك الدول التي ترفض رفض السلطة الزائفة للمحكمة الجنائية الدولية وفي الوقت نفسه تلجأ إلى المساعدات الأمريكية.

الولايات المتحدة تزيد الضغط على لاهاي

"لقد كشفت الولايات المتحدة وماركو روبيو الآن في الأساس عن أمر كان يجري بالفعل منذ أكثرمن عام ألا وهو أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطا دبلوماسية على الدول الأخرى بوسائل متنوعة من أجل تغيير مواقفها وأحيانا سلوكها التصويتي تجاه المحكمة الجنائية الدولية"، هكذا يرى أندرياس شولر، المدير المشارك لبرنامج الجرائم الدولية والمسؤولية القانونية في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية و حقوق الإنسان في برلين. وقد أجرت قناة DW مقابلة معه عقب أول انتقاد مبدئي وجهه روبيو للمحكمة الجنائية الدولية .

خاضعة لعقوبات أمريكية: القاضية في المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكانيصورة من: Eva Plevier/ANP/AFP

"كون الأمر يُعلن الآن على أنه حملة فهذا يظهر بالطبع مرة أخرى أنه يتم التفكير فيه بشكل استراتيجي وأنه يتم توسيع نطاقه وأن دولا أخرى ليست أعضاءً في المحكمة الجنائية الدولية أيضا يتم إشراكها في هذا المسار لممارسة الضغط هي الأخرى"، قال شولر في مقابلة مع DW.

محكمة لا يُفترض أن يفلت منها أي مجرم

الولايات المتحدة ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية وبالتالي لا يمكن النظر في الجرائم المرتكبة على أراضيها في لاهاي. وعلى العكس من ذلك فإن المحكمة الجنائية الدولية مختصة أيضا عندما يُتهم شخص ما بارتكاب فظائع في إحدى الدول الأعضاء وعلى هذا الأساس تم على سبيل المثال إصدار أوامر اعتقال ضد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو .

يمكن تفسير وجود المحكمة الجنائية الدولية من خلال الدروس المستفادة من التاريخ: فبعد الحرب العالمية الثانية شكلت محاكمات نورنبرغ ضد بعض أعضاء القيادة النازية إن جاز التعبير نقطة انطلاق القانون الجنائي الدولي. وعندما عُقدت محاكم جرائم الحرب في التسعينيات بعد حرب يوغوسلافيا والإبادة الجماعية في رواندا لقيت الدعوة إلى إنشاء مؤسسة دائمة صدىً واسعا.

من وجهة نظر كاي أمبوس، أستاذ القانون الدولي بجامعة غوتنغن فإن الأمر يتعلق بـ"المسألة الأساسية المتعلقة بتحمل المسؤولية" سواء في أوكرانيا أو إيران أو قطاع غزة . "لا يمكن أن تُرتكب جرائم خطيرة كهذه أياً كان النزاع ويبقى المسؤولون الرئيسيون عنها وهم في المقام الأول رؤساء الحكومات وغيرهم من الشخصيات القيادية دون عقاب. لا يحدث أي شيء ببساطة. وهذا أمر غير مقبول بالنسبة للضحايا بل وفي الواقع بالنسبة لنا جميعا أيضا"، كما يقول أمبوس في حوار مع DW.

بداية القانون الجنائي الدولي: هيرمان غورينغ، رودولف هيس، يواخيم فون ريبنتروب والمارشال فيلهلم كيتل على منصة المتهمين في نورنبرغصورة من: Judaica-Sammlung Richter/picture alliance

هل يجب أن يمثل المواطنون الأمريكيون أمام المحكمة؟

في خطاب مصور قصير ألقاه في منتصف يوليو/ تموز الماضي أوضح ماركو روبيو أن المحكمة تشكل تهديدا للنظام القانوني الأمريكي برمته: "ضباط حرس الحدود الذين يطردون المجرمين العنيفين من بلدنا. جنود مشاة البحرية الأمريكية الذين يخاطرون بحياتهم للدفاع عن بلدنا. إذا بقينا مكتوفي الأيدي فسيكونون جميعا رهن رحمة قضاة أجانب على بعد آلاف الأميال"، على حد قول وزير الخارجية الأمريكي.

لا توجد أي قضية معلقة أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد مواطنين أمريكيين. تحدث تصرفات ضباط حرس الحدود التابعين لوكالة ICE في الغالب داخل الولايات المتحدة ولا تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بالاختصاص القضائي هناك. أما الحال فمختلف بالنسبة لـعمليات القتل المستهدفة لمهربي المخدرات المزعومين في منطقة بحر الكاريبي: فقد وصف المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو هذه العمليات في نوفمبر الماضي بأنها جريمة محتملة ضد الإنسانية.

كيف يمكن للمحكمة أن تقاوم هذه الضغوط؟

يخشى خبير القانون الدولي كاي أمبوس من أن يتفاقم ما يُعرف بـ"التأثير المثبط" أي أن يتصرف المدعون العامون في المحكمة الجنائية الدولية على سبيل المثال بمزيد من التساهل تجاه المشتبه بهم الأمريكيين.

ولدينا مشكلة "الامتثال المفرط" فيما يتعلق بالعقوبات أي أن الشركات خارج الولايات المتحدة تقول أيضا: لن نتعاون مع هذه المؤسسة بعد الآن، لأن ذلك يعرض أعمالنا في الولايات المتحدة للخطر".

وقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بالفعل في العام الماضي سلسلة كاملة من العقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية وبعض القضاة. وعقب ذلك سعت المحكمة إلى تعزيز استقلاليتها عن الولايات المتحدة واستبدلت على سبيل المثال تطبيقات أوفيس من مايكروسوفت بمنتج ألماني مفتوح المصدر.

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في أواخر عام 2024 أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك غالانت في سياق حرب غزة ولهذا السبب انتقدت إدارة ترامب المحكمة الجنائية الدولية مرارا بشدةصورة من: Ronen Zvulun/AP Photo/picture alliance

يرى شولر، الخبير في المركز الأوروبي لحقوق الإنسان، أن هناك العديد من الفرص الصغيرة المتاحة للدول الأعضاء لتقديم الدعم. "إذا اتحدت القوى المتوسطة والدول الصغيرة في مواجهة الولايات المتحدة وتشكلت كركيزة داعمة للمؤسسات الدولية ووقفت في وجهها فهذا هو الأهم".

وهكذا أيد الاتحاد الأوروبي المحكمة الجنائية الدولية مباشرة بعد تهديدات روبيو. كما سارع وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول إلى دعم المحكمة التي تجعل العالم "أكثر أمانا وعدالة".

وبالمناسبة كان مجلس الشيوخ الأمريكي أيضا على نفس الرأي في عام 2022 في ضوء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. ففي قرار صدر عن مجلس الشيوخ تم الإشادة بالمحكمة الجنائية الدولية باعتبارها "محكمة دولية تسعى إلى الحفاظ على سيادة القانون " كما تم الترحيب بالتحقيقات ضد روسيا .

وكان من بين المشاركين في تقديم النص الذي قدمه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي توفي مؤخرا وزير الخارجية الأمريكي الحالي ماركو روبيو.

أعده للعربية: م.أ.م

تحرير: عماد غانم

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا سوريا اسرائيل روسيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا