آخر الأخبار

“الهبد” ملأ الفضاء.. لماذا لم يعد أحد يصدق المحللين؟

شارك

ينجذب الكثيرون للحديث بالشأن العام، فهو يعد مادة خام للنقاشات والتحليلات وإبداء الآراء المختلطة، وأحيانا ممارسة الهوايات.

لذلك، تتنوع طريقة فهم ورواية وتفسير الظواهر السياسية المختلفة كالحرب، والسلم، وصعود اليمين الشعبوي، والعزوف عن المشاركة السياسية أو كثافتها في مكان وغير ذلك الكثير.

ويكمن التنوع في تباين واختلاف عدسات وكفاءة المحللين، فإذا كانت الأدوار المنوطة بالمحلل السياسي هي فهم وتفسير الظاهرة السياسية، ومحاولة التنبؤ بمساراتها المستقبلية، من خلال تفكيك عناصرها وإرجاعها لأصولها النظرية وربطها بسياقات مؤثرة، فإن القيام بذلك بشكل مقبول، يتطلب، على الأقل، قدرا من الإحاطة بكينونة تلك العناصر ودورها، ومدى تأثرها بعوامل ذاتية وموضوعية متغيرة، وهذا ما يميز التحليل السياسي عن التنجيم السياسي بالمعنى المجازي.

تساعد المنهجية الصحيحة، الساعية لفهم الظاهرة السياسية، في تقليص هامش الخطأ أو المحاباة لدرجة كبيرة، لأن الباحث يكون هنا مقيدا من الناحية الأخلاقية والمنهجية في اتباع خطوات محددة للوصول إلى فهم وتفسير واستنتاجات وتقديم توصيات، حيث اختُبر المنهج مرات عدة لدرجة الثقة بمصداقيته وموثوقيته وصلاحيته

لعل الثابت في وهن التحليل هو محاولة اكتساب المصداقية والتفرد؛ عن طريق الاعتقاد أن منهجاً أو إطارا معينا، بشكل جزئي، هو فقط الذي يصلح للقيام بذلك؛ لأسباب تفضيلية لدى الباحث، مؤطرة بسياق من الثقة بمهاراته أو قدراته غير المنهجية.

كما يضاف لذلك، أن الجزم والقطع بصيرورة الظاهرة نحو شكل أو مرحلة ما، أو ديمومتها أو تلاشيها، يقينا، يسهم في زيادة وهن التحليل، والشك بالنتائج.

وهنا، ربما يكمن الارتباك حول تناول التحليل السياسي الجزئي فقط، بوصفه أداة فاعلة تسهم في زيادة الفهم حول الماضي والحاضر مع طغيان للهوى والرغبة، ونقص في القدرة على التنبؤ، أو التحليل السياسي المكتمل، ذلك الذي يؤدي دوره بعلمية أكبر، ويضيف إليها محاولات التنبؤ بمستقبل مسار الظاهرة قيد التحليل.

إعلان

لكليهما، يسعى هذا المقال للاشتباك السلمي، ومحاولة التأشير على مكمن قصور التحليلات السياسية أحيانا في فهم الظاهرة السياسية وتفكيكها وتفسيرها واحتمالات مستقبلها.

أساس المشكلة: نزاع التحليل والتنجيم

بين اتباع المنهجية، والوثوق بالخبرة وصواب التنبؤ أحيانا، يكمن الفارق بين التحليل والتنجيم من حيث الأساس البنيوي والإجرائي.

تساعد المنهجية الصحيحة، الساعية لفهم الظاهرة السياسية، في تقليص هامش الخطأ أو المحاباة لدرجة كبيرة، لأن الباحث يكون هنا مقيدا من الناحية الأخلاقية والمنهجية في اتباع خطوات محددة للوصول إلى فهم وتفسير واستنتاجات وتقديم توصيات، حيث اختُبر المنهج مرات عدة لدرجة الثقة بمصداقيته وموثوقيته وصلاحيته.

وبشكل أكثر تحديدا، فإن الظاهرة السياسية، تبعا لطبيعتها والرغبة في دراسة جانب محدد منها، يمكن إخضاعها للمناهج النوعية أو الكمية، أو كلاهما معا، وهذا يكثف التركيز التحليلي ويمنعه من التشتت والدخول في غياهب التحليل التأويلية غير المرغوب العمل فيها أو الاعتماد عليها، على الأقل مرحليا.

على سبيل المثال، لو أخذنا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كظاهرة سياسية جديدة أو متحولة، وأردنا فهمها، فلا شك، بأننا معنيون بفهم السياق السياسي والتاريخي والاقتصادي والأمني في المجتمع الدولي، بكافة مستوياته، الذي أنتج هذه الظاهرة بهذا الشكل، أو أسهم في تحول شكلها من مواجهات غير مباشرة إلى مواجهة مباشرة.

كما نحتاج لفهم دوافع وثقل الفواعل المباشرة (إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل) ، وغير المباشرة (المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة، والدول الكبرى، ودول المنطقة)، وسنحتاج أيضا لفهم حجم تأثير تبعات الظاهرة على المستويات الثلاث.

في التنجيم السياسي، يطغى الرأي على التحليل السياسي، وتصعد "التأكيدية" على حساب الاحتمالية، وتفشل النتيجة في قراءة الواقع مقابل المنطقية، وتظهر العشوائية مقابل التسلسلية، وأخيرا تغيب المصداقية مقابل التعميمية

ولا بد أيضا من الأخذ في الاعتبار طبيعة تعامل القيادة السياسية مع مراكز التفكير، بمعنى هل يأخذون باستنتاجاتها ومخرجاتها الموضوعية، أم أن الاعتماد فقط يكون أساسا على إيمانهم برجاحة قراراتهم وعلى الخطط العسكرية الميدانية.

في المقابل يخلط التنجيم السياسي بين توليفة من المنهجية المجتزئة، والكثير من الثقة المطلقة بالاستناد على الخبرة والبصيرة و"التحزير". فربما تحضر بعض من عناصر المنهج في المراحل الأولى لعملية التحليل، لكن يغيب بعضها الآخر في المراحل المتقدمة.

في التنجيم السياسي، يطغى الرأي على التحليل السياسي، وتصعد "التأكيدية" على حساب الاحتمالية، وتفشل النتيجة في قراءة الواقع مقابل المنطقية، وتظهر العشوائية مقابل التسلسلية، وأخيرا تغيب المصداقية مقابل التعميمية.

كما قد ينساب فرط من التفاؤل أو التشاؤم بدون أساس نظري أو منهجي يبرز أو يبرر كل ذلك، أو بعضه. ولا يمكن أيضا استبعاد الذاتية في شكل التحيز، فالبعض يحاول إظهار نتائج تتسق مع رغباته أو مع مصالح فواعل معينة في الظاهرة معني بها لارتباطات جغرافية أو سياسية أو غيرها.

معضلة ديناميكية الظاهرة السياسية

وهنا، يمكن محاولة التعرف على الكيفية التي يمكن للظاهرة الجديدة أو المتحولة أن تتحول إلى معضلة خلال مهمة التحليل؟ بمعنى، كيف يمكن لعناصر ظاهرة معينة أن تتحول ميدانيا، وتتنقل أكاديميا بين مراحل التحليل بطريقة مربكة، تضر بحالة الإتساق وتغييب الانسياب المعقول والمنطقي للأحداث داخل بنية التحليل.

إعلان

قد يكون هذا تحديا للمحلل البارع، فما بالك بالمنجم السياسي، الذي يتعامل مع هذه الديناميكية باعتبارها مرحلة طبيعية تفتقد للتأثير الفاعل في مجريات الظاهرة التي خط طريقها منذ البدء، وبالتالي ينعكس هذا على جودة التحليل.

هنا يمكن أن نجد أنفسنا مع نتيجتين متشابهتين ظاهريا ومختلفين بنيويا من حيث المقدمات والأسباب؛ نتجت إحداهما منطقيا وأكاديميا، ووفقا للتغيرات التي طرأت على بعض العناصر، ونتجت الأخرى وفق تمني أو قناعة مسبقة، ووفق ثوابت لعناصر شهد بعضها تحولا في الواقع ولم تأخذ حقها في التحليل أو التنجيم.

في مثالنا السابق حول الحرب في المنطقة، حدثت تحولات في عناصر الظاهرة جعلت من عملية التحليل والتنبؤ بمستقبل الظاهرة تحديا يضع مصداقية التحليلات السياسية على المحك، وذلك لتباين أدوات التحليل من جهة، ولقناعات الباحثين ومدى توظيفهم للتحول، من جهة أخرى.

يمكن القول إن تلك الظاهرة التي بدأت ملامحها تأخذ شكل الحرب المباشرة منذ يونيو/حزيران 2025، لم تكن وليدة اللحظة، بل تعرضت لسلسلة من التطور والتحول من ظاهرة التنافس الحاد بين الفاعلين السياسيين على الهيمنة، ثم امتدت إلى مواجهات غير مباشرة تمت بالوكالة، واستهدافات السفن، والاغتيالات وغيرها، وهذا مهد للعمل العسكري المباشر، كما أنها مرت بحالة من التحول المستمر الذي شمل شكل المواجهة، وحجمها، وأهدافها.

لتقديم تفسير معقول، نحتاج لفهم من يقف خلف تحول الظاهرة السياسية، ولماذا تحولت، وما الأثر الناتج عن التحول، وما الفائدة من العودة للوضع الطبيعي، ومن تشمل؟

كما شملت تحولا في تقطع القتال، والجنوح للهدن ووقف القتال ومحاولة التفاهمات من خلال أكثر من وسيط، كالوساطة القطرية، كل ذلك على إيقاع مواقف رسمية وثابتة من فواعل غير مباشرة دوليا وإقليميا، والذين تبدل بعض من سلوكهم مرحليا.

ولتقديم تفسير معقول، نحتاج لفهم من يقف خلف تحول الظاهرة السياسية، ولماذا تحولت، وما الأثر الناتج عن التحول، وما الفائدة من العودة للوضع الطبيعي، ومن تشمل؟

تؤدي الهوية وتشكيل المصالح الوطنية أو محاولة إعادة تشكيلها، تبعا للواقع، دورا فاعلا في التأثير على سلوك الفاعلين المنخرطين على إحداث حالات تحول في الظاهرة، بشكل كلي أو جزئي، ولا يمكن أيضا إغفال دور الوسطاء المتغير، الذي يستند إلى موثوقيتهم، وثقلهم، وقدرتهم على التأثير على قرارات الفاعلين المنخرطين أو المتأهبين للانخراط.

تمثلت المصالح المعلنة للولايات المتحدة وإسرائيل في عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وحفظ أمن إسرائيل، ومحاربة النفوذ الإيراني في المنطقة، في حين تأتي المصالح الإيرانية، لتؤكد أحقية تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، وصون الأمن القومي الإيراني، وضمان عدم تكرار الاعتداءات الإسرائيلية والأمريكية مجددا على إيران، والأهم من ذلك، حسب وجهة النظر الإيرانية، هو الإشراف على إدارة الملاحة في مضيق هرمز.

هذه المصالح نسبية ولا يمكن مناقشتها ووضعها في صياغات وقوالب تحليلية ثابتة: فمن جهة، يمكن الحفاظ على المصالح العليا المطلقة، التي لا يمكن التنازل عنها، في حين يمكن إجراء تفاهمات حول ما دون ذلك ضمن عملية تفاوضية، في ظل توافر ظروف معينة، تضمن الحد الأدنى من الثقة والإيجابية، كالوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودور فاعل ومؤثر للوسطاء، ووجود ضمانات أممية لجميع الأطراف، وتغيير مقاربات واقعية لليبرالية أو بنائية كما يقول البعض.

ومن جهة أخرى، تؤدي الكلفة السياسية والأمنية والاقتصادية دورا لا يقل أهمية عن أخواتها في تحول الظاهرة، ولذلك، يمكن فهم تحولات المواقف الأمريكية والإيرانية بشكل أساسي ضمن تلك السياقات.

فالكلفة السياسية، على سبيل المثال، قد تضر الحزب الجمهوري وبذلك قد تزداد احتمالات محاسبة بعض من قياداته مستقبليا في ظل إدارة ديمقراطية، ويضاف لذلك، التأطير الأمريكي للتنافس الصيني الأمريكي وصورة الدولة العظمى، واحتمالية صعود توترات محتملة مع كوريا الشمالية، وهو ما يضيف كلفة أمنية واقتصادية أيضا.

إعلان

في المقابل، تكاد أن تكون الكلفة السياسية الداخلية على الجانب الإيراني مقبولة أو ضمن حدودها الطبيعية. فالنظام السياسي ما زال متماسكا، وممسكا بزمام الأمور، في حين زادت الكلفة السياسية الخارجية؛ عندما تآكلت ثقة دول المنطقة بإيران، وإن كان هناك توجه لإعادة بنائها، فهذا جيد، ولكن لن تكون المهمة سهلة، وهذا يشي بالكلفة الأمنية والاقتصادية على إيران، والتي كانت دون أدنى شك عالية مع الحصار البحري وحزمة العقوبات الاقتصادية الأخيرة.

لا بد من منهجة التحليل السياسي بعيدا عن التنجيم أو الرأي أو التحيز، لأن من شأن ذلك الإضرار بالواقع البحثي التحليلي كالإضرار بالواقع الميداني الذي ربما يبنى بعضه بالاستناد على مثل تلك النتائج

هذه الكلف وغيرها، قد يكون لها تماس على الفواعل غير المباشرة، وهو ما يدفعها باتجاه المساهمة في تحولات الظاهرة: من قتال مباشر إلى هدن ومذكرات تفاهم ثم عودة للحصار البحري على إيران، ثم القتال بوتيرة منخفضة.

هذه المجموعة من العناصر السياقية تمارس دورا في تحولات شكل الحرب الحالية، حيث لا بد أن تأخذ التحليلات بشكل أساسي تلك المتغيرات، كما تحتاج لاستحضار وفهم دور القيادة السياسية من منظور علم النفس والاجتماع والسياسة، لذلك، وعلى الجانب الآخر، قد يكون لهذا المخرج ما يعارضه في حالة اعتماد مواقف مسبقة، أو عناصر جامدة تأخذ ثوابت التحليلات دون محاولة فهم ظروف تحولها، وعدم تقديم تفسير ملائم حول كيفية إسهام هذا التحول بتشكيل فهم أشمل يساعد في إنتاج مخرجات موثوقة.

ما بعد التحليل: نتائج التفعيل والتعطيل

إلى حد كبير، تعتبر مرحلة "ما بعدية" التحليل أو التنجيم السياسي جزءا مهما منه، من حيث المصداقية أو غيابها، حيث تسهم بمسارين، الأول، في حال المصداقية، وتوظيف صناع القرار للنتائج والتوصيات في قراراتهم السياسية، فلا شك أن هذا ينشئ حالة من العقلانية في اتخاذ القرار؛ لأنه بني على أسس علمية ومنهجية تراعي مصالح الفاعلين باعتبار نظرية اللعبة في تفضيل معادلة رابح رابح، على رابح خاسر، مقابل التنظير الواقعي.

وبالمحصلة، سيكون احتمال الخطأ هامشيا ودرجة التسوية مرتفعة، كما ستفتح الباب أمام التعميم والثقة.

أما المسار الثاني، والمتمثل بغياب المصداقية، بمعنى غياب درجة كبيرة من الموضوعية والمنهجية في محاولة التحليل، فإن توظيف المخرجات التي تم الوصول إليها بخليط من العلمية والتنجيم، سينشئ أثرا سلبيا متعلقا بالواقع الميداني، منتجا ضررا سياسيا واقتصاديا وإستراتيجيا؛ لأنه بني على أسس غير علمية، مدفوعة بطغيان الأنانية والإمبريالية على حساب "التعايشية".

مثل هذه المحاولات اعتمدت على الخبرة والحدس بشكل أكبر من منهجية وموضوعية الواقع البحثي.

كما سينشئ ضررا فكريا يتصل بمدى موثوقية نتائج التحليل السياسي، وهذا قد يعطي ذريعة للسياسيين والقادة مستقبلا في عدم الاهتمام أو الوثوق بالتحليلات السياسية الرصينة في ظل الأزمات أو الصراعات الشاملة الأمر الذي ينتهي بذات المصداقية منها ترفا فكريا تستخدم للاستهلاك الأكاديمي وحده دون إحداث اختراق ينقلها للواقع الميداني.

لذلك، لا بد من منهجة التحليل السياسي بعيدا عن التنجيم أو الرأي أو التحيز، لأن من شأن ذلك الإضرار بالواقع البحثي التحليلي كالإضرار بالواقع الميداني الذي ربما يبنى بعضه بالاستناد على مثل تلك النتائج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل سوريا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا