آخر الأخبار

إقرار قانون ينظم مهنتهم.. هل ينهي المحامون في المغرب شلل المحاكم؟

شارك

الرباط- منذ 15 يونيو/حزيران الماضي، يخوض المحامون بالمغرب إضرابا مفتوحا عن العمل أفرز شللا في محاكم المملكة، ولم يكن هذا التصعيد الميداني وليد اللحظة بل جاء رد فعل على مسار تشريعي طويل ومثير للجدل رافق إعداد ومناقشة القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة.

وبينما تشبث أصحاب البذلة السوداء بمطالبهم المتعلقة بحماية المكتسبات التاريخية للمهنة وضمان استقلاليتها وإشراكهم في صياغة قانون ينظم مهنتهم ونظموا وقفات احتجاجية وطنية وجهوية وقاطعوا الجلسات والإجراءات لفترات متقطعة منذ يناير/كانون الثاني ثم لفترة متواصلة تجاوزت الشهرين، مضت المسطرة التشريعية قدما إلى أن بلغت نقطة الحسم يوم الخميس الماضي بطي صفحة النقاش البرلماني والمؤسساتي، ونشر القانون رسميا في الجريدة الرسمية معلنا بذلك دخوله حيز التنفيذ.

ويأتي نشر القانون في الجريدة الرسمية -وهي آخر خطوة في المسار التشريعي- بعد يومين من إعلان جمعية هيئات المحامين في 18 أغسطس/آب استمرار التوقف عن العمل وتمسكها بموقفها "الرافض لمسار إعداد قانون مهنة المحاماة"، مؤكدة أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بمضمون القانون، وإنما أيضا بطريقة إعداده وغياب "تشاركية حقيقية" في مناقشته.

مصدر الصورة مقر وزارة العدل المغربية في الرباط (الجزيرة)

محطة جديدة

وبمجرد نشره في الجريدة الرسمية، سارعت وزارة العدل إلى إصدار بيان اعتبرت فيه هذه الخطوة "محطة أساسية في مسار إصلاح منظومة العدالة"، وتعكس "الإرادة في مواصلة تحديث التشريعات المنظمة لمختلف مكونات هذه المنظومة"، مؤكدة حرصها على مواصلة العمل مع مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم هيئات المحامين.

ويتضمن القانون الجديد مواد تعيد هيكلة شروط ممارسة مهنة المحاماة وتنظم العلاقة بين المحامي وموكله وتعدل آليات التأديب، مع منح وزارة العدل صلاحيات أوسع، في المقابل يرفض المحامون بشدة بعض بنوده ويعتبرونها تمس باستقلالية مهنتهم وحصانة الدفاع، واستنكروا الانفراد بوضع القانون وتضمينه مواد تحد من صلاحيات مؤسساتهم المهنية دون إشراكهم.

إعلان

ويرى رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان عادل تشيكيطو أن نشر قانون تنظيم مهنة المحاماة ودخوله حيز التنفيذ لا ينهي الاعتراض عليه، إنما ينقل النقاش من معركة منع صدوره إلى اختبار دستوريته ومراقبة آثاره والعمل على تعديله.

وتأسف الحقوقي في حديث مع الجزيرة نت لكون المسار التشريعي كشف محدودية الحوار المؤسساتي، وعدم قدرة أشهر من الإضرابات والاحتجاجات والنقاش المهني على إحداث التغيير المنتظر في النص، مشيرا إلى أن الحكومة أظهرت انعزالها التام عن كل ما هو حقوقي وعن التشاركية كمبدأ من مبادئ الاختيار الديمقراطي.

مصدر الصورة وزير العدل عبد اللطيف وهبي يستبعد استمرار إضراب المحامين (وزارة العدل المغربية)

أبواب أخرى للتعديل

وخرج وزير العدل عبد اللطيف وهبي في الإعلام الحكومي للتعليق على دخول القانون حيز التنفيذ، واستبعد في لقاء مع القناة الثانية استمرار إضراب المحامين، مشيرا إلى أنهم "رجال قانون ويفهمون معنى صدور القانون في الجريدة الرسمية ومعنى أن جلالة الملك أمر بتنفيذه".

وتوقع الوزير إمكانية حل الأزمة في القريب العاجل، معتبرا أن هذا القانون سيكون موضوع نقاش قانوني سواء في الدعاوى أمام المحاكم أو عبر الطعون أمام المحكمة الدستورية، كما توقع إجراء تعديلات على القانون في المرحلة المقبلة، قائلا "سيأتي وزير جديد في الولاية المقبلة وربما يقوم بالتغييرات".

مصدر الصورة عزيز رويبح: المحامون سيتخذون القرار المناسب في أقرب وقت (الجزيرة)

من جهته، قال نقيب المحامين بالرباط عزيز رويبح إن نشر القانون في الجريدة الرسمية يفرض احترام المؤسسة التي أصدرت الأمر بتنفيذه، مشيرا إلى أن "الأمر بإصدار القانون من اختصاص جلالة الملك".

واعتبر في اتصال مع الجزيرة نت أن هذا المعطى يجعل المحامين يفكرون بنضج ومسؤولية لاتخاذ القرار المناسب في أقرب وقت.

ومع ذلك، أكد المتحدث أن هناك قناعة راسخة بأن العديد من مواد هذا القانون "غير دستورية وتضرب في العمق مكتسبات المهنة".

وأضاف رويبح أن المواجهة ستبقى متواصلة بصيغ نضالية مغايرة في ظل المشروعية واحترام القانون والدستور والمؤسسات، مشددا على أن المحامين لم يكونوا يوما "هواة نضال أو عدميين أو مغامرين أو مقامرين" بل إن حراكهم طيلة المسار التشريعي الذي مر منه القانون كان نابعا من المسؤولية والواجب والغيرة على مهنة المحاماة والعدالة ومن أجل "حصانة المهنة واستقلاليتها والتدبير الذاتي".

ولا يتفق المحامي بهيئة الدار البيضاء نجيب البقالي مع الدعوات الرامية إلى استمرار الإضراب أو المقاطعة أو العصيان، مبيّنا أن القانون بات "أمرا واقعا يتعين التعامل معه".

ودعا في حديث مع الجزيرة نت إلى استثمار السياق الحالي المتمثل في تنظيم الانتخابات البرلمانية الشهر المقبل لفتح نقاش جدي مع الأحزاب السياسية، لا سيما أحزاب المعارضة وبعض مكونات الأغلبية، وحثها على تضمين تعديلات على القانون الجديد للمحاماة ضمن برامجها الانتخابية.

وأضاف البقالي أن معركة المحامين ليست محددة في الزمان بل هي نضال مفتوح ومستمر، مؤكدا ضرورة الترافع المؤسساتي مع الحكومة التي ستفرزها انتخابات 23 سبتمبر/أيلول المقبل، والتواصل مع الرأي العام الوطني وهيئات الحوكمة في البلاد. ففي نظره "هذا النص القانوني لا أمل له أن يعيش طويلا وينظم المهنة لمدة طويلة لأنه صدر دون إشراك المعنيين به".

إعلان

بدوره، يرى الحقوقي عادل تشيكيطو أن تكرار الإضرابات وحده لم يعد كافيا، بل المطلوب إستراتيجية جديدة تتجلى في توثيق آثار تطبيق المواد المختلف بشأنها، واستثمار آلية الدفع بعدم الدستورية متى توافرت شروطها، والطعن في القرارات التطبيقية كلما كان ذلك ممكنا، وإعداد مقترحات تشريعية دقيقة لتعديل المواد موضوع الخلاف.

مصدر الصورة وقفة احتجاجية سابقة للمحامين أمام البرلمان احتجاجا على القانون المنظم لمهنة المحاماة (الجزيرة)

تداعيات إضراب المحامين

واحتجاجا على رفض تعديل مشروع قانون مهنتهم، استمر إضراب المحامين لمدة فاقت الشهرين مما أدى إلى شلل في المحاكم والإضرار بحقوق المتقاضين، وقد أسفر هذا الانقطاع الشامل عن تعطل الإجراءات الإدارية والقانونية، وتأجيل البت في مئات الملفات، فضلا عن حرمان الفئات الهشة من حقها في المساعدة القضائية والدفاع المجاني.

عبد الصمد الزكاري واحد من المتقاضين المتضررين الذين تواصلت معهم الجزيرة نت، إذ حكمت المحكمة لصالحه في ملف إفراغ منزل واستخلاص متأخرات الكراء وذلك بعد عام من التقاضي، لكن تعذر تنفيذ الحكم بسبب عدم استكمال الإجراءات نتيجة توقف المحامين عن العمل.

في هذا السياق، يقول رئيس الجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك محمد بنقدور إن غياب الدفاع عن الجلسات تسبب للمتقاضين في اضطرابات نفسية واجتماعية بسبب تأجيل ملفاتهم، معتبرا أن غياب المحامين عن الجلسات يُعد إخلالا بالتزاماتهم تجاه موكليهم.

ودعا بنقدور إلى إيجاد حل توافقي يضمن للمحامين حقهم في الاحتجاج والدفاع عن مهنتهم، ويحمي في الوقت ذاته حقوق الموكلين.

ولم يقتصر التأثير السلبي للإضراب على المتقاضين فحسب، بل امتد ليمس الاستقرار المادي للمحامين وخاصة أصحاب المكاتب الصغيرة بسبب انقطاع جزء مهم من مداخيلها طيلة فترة التوقف الشامل عن العمل.

وأكد المحامي بهيئة الدار البيضاء نجيب البقالي التداعيات القاسية للإضراب على فئة المحامين الشباب والجدد وأصحاب المكاتب الصغيرة لكون المحاماة مهنة حرة مبنية على الاشتغال اليومي، غير أنه أشاد بروح التضامن بين المهنيين، مشيرا إلى أن المؤسسات المهنية وعدد من مكاتب المحامين تحملوا مسؤولياتهم الاجتماعية وخصصوا دعما لتخفيف العبء عن المحامين.

وأوضح نقيب المحامين بالرباط عزيز رويبح أن الهيئة التي يرأسها فعّلت "نظام التكافل" الذي تم تطبيقه لأول مرة بمناسبة الإضراب ضد القانون المنظم للمحاماة.

وقال إن هذا النظام -الذي يقوم على اقتطاع نسبة معيَّنة من أتعاب المحامين وإدراجها في حساب خاص- يهدف إلى خلق توازن مادي لدى المحامين وتعميق الإحساس بالانتماء للمهنة، وتكريس التضامن حقا أساسيا في أوقات الأزمات.

وفي ظل المستجدات الحالية، ما زال إضراب المحامين مستمرا على أرض الواقع، ولم يصدر بعد أي قرار رسمي بشأنه من جمعية هيئات المحامين. ويترقب الجميع أن تعقد الجمعية -منتصف الأسبوع المقبل- اجتماعا استثنائيا لإعلان موقفها من دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، فهل ستعلن انتهاء الأزمة ووقف الإضراب أم ستكون بداية لمعركة جديدة بأدوات مختلفة؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل سوريا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا