في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدخل الانتخابات الرئاسية البرازيلية المقبلة مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في المشهد السياسي، ودعمه الواضح لمعسكر عائلة الرئيس السابق بولسونارو، في مواجهة الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.
وبينما يرى ترمب في عودة عائلة بولسونارو فرصة لتعزيز النفوذ الأمريكي في أكبر دول أمريكا اللاتينية، تحذر قراءات سياسية من أن هذا التدخل قد يأتي بنتيجة عكسية، ويمنح لولا ورقة قوية لتقديم نفسه مدافعا عن السيادة الوطنية في مواجهة التدخل الخارجي.
ويقول الخبير في السياسة البرازيلية أندريه باغلياريني في مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، إن الانتخابات البرازيلية ستظل محكومة بسؤال برازيلي قديم: من يتحدث باسم الأمة؟ ويرى أن ترمب، رغم اهتمامه المتزايد بالسياسة البرازيلية، لم يغير طبيعة الصراع الداخلي، وإنما منح اليمين واليسار ذخيرة جديدة في معركة أيديولوجية قديمة حول الوطنية والمصالح القومية.
وكان فلافيو قد قال إن نسخة بولسونارو الجديدة ستكون أفضل، في إشارة إلى ما يسميه أنصار ترمب مرحلة "ترمب 2.0". كما لفت الكاتب إلى أن ترمب أبدى اهتماما مباشرا بالانتخابات البرازيلية، وشارك عبر منصة "تروث سوشيال" مقالا وصف السباق الرئاسي المقبل بأنه اختبار رئيسي لمشروعه السياسي في الأمريكتين.
لكنّ المشكلة، بحسب تحليل نيويورك تايمز، أن القومية ليست اختراعا ترمبيا في البرازيل؛ فالدولة التي تمتلك مساحة هائلة وموارد طبيعية وسكانا يتجاوز عددهم 200 مليون نسمة، عانت طويلا من الفجوة بين إمكاناتها الكبيرة ومستوى الازدهار الذي تحقق فعليا. ومن هذه الفجوة نشأ سؤال قومي قديم حول أسباب تعثر البرازيل، ومن يملك القدرة على تحويل إمكاناتها إلى قوة وطنية حقيقية.
ويعود هذا الصراع إلى عقود؛ إذ تنافست في البرازيل رؤيتان واسعتان للقومية؛ الأولى ربطت التنمية بمعالجة عدم المساواة وتقليص نفوذ النخب والمصالح الأجنبية، بينما ربطت الثانية المصلحة الوطنية بالانضباط الاقتصادي والعلاقات الوثيقة مع واشنطن.
ومن هذا الإرث استمد جايير بولسونارو جزءا كبيرا من خطابه السياسي، عندما قدم نفسه وحركته باعتبارهما التعبير الحقيقي عن البرازيل، ووصف اليسار بأنه تهديد للبلاد.
ويرى باغلياريني أن فلافيو بولسونارو يكرر اليوم الأسلوب نفسه، لكنْ مع الاستعانة أكثر بواشنطن. فقد جعل الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة محورا رئيسيا لهجومه على حكومة لولا، وساعد، وفقا للمقال، في دفع واشنطن إلى تصنيف أكبر منظمتين إجراميتين في البرازيل على أنهما جماعتان إرهابيتان.
إذا بالغ ترمب في دعمه لبولسونارو، فقد يمنح لولا الفرصة لتقديم نفسه باعتباره المدافع عن استقلال القرار البرازيلي، وربما يصبح التدخل الأمريكي نفسه أحد العوامل التي تساعده على هزيمة خصمه
بيد أن هذا التعاون، وفقا للكاتب، يحمل كلفة سياسية، خصوصا عندما فرضت إدارة ترمب رسوما جمركية جديدة على السلع البرازيلية، إذ تمكن لولا من تقديم نفسه بوصفه المدافع عن السيادة البرازيلية في مواجهة الضغط الخارجي.
وتقدم نيوزويك قراءة أكثر مباشرة للمواجهة، إذ وصف ديفيد أفير المتخصص في الشؤون الدولية والدبلوماسية والقضايا المجتمعية بالمجلة، في تحليل له، محاولة فلافيو بأنها ليست مجرد حملة انتخابية، بل محاولة لإعادة والده إلى السلطة وإنقاذه من حكم بالسجن يبلغ 27 عاما، واستعادة نفوذ عائلة بولسونارو. ويشير أفير إلى أن فلافيو لديه فرصة فعلية، مستندا إلى استطلاعات حديثة وضعت السباق بينه وبين لولا ضمن نطاق متقارب للغاية.
وتتجاوز حسابات ترمب حدود الصراع العائلي. فبحسب نيوزويك، تسعى إدارة ترمب إلى توسيع ما تسميه "عقيدة مونرو"، أي توثيق تحالف واشنطن مع حكومات صديقة في نصف الكرة الغربي، ومواجهة الجريمة والهجرة ومنع منافسين من خارج المنطقة، وفي مقدمتهم الصين، من السيطرة على أصول إستراتيجية. وتكتسب البرازيل أهمية استثنائية في هذه الإستراتيجية بسبب حجم اقتصادها وثرواتها الطبيعية وموقعها السياسي.
وتبرز الصين في قلب الحسابات الأمريكية. فقد بلغت التجارة البرازيلية الصينية مستوى قياسيا، ووصلت في عام 2025 إلى نحو 171 مليار دولار، أي أكثر من ضعف حجم التجارة بين البرازيل والولايات المتحدة.
ويقول رافائيل إيوريس، أستاذ تاريخ وسياسة أمريكا اللاتينية لنيوزويك، إن إدارة ترمب تتوقع من البرازيل العودة إلى علاقات أكثر تفضيلا مع الولايات المتحدة، وهو ما لا يبدو أن لولا مستعد لقبوله.
غير أن تجربة ترمب السابقة في دعم بولسونارو تقدم تحذيرا واضحا؛ فقد ساند الرئيس الأمريكي بولسونارو في انتخابات 2022، وشكك أنصاره في نظام التصويت الإلكتروني، ثم جاءت هزيمة بولسونارو والتحقيقات المتعلقة بمحاولته الانقلاب.
وعندما فرض ترمب لاحقا رسوما جمركية بنسبة 50% على واردات برازيلية وفرض عقوبات على قاض في المحكمة العليا، حدثت المفارقة السياسية: التف لولا حول العلم الوطني، وقدم نفسه مدافعا عن البرازيل في مواجهة قوة أجنبية.
وتتكرر المواجهة حاليا مع اقتراب الانتخابات، بعدما أعلنت واشنطن رسوما جديدة على مئات السلع البرازيلية، وردت برازيليا بإجراءات دبلوماسية، فيما تحدثت تقارير عن احتمال فرض عقوبات أمريكية إضافية على القاضي ألكسندر دي مورايس الذي قاد محاكمة جايير بولسونارو لمحاولته قلب نظام الحكم في البلاد بالقوة.
ويرى محللون أن هذا التصعيد قد يمنح لولا مادة انتخابية ثمينة، خصوصا أن شريحة من الناخبين البرازيليين تشعر أصلا بالقلق من التدخل الخارجي.
وتكمن المفارقة في أن ترمب قد يكون قادرا على التأثير في هامش محدود من الناخبين، لكنه قد يعزز في الوقت نفسه الحجة السياسية التي يعتمد عليها لولا. فكلما ظهر فلافيو بولسونارو إلى جانب ترمب، استطاع الرئيس البرازيلي القول إن منافسه مستعد لتقديم المصالح الوطنية ثمنا للدعم الأمريكي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي قد لا يكون ما إذا كان ترمب قادرا على إنقاذ عائلة بولسونارو، وإنما ما إذا كان تدخله سيؤدي إلى العكس تماما. ففلافيو يريد الوصول إلى القصر الرئاسي لاستعادة والده، بينما يريد ترمب رئيسا برازيليا يساعده على إعادة ترتيب موازين القوى في نصف الكرة الغربي ومواجهة الصين.
لكنْ إذا بالغ ترمب في دعمه لبولسونارو، فقد يمنح لولا الفرصة لتقديم نفسه باعتباره المدافع عن استقلال القرار البرازيلي، وربما يصبح التدخل الأمريكي نفسه أحد العوامل التي تساعده على هزيمة خصمه. وهذا، كما خلص تحليل نيوزويك، قد يجعل ترمب، في نهاية المطاف، أحد العوامل التي تقوض الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة