في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ويشير فيلم "ثروة بلا حراسة.. حكاية أوقاف سوريا" إلى أنه في تسعينيات القرن الماضي، اعتاد جيل كامل رؤية هذا الهيكل الذي بدأ مشروعا ولم يكتمل، قبل أن تتكشف خلفه حكاية وقف عمره 7 قرون، وصراعات سياسية وإدارية انتهت بالإطاحة بوزير من منصبه، وفتح الباب أمام أسئلة عن مصير ثروة الأوقاف السورية.
وتعود جذور الحكاية، كما يحكيها الفيلم الذي بُث على منصة سوريا الآن، ويمكن متابعته كاملا من خلال الرابط المرفق، إلى العصر المملوكي، حين أنشأ الأمير سيف الدين يلبغا اليحياوي في دمشق مسجدا ومدرسة، وأوقف حولهما عقارات ومرافق تجارية، بحيث يذهب ريعها إلى تمويل المسجد والمدرسة وخدمة الناس. ولم يكن هذا النموذج استثناء، فالوقف في سوريا كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية تقوم على تخصيص أصل عقاري أو زراعي لينفق ريعه على الفقراء والطلاب والمرضى وسائر أوجه الخير.
وعلى مدى قرون، تحولت الأوقاف إلى شبكة أمان واسعة للمجتمع، فقد أوقف الأمويون أسواقا وبساتين حول الجامع الأموي لتمويل احتياجاته، وأُنشئت لاحقا إدارة خاصة لحصر الأوقاف وحمايتها، وفي العهدين السلجوقي والأيوبي، توسعت الأوقاف لتشمل المدارس والمستشفيات، ومنها البيمارستان النوري الذي كان يعالج المرضى ويطعمهم ويمنحهم ما يساعدهم خلال فترة النقاهة.
وامتدت فكرة الوقف إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ فهناك أوقاف لتجهيز بنات الفقراء للزواج، وأخرى لإطعام الحيوانات، ورصف الطرق، وتعويض الأواني التي تكسرها الخادمات الفقيرات. وفي دمشق، أنشأ صلاح الدين الأيوبي وقفا يوفر الحليب والماء المحلى للمرضعات الفقيرات، بينما خصص وقف آخر في أحد البيمارستانات لمنشدين يؤنسون المرضى ويخففون عنهم وطأة المرض.
لكنّ هذه الثروة المتراكمة بدأت تتعرض للاعتداءات، ففي القرن 18 استخدمت أعمدة من وقف يلبغا في بناء قصر أسعد باشا العظم، ثم شهد الوقف اضطرابات خلال دخول قوات إبراهيم باشا إلى دمشق. ومع نهاية العهد العثماني، عملت الدولة على تنظيم الأوقاف في سجلات وعقارات، غير أن دخول الفرنسيين إلى سوريا فتح مرحلة مختلفة.
رأى الفرنسيون في الأوقاف قوة مستقلة تمول العلماء والمؤسسات الاجتماعية بعيدا عن سيطرة الدولة، فعملوا على إخضاعها إداريا، وسمحوا ببيع بعض العقارات الوقفية أو استبدالها، وبعد الاستقلال، لم تستعد الأوقاف استقلالها السابق، بل انتقلت تدريجيا إلى الإدارة الحكومية.
وفي أواخر الأربعينيات، تلقى الوقف ضربة أخرى مع قانون حسني الزعيم الذي مسّ الوقف الذري، وهو النظام الذي حافظت من خلاله عائلات سورية على أملاكها ومواردها، ثم جاءت مرحلة الوحدة مع مصر لتصب أجزاء من موارد الأوقاف في الخزانة العامة، قبل تأسيس وزارة الأوقاف عام 1961، لتصبح إدارة الوقف جزءا من الجهاز الحكومي.
ومع ترسخ حكم البعث ثم نظام الأسد، تصاعدت الانتقادات بشأن استغلال الأملاك الوقفية وتغيير وظائفها، وكان وقف يلبغا أحد أبرز الأمثلة؛ ففي عام 1967 أُزيل المسجد وملحقاته من سجل الآثار، وفي أواخر السبعينيات هدم المسجد، لتبدأ مكانه إقامة مجمع أسمنتي ضخم تولت مؤسسة الإسكان العسكرية تنفيذه، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى هيكل متعثر، وارتبطت عملية إنشائه بتساؤلات حول الفساد وسوء الإدارة.
وعاد ملف يلبغا إلى الواجهة عام 2007 عندما تولى زياد الأيوبي وزارة الأوقاف وحاول طرح استثمارات وقفية، بينها مجمع يلبغا. وبحسب رواية نجله الباحث معالي الدين الأيوبي، فاز مستثمر سعودي بعقد بقيمة 240 مليون ليرة سورية سنويا، قبل أن تتدخل السلطة لصالح عرض إماراتي بقيمة 520 مليون ليرة. وبعد خلافات أخرى مرتبطة باستثمارات الأوقاف، أقيل الوزير، وفق الرواية، وتولى محمد عبد الستار السيد الوزارة خلفا له.
ولم يقتصر الجدل على يلبغا، فقد نُقلت أرض معرض دمشق الدولي، وهي أرض وقفية تبلغ مساحتها نحو 118 دونما، من سلطة وزارة الأوقاف إلى محافظة دمشق بمرسوم رئاسي، كما استثمرت أجزاء من التكية السليمانية في مشاريع تجارية مرتبطة بالأمانة السورية للتنمية.
ومع نهاية عام 2024، بدأت مرحلة جديدة مع فتح ملفات الأوقاف ومراجعة عقودها، وكشفت البيانات، وفق الفيلم، عن امتلاك وزارة الأوقاف نحو 33,700 عقار وقفي و170 ألف دونم، بينما لم تتجاوز إيراداتها السنوية نحو 1.6 مليون دولار.
وأظهرت عمليات التدقيق فجوات ضخمة في العائدات؛ إذ كانت أجزاء تجارية من مجمع يلبغا تؤجر بنحو 70 ألف دولار سنويا، قبل إعادة طرحها بعائد بلغ 950 ألف دولار، بينما ارتفع إيجار أرضٍ وقفية قرب ساحة الأمويين من 60 ألف دولار كل 6 أشهر إلى 320 ألفا للمدة نفسها.
وفي مدن أخرى، كشفت عقود رمزية، بينها عقارات كانت تؤجر بنحو نصف دولار شهريا، إضافة إلى أكثر من 600 عقار وقفي لم يكن موثّقا، و546 عقارا كانت تشغلها مؤسسات حكومية بإيجارات زهيدة.
وتكشف هذه الأرقام، بحسب الفيلم، أن أزمة الأوقاف لم تكن في غياب الثروة، بل في طريقة إدارتها وحمايتها واستثمارها. واليوم تواجه السلطات مهمة استعادة هذه الممتلكات، وهي مهمة شاقة قضائيا وإداريا، لكنها تفتح أيضا سؤالا أوسع: هل تستطيع سوريا إعادة الوقف إلى وظيفته الأصلية، لا باعتباره مجرد ملكية عقارية، بل مؤسسة اقتصادية واجتماعية تعيد بناء شبكة التكافل التي فقدها المجتمع على مدى عقود؟
ويبقى مبنى يلبغا في قلب دمشق شاهدا على السؤال: كيف تحول وقف أدى وظيفته سبعة قرون إلى هيكل أسمنتي مهجور، ومتى تعود الأوقاف السورية ثروة تخدم المجتمع بدلا من أن تكون ثروة بلا حراسة؟
المصدر:
الجزيرة