آخر الأخبار

ملثم صحراوي وسيدة وقس وطبيب.. قصص القنوات السرية بين أطراف القتال

شارك

كانت فرنسا تتعقب قادة المسلحين في دول الساحل فتصب عليهم الجحيم، وفي الوقت ذاته تبلغهم "تحياتها" عبر رجل ملثم خبر تضاريس الصحراء وله صلات بشيوخ القبائل ومعاقل النفوذ.

بذا قضت مقادير السياسة: بمجرد الاحتكام للسلاح واشتعال الجبهات، يبدأ أحد الطرفين بجس نبض الآخر لمعرفة مدى استعداده للتفاوض وما مطالبه وأي ثمن يمكنه دفعه للوصول لكلمة سواء.

وأمام وسائل الإعلام، يتحدث المسؤولون عن استحالة التفاوض مع خصومهم والرضوخ لمطالبهم، لأن التواصل العلني مع العدو قد يعني الضعف ويبعث برسالة سلبية للجمهور.

لكن القنوات السرية، تمثل بديلا لهذا الحرج، حيث يتم اللقاء بعيدا عن الأعين عبر طرف ثالث، ويمكن إنكار حدوثه أصلا أو التنصل منه لو تسرب لوسائل الإعلام في حال لم يتم التوصل لنتائج تمكّن الساسة من كسب الرأي العام.

وفي الفترة الممتدة بين 2008 و2013، كانت دول الغرب تشن ضربات جوية وعمليات عسكرية ضد قادة الحركات المسلحة، في الوقت الذي تفاوضهم سرا عبر طرف ثالث حول الإفراج عن الرهائن وقضايا أخرى.

والطرف الثالث هنا، هو السياسي الموريتاني المصطفى ولد الإمام الشافعي الذي يتحرك بسلاسة في مناطق الخطر ويمد بسبَبٍ إلى الطوارق ويحتفظ في دفتر اتصالاته بعناوين صنع القرار في القارة السمراء.

مصدر الصورة وزير الخارجية الإيراني الأسبق جواد ظريف (الأول يمين) ونظيره الأمريكي حينها جون كيري خلال جولة مفاوضات بنيويورك في 2013 (أسوشيتد برس)

الشيطان الأكبر ومحور الشر

تتيح القنوات السرية للأعداء التعرف على بعضهم بعضا واختبار ردود الفعل وطرح المطالب بشكل غير رسمي ودون أي التزام قانوني.

دول مثل سويسرا وقطر وعُمان لديها مهارات دبلوماسية تخولها التقريب بين وجهات نظر الخصوم وتنجح في دفعهم للتفاوض بعيدا عن وسائل الإعلام لفترة طويلة.

في حقبة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حققت مسقط اختراقا هائلا في واحدة من أطول الأزمات، فجمعت "محور الشر" و"الشيطان الأكبر" وتصافحا وتحدثا بعيدا عن الضوء وضغط الجماهير.

إعلان

وهذه اللقاءات التي ضُرِب عليها طوق من السرية، كانت أساسا لمفاوضات انطلقت لاحقا في جنيف وأفضت لما يُعرف ب الاتفاق النووي بين القوى العظمى وطهران في 2015.

وخلافا لما كان يحصل في مسقط، لم يمانع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف من الخروج في نزهة على الأقدام مع نظيره الأمريكي جون كيري بأحد شوارع جنيف.

وعندما تعرض لانتقادات، رد بالقول: "تبادلنا حديثا جادا ورصينا وربما كان هناك ضرورة للتوقف بضع دقائق واستئناف الحديث بشكل آخر. هذا الأمر طبيعي للغاية في عالم الدبلوماسية خصوصا أن الفندق (حيث كنا نقيم) لا حديقة له أو فناء كما كانت المداخل المحيطة مكتظة بالصحفيين الفضوليين".

مصدر الصورة وفدان من حركة طالبان والحكومة الأمريكية إبان انخراط الطرفين في مفاوضات الدوحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 (الفرنسية)

بندقية طالبان وإف 16

كذلك، كان لافتا التفاوض بين الإدارة الأمريكية و حركة طالبان في قطر وتوصلهما لاحقا لاتفاق الدوحة بتاريخ 29 فبراير/شباط 2020.

لكن هذه اللحظة سبقتها لقاءات استكشافية عبر قنوات سرية، لم يكن مناسبا للطرفين الإعلان عنها قبل اطلاع كل منهما على مطالب الآخر والحصول منه على ضمانات.

ففي 2011، نقلت جريدة الديلي تلغراف البريطانية عن دبلوماسيين غربيين أن محادثات سرية استكشافية بين واشنطن وحركة طالبان انهارت بسبب تسريب تفاصيل المفاوضات لوسائل الإعلام.

وجاء في تقرير للجريدة أن "السرية المطلقة كانت الشرط الأساسي للعديد من اللقاءات التي جرت في ألمانيا وقطر"، وانهارت المحادثات نتيجة لقيام مسؤول حكومي أفغاني بتسريب تفاصيل المفاوضات وهوية مفاوض من حركة طالبان.

ولعقود كانت سويسرا خيارا مناسبا للقاء الأعداء والخصوم بعيدا عن الأضواء، فقد احتضنت مفاوضات بين الاستخبارات الإيرانية والأمريكية وسهّلت تفاهمات وتبادلات أسرى بين الطرفين.

ومنذ سقوط الشاه في 1980، تمثل سويسرا قناة التواصل السرية والرسمية بين الأمريكيين والإيرانيين، كما استضافت لفترة لقاءات شديدة السرية والحساسية بين الأرمن والأتراك.

مصدر الصورة كيسنجر (يسار) أثناء لقاء مع الحاكم الباكستاني يحيى خان الذي قاد وساطة سرية بين بكين وواشنطن عام 1971 (أسوشيتد برس)

برقية عبر باكستان

قبل ذلك بـ56 عاما، دخلت واشنطن في عملية عصف ذهني بحثا عن قناة سرية لتخفيف حدة الخصام مع بكين ولتحقيق تفاهم معها يؤدي في المحصلة لإضعاف الاتحاد السوفياتي.

ووفق أرشيف الأمن القومي الأمريكي فإن الحاكم الباكستاني يحيى خان تولى هذه المهمة إلى جانب الحكومة الرومانية، ورجل يُدعى جان سانتيني الذي كانت له صلات بالسفارة الصينية في باريس.

بيد أن الدول ليست الخيار الوحيد لجسر الهوة بين الخصوم. ولذلك لم يكن ولد الشافعي حالة استثنائية عندما فتح قناة تواصل سرية بين الدول الغربية والمسلحين في دول الساحل.

ففي مطلع الثمانينيات، نجح المبعوث الكنسي البريطاني تيري وايت في التفاوض من أجل إطلاق سراح عدد من الرهائن في إيران، وهو ما لفت إليه اهتمام الرأي العام.

ثم تفاوض عام 1983 مع الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي لإطلاق سراح رهائن بريطانيين محتجزين في ليبيا، ونجح في ذلك أيضا.

إعلان

هذان الاختراقان أغريا خريج كلية "جيش الكنيسة" بالدخول في مغامرة جديدة في لبنان للتفاوض حول رهائن غربيين، فانتهى به المطاف في زنزانة انفرادية مكث فيها 1763 يوما، كما تقول سيرته الذاتية على موقع كلية "ترينيتي هول – كامبريدج".

مصدر الصورة شاشة تعرض مقتطفات من الخطاب الذي ألقاه الرئيس كينيدي في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1962 بشأن أزمة الصواريخ الكوبية (رويترز)

الرؤوس النووية والصحافة والاستخبارات

وفي عام 1962، وقف العالم لمدة 13 يوما على أعتاب حرب نووية لا تبقي ولا تذر، بعد استفحال أزمة الصواريخ الكوبية.

طرفا الأزمة: الاتحاد السوفياتي الذي كان يملك 45 ألف رأس نووية، والولايات المتحدة ذات السوابق في إفناء مئات آلاف البشر بالقنابل الذرية.

لقد اكتشف الأمريكيون أن السوفيات تمكنوا سرّا من نشر 40 صاروخا باليستيا و45 رأسا نوويا، في كوبا على بُعد 90 ميلا بحريا عن سواحل فلوريدا.

وتحسبا لمواجهة عسكرية نووية باتت شبه أكيدة مع السوفيات، نصبت وزارة الدفاع الأمريكية صواريخ أرض-جو حول العاصمة واشنطن.

وأمام هذا التحشيد النووي غير المسبوق، لم يسمح كبرياء الطرفين بالانخراط في مفاوضات مباشرة على الفور، فكان البديل المتاح فتح قناة سرية غير رسمية بعيدا عن العدسات.

تبادل الطرفان الرسائل عبر الصحفي الأمريكي جون سكالي الذي كان مراسلا لـ"إي بي سي"، والموظف في السفارة السوفياتية في واشنطن ألكسندر فومين الذي اتضح لاحقا أنه ضابط استخبارات في " كي جي بي" واسمه الحقيقي ألكسندر فكليسوف.

وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول 1962، أبلغ فومين سكالي بأن الكرملين مستعد لإزالة الصواريخ من كوبا، على أن تتراجع واشنطن فورا عن غزو كوبا، وأن تزيل لاحقا صواريخ من تركيا وبريطانيا.

وبعد حل هذه الأزمة، تم إنشاء ما سُمي حينها الهاتف الأحمر كي يوفر اتصالات مباشرة بين البيت الأبيض و الكرملين، كما تم توقيع معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية في 5 أغسطس/آب 1963.

مصدر الصورة الأمريكيون والفيتناميون انخرطوا في مفاوضات علنية بجنيف وباريس بعد تواصلهما لفترة عبر قنوات سرية (الفرنسية)

طبيب لعلاج حرب مزمنة

وأحيانا تكون القناة السرية بعيدةً عن مجرى النهر السياسي؛ مثلما حصل في مؤتمر "باغواش" للعلماء الدوليين في بولندا، عندما طلب كيسنجر من الطبيب وعالم الأحياء الفرنسي هربرت ماركوفيتش إبلاغ رسالة للقيادة الشيوعية في فيتنام في يونيو/حزيران 1967.

كان كيسنجر يشارك في المؤتمر بصفته أستاذا للعلوم السياسية بجامعة هارفارد، ولم يتبوأ بعد منصبا مرموقا في الإدارة الأمريكية.

أما ماركوفيتش فكان يزور فيتنام ضمن بعثات أممية ذات طابع إنساني، وفي يوليو/تموز التالي وصل إلى هانوي، ليباشر تشغيل القناة السرية بين العدوين اللدودين من أجل وقف الحرب التي استمرت نحو 20 عاما.

وفي الأول من أغسطس/آب 1967، قدّم هنري كيسنجر للرئيس ليندون جونسون مذكرةً أبلغه فيها عن افتتاح قناة اتصال جديدة مع نظام فيتنام الشمالية، عُرفت لاحقا باسم "عملية بنسلفانيا"، طبقا لما ورد في أرشيف الوثائق الوطنية الأمريكية (المجموعة RG 59).

تقول الوثائق إن الطبيب ماركوفيتش وصديقه ومواطنه ريمون أوبراك -الموظف بمنظمة الفاو– تمكنا من لقاء الزعيم "هو تشي منه" وقدّما له عرضا أمريكيا، ما أفضى لاحقا لوقف القصف وبدء عملية تفاوض تُوّجت بتوقيع اتفاقيات باريس للسلام وإنهاء الحرب في يناير/كانون الثاني 1973.

النمساوية ستيفاني جوليان شكّلت حلقة وصل بين الحكومة النازية في برلين والمجتمع السياسي في لندن (وسائل التواصل)

المرأة التي أصغى لها هتلر

ولم تكن حقبة الحرب العالمية محصنة ضد هذه الاختراقات، فبالتزامن مع اشتعال الجبهات كان لدى زعماء أوروبا متسع من الوقت لأحاديث ودية مع سيدات من نخبة المجتمع حول شروط التهدئة والسلام.

فخلال ثلاثينيات القرن الماضي، مثّلت الأرستقراطية النمساوية ستيفاني جوليان فون هوهنلوهي قناة اتصال سرية بين حكومة هتلر النازية والوسط السياسي في بريطانيا.

إعلان

تفيد تقارير عديدة بأن هذه السيدة كانت فائقة الجمال ونسجت علاقات عابرة للحدود، ونقلت رسائل شفهية وخطية سرية بين هتلر شخصيا ومسؤولين بريطانيين، بشأن إمكانية التهدئة وفتح القنوات الدبلوماسية، وفقا لـ WW2 Gravestone الذي ينشر مقالات تاريخية وسيرا ذاتية مرتبطة بشخصيات وأحداث الحرب العالمية الثانية.

وفق الموقع ذاته، فإن الرئيس الأمريكي روزفلت وصف ستيفاني بأنها "أخطر من 10 آلاف رجل"، وذلك بحكم قدرتها في التحرك أعلى دوائر النفوذ السياسي.

وقد وردت قصة ستيفاني في وثائق أفرجت عنها الاستخبارات البريطانية "إم آي 5" تحت الرقم المرجعي KV 2/1696.

تقول هذه الوثائق إن الأميرة ستيفاني استُخدمت كـ"قناة اتصال خلفية وغير رسمية" (Back-channel link) رفيعة المستوى بين القيادة النازية في برلين وشخصيات نافذة في أروقة السياسة والمجتمع البريطاني خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

وقد تمكنت بفضل مكانتها المرموقة من نقل رسائل ووجهات نظر شفهية ومكتوبة بشكل مكتوم بين المستشار الألماني أدولف هتلر ومسؤولين بريطانيين.

ولد الشافعي يلتقط صورة مع رهينتين غربيتين اصطحبهما معه إلى بوركينا فاسو في 23 أغسطس/آب 2010 بعد اختطافهما 9 أشهر (الفرنسية)

وهدفت هذه الرسائل إلى سبر أغوار المواقف السياسية واختبار فرص التهدئة بعيدا عن القنوات الدبلوماسية الرسمية والأضواء الإعلامية.

وقد أثير لغط كبير حول قدرة هذه السيدة الجميلة على التأثير في هتلر وغيره من الزعماء، ووجهت لها اتهامات بالتجسس في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.

بيد أنها لم تكن المرأة الوحيدة التي تناقل العظماء عبرها رسائل القوة والتهدئة، فقد تحدثت تقارير وكتب عن سيدات أرستقراطيات تمكّنّ من تحقيق تواصل غير مباشر عبر طرفي الصراع إبان الحرب العالمية الثانية.

ومنهن البولندية الكونتيسة كريستينا سكاربيك، كما تردد في الأوساط العسكرية والسياسية اسم سيدة أخرى من المجتمع المخملي تُدعى الماركيزة دي كاستيلان.

ويبدو أن القنوات السرية لن تُغلق أبدا، فبعد مرور أزيد من 80 عاما على هذه الأجواء، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاثنين إن لديه قناة تواصل خلفية مع مسؤولين بالحرس الثوري الإيراني وإنه يرتبط بعلاقات خاصة مع حركة حماس.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا