آخر الأخبار

رسوم التوصيل في العراق.. تنظيم الفوضى أم عبء اقتصادي جديد؟

شارك
مع التوسع الكبير الذي يشهده قطاع التوصيل في العراق، بدأت السلطات تطبيق إجراءات جديدة تشمل دفع رسوم على كل طلب.صورة من: Sabur Rashid/ZUMA/picture alliance

أثار قرار فرض رسوم على شركات التوصيل العراقية تتراوح بين 250 و500 دينار على كل طلب، استياء واسع النطاق بين الشركات العاملة في هذا المجال. وعزت الشركات اعتراضها إلى أن القرار يعني تراكم الكلفة بالنسبة إلى الطلبات التي تنفذها الشركات.

وترى شركات التوصيل أن هامش الربح في الطلب الواحد لا يتجاوز 400 دينارا، وهذا يعني استقطاع نصف هامش الربح في كثير من الحالات، لكن ما هي خلفية هذا القرار؟ ولماذا هذه الرسوم؟

عبء مادي جديد

وترغب الحكومة العراقية، بحسب ما هو مُعلن، من وراء القرار تنظيم وتوحيد خدمات الشحن والتوصيل بعد انتشارها الواسع من دون إطار تنظيمي واضح، بهدف ضبط حركة الطرود والمركبات العاملة في هذا المجال.

وتكمن هنا المشكلة الأساسية التي تستند إليها شركات التوصيل، التي ترى أن الهدف من الرسوم يتحول عمليا إلى عبء مادي جديد عليها، وخاصة بالنسبة إلى الشركات التي ما زالت في طور النمو.

وتعد منصة "بريد العراق" منظومة متكاملة أطلقتها وزارة الاتصالات والشركة العامة للبريد والتوفير. والهدف منها تنظيم عمل قطاع البريد وربط الشركات والمركبات بشكل رسمي وقانوني، إضافة إلى تتبع الطرود والشحنات بشكل مباشر وآمن للتاجر والزبون.

دخل قرار منصة "البريد العراقي" حيز التنفيذ اعتباراً من 15 أغسطس/آب 2026، ما أثار استياء شركات التوصيل.صورة من: Karim Kadim/AP Photo/picture alliance

أكثر من توصيل طعام

في ظل التطور السريع في الاقتصاد الإلكتروني والاستهلاك اليومي الذي يعيشه العراق، تشكل شركات التوصيل جزءا مهما في حياة الفرد العراقي. فالتوصيل يتجاوز مجرد نقل الطعام إلى نقل الملابس والأحذية ومستحضرات التجميل خاصة منتجات المشاريع الصغيرة التي تبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي ضوء ذلك، تتوسع دائرة التأثير، ليس على الشركات الكبرى فقط بل حتى على المشاريع الصغيرة التي تديرها كثير من النساء العاملات من المنزل واللاتي يعتمدن في بيع منتجاتهن اعتمادا كليا على شركات التوصيل.

ومن ناحية أخرى، تخفف خدمة التوصيل عبئا عن كثير من المواطنين العراقيين في توفير مستلزماتهم اليومية دون الحاجة إلى الخروج من المنزل.

ترى شركات التوصيل أن القرار الجديد يمثل عبئا ماليا جديدا يهدد أرباحها ونموها.صورة من: Khalil Dawood/Xinhua/picture alliance

عمال التوصيل.. "عمود خفي"

في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية، يعاني العراق من معدل بطالة مرتفع. ففي عام 2025 ارتفع معدل البطالة من 15.3 بالمئة إلى 15.5 بالمئة، بحسب البيانات الصادرة عن مركز البيانات "Trading Economics". بينما نشرت أحدث بيانات وزارة التخطيط العراقية أن معدل بطالة عند عتبة 13 بالمئة.

وفي ظل ارتفاع معدلات البطالة، تسعى الحكومة العراقية إلى تعزيز دور القطاع الخاص وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتقليل الاعتماد على الوظائف الحكومية.

من انتظار التعيين إلى العمل الحر

في المقابل، يلجأ كثير من العراقيين خاصة الشباب والشابات إلى تأسيس مشاريع خاصة أو يبحثون عن عمل في القطاع الخاص . ولا تتوفر إحصاءات رسمية دقيقة تحدد الحجم الفعلي للعمالة في قطاع التوصيل.

وتصف جريدة "الصباح" العراقية عمال التوصيل بـ"عمود خفي" تستند إليه خدمات كثيرة. وتذكر في تقرير لها عن قطاع التوصيل أن هذا التوسع الكبير لا يعني بالضرورة استقرار القطاع، فهو "هش" من الداخل، وكثير ممن يعملون فيه ليس لديهم عقود واضحة ولا تأمين يحميهم. ووصفت علاقة العمل بين الشركة والموصل بـ"الضبابية".

ونقلت الصحيفة عن الخبير المالي والاقتصادي ضياء المحسن قوله إن مهنة التوصيل في العراق "تعكس واقعا اقتصاديا غير مستقر"، رغم توفيرها فرص عمل سهلة وسريعة الدخول مقارنة بغيرها من الأعمال خصوصا أن هذا العمل لا يحتاج إلى مؤهلات عالية، "لهذا أصبح خيارا متاحا لكثير من الشباب، حتى خريجي الجامعات".

لكن هذا يعكس صورة غير مستقرة لسوق العمل العراقية، ويشير المحسن إلى "أنه يخفي خلفه مشكلة أعمق تتعلق أيضا بضعف قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل ثابتة".

ويصف الخبير هذا النوع من العمل بأنه "حل مؤقت" وليس خياراً مهنياً "طويل المدى".

إعادة النظر في القرار

في تقرير نشرته "شبكة 965+"، وهي منصة صحفية رقمية عراقية، عبر أصحاب شركات التوصيل عن استيائهم واحتجاجهم على قرار إلزامهم بالانضمام إلى "منصة البريد العراقي" أثناء مشاركتهم في ملتقى "قطاع التوصيل في العراق ".

وذكر قيس جياد من شركة خط الناقل، في مقابلته مع المنصة، أن الشركات فوجئت بهذا القرار ووصف الرسوم الجديدة بأنها "عبء" عليها خاصة أن الربح على كل طلب لا يتجاوز 400 دينار ما يعني أن استقطاع 250 دينارا يستنزف جزءا كبيرا من هامش الربح.

ويؤكد جياد أن أصحاب الشركات لا يعارضون فرض القانون ولا تنظيم القطاع، لكنهم يطالبون فقط بمناقشة القرار قبل تنفيذه ودراسة تأثيره الاقتصادي على الشركات والعاملين فيها.

ومن ناحية أخرى، ذكر أيوب عبد من شركة تسهيل في حديثه للمنصة أن: "قطاع التوصيل والتجارة الإلكترونية يعاني من نقص التشريعات التي تنظم عمل الشركات وتحمي حقوقها"، داعياً إلى إعادة النظر في القرار.

أصبحت شركات التوصيل ملزمة بالتسجيل في منصة "البريد العراقي" ودفع رسوم على كل طلب، مع منع المركبات غير المسجلة من عبور نقاط التفتيش.صورة من: Karim Kadim/AP Photo/picture alliance

"تنظيم منطقي وقانون عادل"

أثارت قضية الرسوم المفروضة من قبل البريد العراقي جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي . فمنهم من اشتكى من ارتفاع التكاليف الواقعة على كاهل المندوب، ومنهم من انتقد خلفية القرار.

كتب حسين: "التنظيم الحقيقي هو الذي يحمي القطاع ويعزز نموه، لا الذي يضيف أعباء جديدة على شركات تعمل أساسا على دعم التجارة الإلكترونية وتوفير فرص العمل".

ويضيف آخر في تعليقه على القرار: "القطاع الخاص يحتاج إلى تسهيلات حتى يتطور، وليس إلى رسوم إضافية تثقل كاهله".

ومنهم من لم يعارض قرار تنظيم شركات التوصيل من خلال فرض رسوم، لكنه كتب: "القطاع الخاص لا يعارض التنظيم، لكن نريد تنظيما منطقيا وقانونيا عادلا". ويتمنى البعض الآخر حوارا بين البريد العراقي وشركات التوصيل يوضح ملابسات القرار بما يسهم في حل هذه المشكلة.

ويرى البعض أن مثل هذه الرسوم والإجراءات يمكن أن "تقتل روح المبادرة" وتزيد كلفة العمل في القطاع الخاص، بينما يجب على الدولة تمهيد الطريق أمام المستثمرين.

وعلى الجانب الآخر، هناك من يرى أن القانون صحيح ويجب تطبيقه في أقرب وقت لتقليل المنافسة غير الشريفة والحد من الشركات الوهمية. ويرى البعض الآخر أن التنظيم الإلكتروني مهم جداً بهدف تطوير القطاع، لكن مسألة الرسوم تحتاج إلى مبرر واضح.

تحرير: محمد فرحان

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا