في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنين- تواجه القرى الفلسطينية الواقعة شرقي مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، تغييرا قسريا في واقعها الجغرافي والميداني والتجاري بفعل إجراءات الاحتلال، ولا سيما في الشهرين الأخيرين.
وهذه القرى المعروفة بقرى مرج بن عامر، والتي اشتهرت بجمالها وخضرتها وسهولها الزراعية، تتعرض اليوم للعزل بعد عودة الاحتلال إلى مستوطنتين أخلاهما عام 2005. فتحول الطريق الذي كان يربط هذه القرى بمدينة جنين، ويمثل شريان حياة وحركة اقتصادية لسكانها، إلى طريق محفوف بالمخاطر.
على امتداد الشارع الذي يعرف "بالالتفافي" تنتشر محال تجارية أقامها أهالي القرى الشرقية على أراض يملكونها وورثوها عن أجدادهم.
لكن الطريق، الذي يؤدي أيضا إلى حاجز الجلمة، الذي كان رافدًا تجاريًا مهمًا للقرى ولمدينة جنين، أصبح عرضة للإغلاق الإسرائيلي بشكل متكرر أو يخضع لحواجز وتفتيش دقيق، ما يجعل المرور عبره أكثر صعوبة وخطورة.
لم يمهل جنود الاحتلال الإسرائيلي الفلسطيني أحمد عزامطة (أبو سامي) من بلدة "عابا الشرقية" سوى ثلاث دقائق لإخلاء متجره الواقع على الشارع الالتفافي، الأمر الذي أنهى في لحظة واحدة رحلة عمل بدأها ببسطة صغيرة لبيع البندورة (الطماطم) قبل نحو عشر سنوات، وتحولت مع الوقت إلى محل للخضار ثم إلى مقهى كلفه نحو 150 ألف شيكل (نحو 50 ألف دولار)، ليكون المتنفس الوحيد لشباب قرى جنين الشرقية.
لم يكن المقهى والمحل الذي "أصبح الآن أثرًا بعد عين"، بالنسبة لأبي سامي مجرد مشروع تجاري، بل شريان الحياة الوحيد لأسرته المكونة من زوجته وأبنائه، إضافة إلى صهره الذي كان يعاونه فيه، ليجد نفسه اليوم وقد انقطع مصدر دخل أربع عائلات دفعة واحدة.
يتحدث أبو سامي -للجزيرة نت- عن قسوة الإجراءات الاحتلالية، حيث تسلم إخطار الهدم قبل 10 أيام فقط من التنفيذ. حيث فوجئ أصحاب أكثر من 40 محلاً تجارياً على الشارع الالتفافي شرقي جنين بتسلمهم إخطارات هدم في 3 أغسطس/آب الجاري بهدف عزل القرى الشرقية عن المدينة.
وأمس الأربعاء شرعت آليات الاحتلال في هدم المنشآت ودمرت 26 منها، فيما تنتظر باقي المنشآت جولة أخرى من الهدم.
يقول عزامطة: "دخل جيش الاحتلال إلى محلي وأمهلني الجندي ثلاث دقائق لإخلاء المحل، قلت له أريد أن أجمع أغراضي، لم يسمح لي وقال تعود لاحقاً الآن أغلق وغادر. حاولنا مع الشبان في اليوم التالي استخراج ما أمكن من البضاعة وما يمكن استصلاحه وبعد أسبوع فقط نفذوا الهدم".
لم تتوقف الخسارة عند حدود المنشأة التجارية، فإعادة إحياء مستوطنة "غانيم"، لم ينعكس فقط على المشهد الجغرافي والأمني في المنطقة، بل امتدت لتشمل أراضي العائلة الزراعية.
يوضح أبو سامي أن لديهم حوالي 67 دونماً (الدونم يساوي ألف متر مربع) من الأراضي تقع في الجبل المحاذي للمستوطنة، وقد منعهم الاحتلال من الوصول إليها منذ شهرين.
وأشار إلى المحاولات التي بذلها المجلس القروي، بالتنسيق مع الجهات المختصة لوقف القرار أو الحد من تداعياته، إلا أن جميع هذه الجهود قوبلت بالرفض من الجانب الإسرائيلي.
وأوضح أن المجلس أُبلغ رسميًا بأن هدم المنشآت "قرار عسكري" لا رجعة فيه، وأن على أصحابها إخلاءها فوراً، في قرار يضع عشرات العائلات أمام خسارة مصادر رزقها، ويعكس حجم القيود المفروضة على الوجود الفلسطيني في هذه المنطقة.
من جهته يروي برهان عزامطة، رئيس المجلس القروي لقرية عابا الشرقية وهو أحد أصحاب المحال المتضررة، أن سلطات الاحتلال بدأت قبل أكثر من أسبوع بتوزيع إخطارات هدم شملت نحو 40 منشأة على امتداد الشارع الالتفافي من حاجز الجلمة وصولا إلى قرية عابا، منها أكثر من 26 منشأة داخل نطاق هذه القرية وحدها.
ويصف عزامطة للجزيرة نت، وهو صاحب سوبر ماركت على الشارع نفسه، لحظة تسلمه الإخطار بأنها كانت "قسرية"، إذ طالبه الجنود بإغلاق متجره فوراً ومنحوه دقائق معدودة للإغلاق دون السماح بأخذ كل شيء.
وعلى مستوى القرية، يقول برهان عزامطة إن هدم 26 منشأة وحدها في عابا تسبب في قطع أرزاق ما لا يقل عن 120 عائلةً كانت تعتمد على هذه المحال، ودفع بعشرات العمال وأصحاب العمل إلى صفوف البطالة بعد فقدانهم مشاريعهم الحيوية دفعة واحدة.
ويربط الأهالي بين حملة الهدم وتصاعد لافت في مضايقات الجنود والمستوطنين منذ مطلع عام 2026، الذي تفاقم بشكل حاد خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة.
ويقول رئيس المجلس القروي إن المضايقات بدأت قبل إخطارات الهدم، فالمستوطنون، بحماية الجيش، باتوا يضايقون المتسوقين ويعرقلون حركة السيارات أمام المتاجر وصولاً إلى إغلاق الطرق بالكامل أمام سكان القرى.
ويحذر من أن التوسع الاستيطاني الجديد يهدد بعزل قرية عابا كلياً عن محيطها، والاستيلاء على الأراضي الزراعية المجاورة، ولا سيما حقول الزيتون التي يخشى الأهالي أن يصعب عليهم الوصول إليها في الموسم القريب.
ويقول عزامطة إن الشارع الالتفافي كان يمثل "شريان حياة" لمدينة جنين ومنطقة القرى الشرقية، ويعج بالحركة والمحال والاستراحات التي تخدم المسافرين. أما اليوم، وبعد موجة الهدم، فقد تحولت المنطقة برمتها إلى مكان "موحش ومخيف"، بحسب وصفه، حيث يشعر الأهالي بالخطر والقلق الدائمين عند عبوره، وسط عزلة فرضها إغلاق الطرق والمسالك المؤدية من القرى وإليها.
من جهته يضع الناشط ضد الاستيطان مفيد جلغوم ما يجري في سياق مخطط استيطاني أوسع في شمال الضفة الغربية، مشيرًا إلى رصد ميزانية لإقامة نحو 20 مستوطنة جديدة، بينها مخطط لإعادة الاستيطان في مستوطنتي غانيم وكديم شرقي جنين، اللتين أخليتا عام 2005.
ويقول -للجزيرة نت- إن الإجراءات على الأرض بدأت منذ بداية العام الحالي، وأصبحت ملموسة بشكل واضح لدى سكان المنطقة، وخاصة سكان القرى الشرقية، ومنها إقامة موقع عسكري بالقرب من المستوطنتين، وتحديدا قرب منطقة حداد.
ويوضح أن المنطقة الشرقية تفصلها عن محيطها شبكة طرق، من بينها شارع التفافي يبدأ من حاجز الجلمة شمالا ويمتد باتجاه المستوطنتين المخليتين، اللتين يجري التحضير للعودة إليهما.
ويقول الناشط إن الإجراءات الميدانية بدأت بالظهور منذ بداية العام، من بينها إقامة موقع عسكري قرب المستوطنتين، قبل أن تتصاعد إلى إصدار إخطارات بحق نحو 40 منشأة تجارية وصناعية وخدماتية على جانبي الشارع الالتفافي المؤدي إليهما، وصولاً إلى بدء عمليات الهدم.
ويرى جلغوم أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن التوسع الاستيطاني الجاري في المنطقة، قائلاً: "إن ما يجري هو هدم للمنشآت الفلسطينية بالتزامن مع التحضير لإنشاء مستوطنة جديدة، في مشهد يعيد إلى الأذهان، بحسب وصفه، ما جرى عام 1948 عندما قامت إسرائيل على أنقاض مئات القرى الفلسطينية التي هُدمت خلال النكبة".
ويعقب: "الفلسطينيون عاشوا تجربة التهجير عام 1948، كما عاشوها بصورة جزئية عام 1967، وكانت التجربتان مأساويتين، ولذلك، لا يمكن أن يكون تكرار تلك التجربة خياراً مقبولاً للفلسطينيين اليوم".
يؤكد جلغوم أن الاحتلال يحاول مرارا وتكرارا دفع الفلسطينيين إلى هذا الخيار الصعب، سواء من خلال الضغط عليهم لتنفيذه بصورة تدريجية، أو عبر القوة والإكراه الجماعي، لكنه يرى أن الفلسطينيين مصرون على عدم ترك وطنهم رغم الصعوبات الكبيرة التي تفرضها هذه الإجراءات.
ويقول: "الصمود الفلسطيني في هذه الحالة ليس مجرد خيار، وإنما هو تمسك بالأرض ورفض لمخططات التهجير التي تواجه سكان المنطقة".
وفي قراءته لأهداف الهدم، يقول إن الاحتلال يحاول من خلال هذه الإجراءات التضييق على حياة الفلسطينيين في القرى الشرقية لمدينة جنين.
ويضيف أن أحد أهداف هذا الضغط هو دفع السكان تدريجياً إلى ترك المنطقة والبحث عن مصادر رزق في أماكن أخرى، وربما خارج البلاد، إضافة إلى هدف أمني يتمثل في جعل جانبي الشارع الالتفافي مكشوفين أمنياً، "بحجة حماية المستوطنين والقوات الإسرائيلية التي ستتحرك في المنطقة".
ويؤكد جلغوم أن ما يحدث شرقي جنين ليس حالة منفردة، مشيرًا إلى وجود حالات مشابهة شهدتها مناطق أخرى من شمال الضفة الغربية، بينها ما جرى على الشارع الرئيسي الرابط بين مدينتي جنين ونابلس، حيث هدمت قوات الاحتلال متاجر ومنشآت صناعية على جانبي الطريق بالقرب من قرى عجة وعنزة والزاوية وجبع، وذلك بالتزامن مع إعادة إعمار أو بناء المستوطنات التي كانت قد أخليت في تلك المناطق.
ويخلص جلغوم إلى أن ما يجري يمثل، من وجهة نظره، سياسة عامة يتبعها الاحتلال، تقوم على هدم المنشآت الفلسطينية وإفراغ المناطق المحيطة بالطرق من النشاط الفلسطيني، تمهيدًا لإقامة أو إعادة إنشاء مستوطنات جديدة، حتى لو كان عدد المستوطنين الذين سيقطنون فيها محدودًا جدًا.
ووفق أحدث بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الرسمية الفلسطينية، فقد وثّقت الهيئة توزيع 34 إخطاراً بهدم منشآت فلسطينية خلال يوليو/تموز 2026، في وقت تم فيه دراسة أكثر من 20 مخططًا هيكليًا لصالح المستوطنات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة