آخر الأخبار

طريق الحرير الجليدي.. ممر تجاري صيني إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ممرّ ملاحي تجاري يمرّ عبر المحيط المتجمد الشمالي، ويربط بين شرق آسيا وشمال أوروبا بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا.

يُعد طريق الحرير القطبي مبادرة صينية استراتيجية، تهدف إلى تطوير طرق التجارة البحرية عبر المنطقة القطبية الشمالية بالتعاون مع دول أخرى، أعلنت عنها الصين رسميا في يناير/كانون الثاني 2018.

وفي أغسطس/آب 2026، أعلنت شركة الشحن الصينية "سي ليجند" عزمها إطلاق أول خدمة شحن حاويات أسبوعية منتظمة ومجدولة عبر طريق الحرير القطبي، بحيث تنطلق الرحلات من ميناء نينغبو على الساحل الشرقي للصين، متجهة إلى ميناء فيليكسستو في المملكة المتحدة، مع التخطيط لتسيير ثماني رحلات حتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

ومن المقرر أن تتوقف الخدمة مع حلول فصل الشتاء، بسبب ظروف الجليد التي تؤدي إلى إغلاق الممر أمام الملاحة.

الأهداف الاقتصادية واللوجستية

تسعى الصين من خلال طريق الحرير القطبي إلى إيجاد مسارات بحرية أقصر تربطها بالأسواق الأوروبية والأمريكية مقارنة بالطرق التقليدية، كما تهدف إلى تشجيع الشركات الصينية على المشاركة في تطوير البنية التحتية للممرات القطبية، وتنفيذ رحلات تجارية تجريبية، إلى جانب استكشاف الموارد الطبيعية في المنطقة، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن ومصادر الوقود غير الأحفوري.

وفي إطار تعزيز حضورها في المنطقة، أطلقت الصين برنامجا لتطوير كاسحات الجليد، مع العمل على تعزيز أسطولها لدعم وجودها في الممرات المائية القطبية. ولا يقتصر دور هذا الأسطول على خدمة الأنشطة الاقتصادية، بل يشمل أيضا دعم البحث العلمي في المنطقة، ضمن ما يوصف بسباق الجليد.

أما على المستوى القانوني والسياسي، فبالرغم من عدم امتلاك الصين منفذا مباشرا على المحيط المتجمد الشمالي، فإنها تصف نفسها بأنها "دولة شبه قطبية"، وتستند في تحركها إلى أحكام القانون البحري الدولي التي تمنحها -وفق رؤيتها- حقوقا تشمل إجراء البحوث العلمية وحرية الملاحة واستغلال الموارد في المياه الدولية للمحيط المتجمد الشمالي.

مصدر الصورة الصين تسعى عبر طريق الحرير القطبي لإيجاد مسارات بحرية أقصر إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية (بيكسابي)

مسار الرحلة

يمتد طريق الحرير القطبي -المعروف أيضا بطريق الحرير الجليدي- عبر المحيط المتجمد الشمالي، ويربط بشكل أساسي بين شرق آسيا وشمال أوروبا عبر ممر ملاحي يختصر المسافات مقارنة بالطرق البحرية التقليدية.

إعلان

وتعتمد إحدى خدمات الشحن المنتظمة التي أطلقتها شركة سي ليجند مسارا يبدأ من ميناء نينغبو على الساحل الشرقي للصين، وينتهي في ميناء فيليكسستو في المملكة المتحدة، وتسلك السفن أثناء الرحلة طريقا يحاذي الساحل الشمالي لروسيا، ويشكل طريق بحر الشمال الجزء الأكبر من هذا المسار.

ويمتد طريق بحر الشمال لنحو 5600 كيلومتر، من مضيق كارا بالقرب من أرخبيل نوفايا زيمليا، وصولاً إلى خليج بروفيدنس في مضيق بيرينغ. وينقسم المسار إلى 28 قطاعا أو منطقة، تختلف الإرشادات الملاحية فيها وفقا لظروف الجليد والطقس، بينما تتولى شركة "روساتوم" الروسية إدارة الطريق.

ويُستخدم مفهوم طريق الحرير القطبي أحيانا بصورة أوسع للإشارة إلى منظومة نقل تمتد نحو 14 ألف كيلومتر، وتربط بين سانت بطرسبرغ وفلاديفوستوك في روسيا.

ويتيح المسار القطبي تجاوز عدد من الممرات البحرية التقليدية، من بينها مضيق مالقا والمحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، إضافة إلى الطريق الممتد حول رأس الرجاء الصالح. وتستغرق الرحلة عبر طريق الحرير القطبي نحو 18 إلى 20 يوما، مقارنة بنحو 40 يوما عبر المسارات الجنوبية التقليدية، مما يجعله مسارا بديلا لتقليص زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا.

مصدر الصورة طريق الحرير القطبي يبدأ من ميناء نينغبو شرق الصين، وينتهي في ميناء فيليكسستو في بريطانيا (شركة أركتيك أومياك لاين)

المميزات والمكاسب الاقتصادية

يوفر طريق الحرير القطبي مزايا اقتصادية، أبرزها اختصار المسافة والزمن بين الصين وأوروبا، إذ تقل مدة الرحلة من نحو 40 يوما عبر المسارات الجنوبية التقليدية إلى حوالي 18-20 يوما عبر المسار القطبي، مما يساهم في تسريع حركة التجارة.

كما يتيح الطريق تجنب عدد من الممرات البحرية المزدحمة أو المتوترة أمنيا، وفي مقدمتها قناة السويس وباب المندب ومضيق مالقا، بما قد يقلل المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الأمنية والاختناقات البحرية.

وينعكس قصر المسافة أيضا على تكاليف التشغيل واستهلاك الوقود، إذ يساهم المسار الأقصر في خفض كمية الوقود اللازمة للرحلات. وتشير تقديرات إلى إمكانية خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل إلى 50%، مما يمنحه ميزة إضافية من الناحية البيئية والاقتصادية.

التحديات والمخاطر

رغم المزايا التي يوفرها طريق الحرير القطبي، تواجه الملاحة عبر القطب الشمالي مجموعة من التحديات والمخاطر، في مقدمتها الظروف الجوية القاسية وتقلبات الطقس وحقول الجليد المتحركة والضباب الكثيف، مما يتطلب سفنا مؤهلة للعمل في هذه البيئة أو الاستعانة بكاسحات الجليد.

كما تعاني المنطقة من ضعف البنية التحتية، مع محدودية مراكز الإنقاذ ومرافق إصلاح السفن، إلى جانب تحديات الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، فضلا عن احتمال تراجع دقة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في أقصى المناطق الشمالية.

ويبرز كذلك الخطر البيئي، إذ تتسم النظم البيئية في القطب الشمالي بحساسيتها الشديدة، مما يجعل حركة السفن -وخصوصا مخاطر تسرب الوقود- مصدر قلق.

مصدر الصورة جذور طريق الحرير القطبي تعود إلى محاولات تاريخية لاستكشاف الممر الشمالي الشرقي (شركة بناء السفن المتحدة)

جذور الفكرة

تعود جذور طريق الحرير القطبي إلى المحاولات التاريخية لاستكشاف الممر الشمالي الشرقي، الذي شكّل منذ القرن السادس عشر فكرة للوصول إلى الصين عبر مياه المحيط المتجمد الشمالي.

إعلان

ففي عام 1525، طرح الدبلوماسي الروسي ديمتري غيراسيموف فكرة الوصول إلى الصين عبر هذا المسار، وفي العام نفسه انطلقت بعثة إنجليزية بقيادة الملاح هيو ويلوبي للبحث عن ممر شمالي شرقي إلى الصين، لكنها انتهت بالفشل وهلاك معظم أفراد طاقمها.

وفي عام 1648، عبر الزعيم القوزاقي سيميون ديجنيف مضيق بيرينغ، في رحلة أثبتت انفصال قارتي آسيا وأمريكا، وإمكانية ربط المحيطين الهادئ والأطلسي عبر الممر الشمالي الشرقي.

وفي القرن العشرين، انتقل الطريق من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة التنظيم والتطوير. ففي عام 1919، أسس الأميرال الروسي ألكسندر كولتشاك لجنة طريق بحر الشمال، ليحصل الممر على صفة قانونية لأول مرة. ثم شهد عام 1932 تحولا مهما بعد نجاح بعثة بقيادة أوتو شميدت في عبور الطريق أثناء موسم ملاحة واحد، مما أسهم في إنشاء الإدارة الرئيسية لطريق بحر الشمال، وتطوير الممر وبناء كاسحات الجليد.

ومع دخول عصر كاسحات الجليد النووية، تطورت الملاحة في المنطقة بصورة أكبر. ففي عام 1959، أطلق الاتحاد السوفياتي أول كاسحة جليد نووية، وحملت اسم لينين. وبحلول عام 1978 أصبحت الملاحة ممكنة على مدار العام بفضل هذه الكاسحات. وبلغت حركة الشحن ذروتها أثناء الحقبة السوفياتية عام 1987، عندما تجاوزت 6.6 ملايين طن.

مصدر الصورة

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فُتح طريق بحر الشمال أمام الملاحة الدولية عام 1991، قبل أن تدخل الصين على خط تطوير الممر في مرحلة لاحقة. ففي يناير/كانون الثاني 2018، أعلنت بكين رسميا مبادرة "طريق الحرير القطبي" ضمن مبادرة الحزام والطريق، من خلال أول كتاب أبيض حول سياسة القطب الشمالي، بهدف تطوير طرق تجارية بحرية مشتركة في المنطقة.

وتواصل تنظيم الطريق في السنوات التالية، إذ عُينت مؤسسة "روساتوم" مشغلا للبنية التحتية للممر عام 2018، بينما تولت مؤسسة "غلافسيفموربوت" تنسيق الملاحة فيه منذ عام 2022.

وفي مارس/آذار 2025، طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رؤية لدمج طريق بحر الشمال ضمن مشروع أوسع يُعرف بـ"ممر النقل عبر القطب الشمالي"، لتعزيز دوره في التنمية الاقتصادية العالمية.

وفي أغسطس/آب 2026، أعلنت شركة الشحن الصينية "سي ليجند" (Sea Legend) عزمها إطلاق أول خدمة شحن حاويات أسبوعية منتظمة ومجدولة عبر طريق الحرير القطبي. وتنطلق الرحلات من ميناء نينغبو على الساحل الشرقي للصين، متجهة إلى ميناء فيليكسستو في المملكة المتحدة، مع التخطيط لتسيير ثماني رحلات حتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

ومن المقرر أن تتوقف الخدمة مع حلول فصل الشتاء، بسبب ظروف الجليد التي تؤدي إلى إغلاق الممر أمام الملاحة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا