أعلنت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس/آب 2026، توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على "أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع"- حسب البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية، كما تهدف الاتفاقية حسب البيان إلى تعزيز الردع المشترك، وتطوير التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.
وتأتي هذه الاتفاقية في سياق إقليمي يتسم بارتفاع شديد في مستويات التوتر وعدم اليقين، نتيجة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية وتداعياتها على أمن دول الخليج العربية، التي تعرضت جميعها لاعتداءات إيرانية شاركت فيها مليشيات عراقية موالية لطهران.
وتزامن ذلك مع إغلاق الحرس الثوري الإيراني مضيق هرمز وسعي إيران إلى التحكم في حركة الملاحة عبره، فضلا عن تهديد جماعة الحوثي المرتبطة بطهران بإغلاق باب المندب، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة على أمن دول المنطقة واستقرارها، وعلى أمن الملاحة الدولية.
ويتزامن ذلك مع حالة من الارتباك في سياسة إدارة الرئيس دونالد ترمب التي اتسمت بتقلب مستمر، وهو ما أتاح لإيران توظيف أمن واستقرار دول الخليج العربية ضمن إستراتيجية الردع، وعمّق الشكوك حول موثوقية الولايات المتحدة بوصفها الشريك الأمني الرئيس لدول الخليج، ودفعها إلى البحث عن صيغ وشراكات أمنية إضافية لتعزيز أمنها وتوسيع خياراتها الإستراتيجية.
وتتضح أهمية الاتفاقية بالنظر إلى طبيعة الدول الثلاث ومكانتها وقدراتها؛ فالمملكة العربية السعودية تتمتع بمكانة دينية محورية في العالمين العربي والإسلامي، وثقل اقتصادي، ودور رئيس في أمن الطاقة، بينما تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعية دفاعية متقدمة، وحضورا إستراتيجيا واسعا في الشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود وآسيا الوسطى، إضافة لعضويتها في حلف الناتو.
في حين تمثل باكستان الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وما تضيفه هذه القدرة إلى الوزن الإستراتيجي للاتفاقية.
كأي اتفاقية دفاع مشترك، تتمثل القيمة الأساسية للاتفاقية في وظيفتها الردعية؛ فالالتزام الجماعي يعني أن الدولة التي قد تتعرض لهجوم لم تعد تعتمد فقط في حساباتها على قدراتها الذاتية وحدها، وإنما تأخذ أيضا قدرات الدولتين الأخريين والتزامهما السياسي بالدفاع عنها
يتمثل جوهر الاتفاقية وقيمتها الإستراتيجية الأساسية في النص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع"، فهذا الالتزام الجماعي بالدفاع المشترك يمثل صيغة غير مسبوقة بين دول أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، التي تمثل المظلة الجامعة للدول الإسلامية.
وسبق أن وقعت دول المنطقة اتفاقيات للدفاع المشترك، من أبرزها اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية الموقعة عام 1950، واتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الموقعة عام 2000.
لكنها بقيت، رغم ما واجهته الدول الأعضاء فيها من تحديات ومخاطر، في إطار النصوص والالتزامات المعلنة، وهو ما يجعل الاتفاقية الثلاثية تطورا في غاية الأهمية بالنظر إلى طبيعة الالتزام الجماعي الذي تنص عليه والسياق الأمني الذي تأتي فيه.
لقد كان طبيعيا أن يثير إعلان الاتفاقية وتوقيتها اهتماما إقليميا ودوليا واسعا، وأن يتصدر أخبار وكالات الأنباء، وأن تتوالى حوله التحليلات والتعليقات. فالالتزام المعلن يرتب مسؤوليات كبيرة إضافية على كل دولة من الدول الثلاث، إضافة إلى دلالاته المهمة في بيئة أمنية بالغة الخطورة.
لكن وكما يحدث عادة، فإن سرعة التعليق على الاتفاقية تؤثر أحيانا في طريقة قراءتها، ولا سيما عندما تكون القراءة مسبقة ومبنية على مواقف سياسية سابقة. ولذلك جاءت التفسيرات بين من رأى في الاتفاقية بداية لنظام دفاعي جديد سيعيد تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، وبين من قلل من أهميته أو شكك في قيمته، مستندا إلى تباين الأولويات والحسابات بين الدول الثلاث، المرتبطة باعتباراتها الداخلية، وجوارها الجغرافي، وتوجهاتها الإستراتيجية.
وكأي اتفاقية دفاع مشترك، تتمثل القيمة الأساسية للاتفاقية في وظيفتها الردعية؛ فالالتزام الجماعي يعني أن الدولة التي قد تتعرض لهجوم لم تعد تعتمد فقط في حساباتها على قدراتها الذاتية وحدها، وإنما تأخذ أيضا قدرات الدولتين الأخريين والتزامهما السياسي بالدفاع عنها.
وهذا بلا شك يغير حسابات أي طرف قد يفكر في استخدام القوة ضد إحدى الدول الثلاث. فإذا كان الطرف المعتدي يستطيع، في حالة استهداف دولة منفردة، تقدير قدراتها ورد فعلها بصورة مباشرة، فإنه بعد الاتفاقية لا بد أن يضع في حساباته أيضا قدرات حلفائها واحتمالات اتساع نطاق المواجهة.
وبذلك، لا تضيف الاتفاقية إلى ميزان القوة مجموعة من القدرات العسكرية فحسب، وإنما تضيف أيضا عنصرا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في حالة عدم اليقين التي يواجهها الطرف المعتدي بشأن طبيعة الرد واحتمالات اتساع نطاق المواجهة وتدخل الدولتين الأخريين.
مصداقية الردع ترتبط بامتلاك القدرة وبالاعتقاد بأن الدول الموقعة مستعدة لاستخدامها عند الضرورة. وفي حالة المملكة وتركيا وباكستان، يستند الالتزام المعلن إلى قاعدة مهمة من القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بما يمنحه وزنا أكبر في الحسابات الإقليمية
وهنا تتبين الوظيفة الأساسية لاتفاقات الدفاع المشترك؛ فالقيمة الردعية لا تتوقف على تفعيل الالتزام في حرب فعلية، بل تقوم أساسا على التأثير في قرار الطرف الذي قد يفكر في الاعتداء قبل اتخاذه. وكلما أصبح احتمال توسع المواجهة أكبر، أو أصبحت نتائجها أقل قابلية للتنبؤ، ارتفعت الكلفة المتوقعة، ومن ثم زادت احتمالات إعادة التفكير في قرار استخدام القوة.
ومن هذه الزاوية، ورغم أهمية ومشروعية السؤال حول ما إذا كانت الدول الثلاث ستنفذ التزامها فعليا في حال تعرضت إحداها لهجوم، إلا أن ذلك يجب ألا يصرفنا عن السؤال الأهم:
هل سيدخل هذا الالتزام أصلا في حسابات الطرف الذي قد يفكر في شن الهجوم؟ هنا يكمن المحك الحقيقي للاتفاقية، بل لأي اتفاقية دفاع مشترك؛ فالردع الناجح هو الذي يمنع الحرب قبل وقوعها. بل إن عدم اختبار الاتفاقية عسكريا قد يكون، في حال نجاحها في ردع الاعتداء، النتيجة الأكثر اتساقا مع وظيفتها الأساسية.
وتقدم تجربة حلف شمال الأطلسي مثالا واضحا على هذا المبدأ؛ فالمادة الخامسة تمثل جوهر الالتزام بالدفاع الجماعي للحلف، وتمنحه قيمة ردعية، رغم محدودية الحالات التي جرى فيها تفعيلها عسكريا.
وليس المقصود هنا مقارنة الاتفاقية بمعاهدة حلف شمال الأطلسي، فالفارق بينهما جوهري من حيث الطبيعة والنطاق والظروف التي نشأ فيها كل منهما، وإنما الإشارة إلى مبدأ أوسع في العلاقات الدولية، مفاده أن الالتزام الدفاعي يكتسب جزءا أساسيا من قيمته من أثره في حسابات الخصوم، وليس فقط من استخدامه الفعلي.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن القدرات العسكرية والاستعداد السياسي للوفاء بالالتزام أمور ثانوية. فمصداقية الردع ترتبط بامتلاك القدرة وبالاعتقاد بأن الدول الموقعة مستعدة لاستخدامها عند الضرورة. وفي حالة المملكة وتركيا وباكستان، يستند الالتزام المعلن إلى قاعدة مهمة من القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بما يمنحه وزنا أكبر في الحسابات الإقليمية.
تطرح عبارة الهجوم المسلح الواردة في الاتفاقية مسألة مهمة تتصل بتحديد نطاق الالتزام بالدفاع المشترك. فالتهديدات الأمنية لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية التي تشنها القوات النظامية التابعة للدول، وإنما تشمل أيضا هجمات تنفذها جماعات مسلحة، كما يحدث بصورة متكررة في المنطقة.
ومن ثم، فإن حصر مفهوم "الهجوم المسلح" في الاعتداءات التي تنفذها القوات النظامية لدولة أخرى قد لا يكون كافيا للتعامل مع طبيعة التهديدات التي تواجهها الدول الثلاث. فقد تتعرض إحدى الدول لهجمات واسعة أو متكررة تنفذها جماعات مسلحة منظمة تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، وتتلقى دعما خارجيا. والدول الثلاث تواجه بالفعل هذا النوع من التهديدات من جماعات مسلحة.
ولا يعني ذلك، بالطبع، أن كل عمل مسلح تقوم به جماعة مسلحة ينبغي أن يعامل تلقائيا باعتباره "هجوما مسلحا" بالمعنى المقصود في الاتفاقية. فهناك فرق بين عمليات محدودة أو معزولة تستطيع الدولة التعامل معها، وبين هجوم منظم وواسع النطاق أو متكرر يستهدف أراضي دولة طرف أو سكانها أو منشآتها الحيوية، ويؤثر بصورة جوهرية على أمنها الوطني.
ومن ثم، ستدخل طبيعة الهجوم وحجمه ومدى استمراره، في تحديد ما إذا كان الاعتداء يقع ضمن نطاق الالتزام بالدفاع المشترك. ولذلك، ومن أجل ضمان الفاعلية الردعية للاتفاقية، فمن المهم وجود فهم مشترك لنطاق الالتزام؛ فكلما كان واضحا للأطراف الأخرى أن استخدام جماعات مسلحة في تنفيذ الاعتداءات لا يعني تلقائيا استبعادها من نطاق الالتزام، زادت صعوبة استخدام هذه المليشيات للالتفاف على الردع الذي توفره الاتفاقية.
نلاحظ أن الدول الثلاث حرصت على تسمية الاتفاقية بـ"اتفاقية مكة"، وهي تسمية تبدو مدروسة وتحمل دلالات رمزية تتجاوز مجرد الإشارة إلى مكان إبرامها، وترتبط بالمكانة الاستثنائية التي تحظى بها مكة المكرمة والمملكة العربية السعودية في وجدان المسلمين في أنحاء العالم.
فالمملكة تحتضن الحرمين الشريفين، وتحتل مكة المكرمة مكانة فريدة بوصفها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، ومهبط الوحي ومهد الرسالة. ومن ثم، فإن اختيار مكة اسما لاتفاقية تجمع الدول الثلاث يضفي عليها بعدا رمزيا يتجاوز أبعادها الأمنية والسياسية المباشرة، ويمنحها دلالة مرتبطة بالمكان الذي يحتل موقعا مركزيا في الوعي والوجدان الإسلامي.
كما أن احتضان المملكة للحرمين الشريفين يمنحها مكانة خاصة في العالم الإسلامي، ويجعل أمنها واستقرارها مرتبطين، في الوعي الإسلامي، بمكانة مقدسات تحظى بمشاعر دينية عميقة لدى المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
ولا تقتصر أهمية هذه الرمزية على المملكة وحدها، وإنما يمكن أن تحمل بالنسبة إلى الدول الثلاث معنى أوسع، باعتبار أن الاتفاقية تجمع ثلاث دول إسلامية تتقاطع أدوارها ومكانتها في العالم الإسلامي، وأن اجتماعها تحت اسم مكة يربط تعاونها الدفاعي برمز يتجاوز حدود الدول والأقاليم. ومن هذه الزاوية، فإن "اتفاقية مكة" لا تعبر فقط عن التزام الدول الثلاث بأمن بعضها البعض، وإنما تستحضر أيضا معنى أوسع يتعلق بحماية الاستقرار في منطقة ذات أهمية مركزية للمسلمين، وبالتعاون بين دول إسلامية كبرى ترتبط بمكانة ودور يتجاوزان نطاقها الوطني.
هناك حاجة لخطاب واضح يشرح طبيعة الاتفاقية وأهدافها، ولا يكتفي بمجرد القول إن الاتفاقية "ليست موجهة ضد أحد"، بما يحد من القراءات الخاطئة أو المتحاملة للاتفاقية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قيمتها الردعية، وعدم إضعاف الرسالة الأمنية التي تعبر عنها
وتزداد قوة هذه الدلالة بالنظر إلى أن مكة والحرمين الشريفين يمثلان جزءا من الذاكرة الدينية والوجدانية لأكثر من ملياري مسلم حول العالم. ولذلك فإن اختيار اسم مكة لاتفاقية دفاعية بين الدول الثلاث يمكن أن يقرأ بوصفه تعبيرا عن رغبة في إضفاء معنى جامع على هذا التعاون، يجعل من الاتفاقية، إلى جانب وظيفتها الأمنية المباشرة، رمزا للتضامن والتكامل بين ثلاث دول ذات ثقل سكاني وعسكري واقتصادي وسياسي تنتمي إلى فضاء إسلامي واحد، وتتحمل، كلٌ بحسب مكانتها ودورها، مسؤولية الإسهام في أمنه واستقراره.
غير أن هذه الدلالات الإيجابية لا تحول دون وجود قراءات أخرى، سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه. فعلى المستوى الإقليمي، قد تنظر إيران إلى الاتفاقية بدرجة من التوجس، رغم الطمأنات التي صدرت عقب الإعلان عنها بأنها لا تستهدف أي طرف.
ويرتبط ذلك، أولا، بتوقيت الاتفاقية، الذي يأتي في سياق تصاعد التوترات والاعتداءات التي شنتها إيران والمليشيات التابعة لها على المملكة ودول الخليج العربية والأردن. ويرتبط، ثانيا، بتركيبة الاتفاقية التي تجمع ثلاث دول إسلامية سنية كبرى، بما قد يدفع القيادة الإيرانية إلى قراءتها باعتبارها تطورا يمكن أن يؤثر في موازين القوى الإقليمية ويحد من هامش حركتها.
إن توقيت توقيع الاتفاقية لا يعني أنها جاءت استجابة مباشرة للتوترات الراهنة، إذ إن العمل عليها بدأ قبل وقت طويل من الإعلان عنها، وهو ما يدحض القراءة التي تضعها في إطار ترتيب أمني موجه أساسا ضد إيران. فقد أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن المناقشات بشأن الاتفاقية استمرت لمدة عامين وثمانية أشهر، وأنها جاءت في إطار مشاورات أوسع بشأن بناء تعاون أمني إقليمي.
كما أشار إلى أن الرؤية المطروحة تتجاوز الدول الثلاث الموقعة، وأن الاتفاقية يمكن أن تتوسع مستقبلا لتشمل دولا أخرى في المنطقة. وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في فهم طبيعة الاتفاقية، إذ تكشف أن الاتفاقية لم تكن استجابة ظرفية للتوترات الراهنة، وإنما جاءت في سياق مسار أطول يستهدف بناء إطار أوسع للتعاون الأمني الإقليمي.
أما خارج العالم الإسلامي، فقد تقرأ الاتفاقية أيضا من زاوية الاصطفاف المذهبي. فقد سبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي أن وصف التنسيق الرباعي بين الدول الأربع بأنه يمثل "محورا" أو "تكتلا سنيا"، ولا شك أن توقيع الاتفاقية قد يدفع أصحاب هذه القراءة إلى التمسك بها والترويج لها. غير أن مثل هذه القراءة تحرف طبيعة الاتفاقية وتسقط عليها تفسيرا مذهبيا لا يستند إلى دوافعها الحقيقية، وتتجاهل أبعادها الأمنية والإستراتيجية التي تشكل جوهرها.
ولذلك هناك حاجة لخطاب واضح يشرح طبيعة الاتفاقية وأهدافها، ولا يكتفي بمجرد القول إن الاتفاقية "ليست موجهة ضد أحد"، بما يحد من القراءات الخاطئة أو المتحاملة للاتفاقية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قيمتها الردعية، وعدم إضعاف الرسالة الأمنية التي تعبر عنها.
وبالطبع، لن تكفي التصريحات الرسمية وحدها لتغيير الإدراك الإستراتيجي لدى طرف يشعر بأن ترتيبات أمنية جديدة تبنى بالقرب منه وبمشاركة قوى إقليمية رئيسة. ولذلك، لا يمكن ضمان أن يؤدي وضوح الخطاب إلى تغيير القراءة الإيرانية للاتفاقية، إذ إن تفسير طهران سيتأثر أيضا بحساباتها الإستراتيجية وبالبيئة الأمنية الأوسع. بيد أن تقليل احتمالات سوء الفهم أو القراءة الطائفية يظل هدفا إستراتيجيا مهما؛ لأن أي تصور بأن الاتفاقية تمثل اصطفافا مذهبيا قد يدفع إلى ردود فعل تزيد من التوتر، بدلا من أن تسهم في تعزيز الاستقرار.
لا ينبغي المبالغة في قراءة عدم مشاركة مصر في الاتفاقية، فقد يكون تعبيرا عن حسابات مصرية خاصة تتعلق بطبيعة الإطار نفسه، وبالدور الذي تراه القاهرة لنفسها ضمن منظومة الأمن الإقليمي، أو بطبيعة علاقاتها وحساباتها مع مختلف دول المنطقة
لقد طرح البعض تساؤلات حول عدم مشاركة مصر في هذه الاتفاقية، خصوصا أنها جاءت بعد مرحلة من التنسيق الإقليمي شملت القاهرة إلى جانب المملكة وتركيا وباكستان، وسبق أن طرحت فكرة تشكيل إطار تنسيقي رباعي يجمع هذه الدول. فما الذي يفسر عدم مشاركة القاهرة، رغم انخراطها في الاتصالات والترتيبات التي سبقت الاتفاقية؟
وفي غياب تفسير مصري رسمي واضح، لا نملك أساسا كافيا للجزم بسبب محدد. ومن ثم، ينبغي التعامل مع عدم انضمام مصر باعتباره قرارا مصريا قائما على حسابات قدرها صانع القرار المصري. ويمكن وضع هذا القرار في سياق أوسع يساعد على فهم الحسابات المصرية المحتملة. فمصر تنظر تاريخيا إلى نفسها باعتبارها دولة محورية في منظومة الأمن القومي العربي، ولديها حساسية شديدة تجاه أي ترتيبات للأمن الإقليمي تتجاوز الإطار العربي.
وهذه المسألة لا يمكن فصلها عن التاريخ السياسي الحديث للجمهورية المصرية، وعن المكانة التي احتلها مفهوم الأمن القومي العربي في رؤيتها لدورها الإقليمي. ومن هذا المنظور، فإن إنشاء ترتيب أمني تشارك فيه دول غير عربية، وإن كانت دولا إسلامية كبرى، قد يثير لدى صانع القرار المصري حسابات تتصل بطبيعة هذا الترتيب وبموقع مصر ودورها في منظومة الأمن الإقليمي.
غير أن هذه الحساسية تحتاج إلى النظر إليها في ضوء طبيعة الاتفاقية نفسها؛ فهي معنية بالأمن الإقليمي بمفهومه الأوسع، وليس بالأمن القومي العربي بالمعنى الضيق. وفي هذا الإطار، فإن تركيا وباكستان دولتان إقليميتان ترتبطان بصورة مباشرة بأمن الشرق الأوسط، وتدخلان ضمن مفهوم الشرق الأوسط بمعناه الجغرافي والسياسي الواسع.
ومن ثم، لا يصح قراءة الاتفاقية من منظور الأمن القومي العربي بالمعنى الضيق، فهي في جوهرها ترتيب للأمن الإقليمي بمفهومه الأوسع، تشارك فيه دول ترتبط مباشرة بأمن الشرق الأوسط، بصرف النظر عن كونها دولا عربية أو غير عربية.
وفي المقابل، كان الانضمام إلى مثل هذه الاتفاقية سيمنح مصر فرصة لتعزيز حضورها في قضايا الأمن الإقليمي واستعادة جانب من دورها المؤثر، وهو الدور الذي تأثر بدرجة كبيرة منذ أحداث الربيع العربي، وما ترتب عليها من انكفاء نسبي للقاهرة على مواجهة تحدياتها الداخلية، ولا سيما الاقتصادية والتنموية والمعيشية المتراكمة.
وأيا كانت الأسباب، فإن مشاركة مصر في الاتفاقية كان يمكن أن تمنح القاهرة متنفسا من انغماسها في الملفات الداخلية، وأن تتيح لها استعادة جانب من دورها القيادي في ترتيبات الأمن الإقليمي.
لكن هناك حقيقة ينبغي ألا نغفلها، وهي أن المملكة العربية السعودية ومصر تمثلان، حتى من دون ترتيبات رسمية تجمعهما، ركيزتين أساسيتين في منظومة الأمن القومي العربي، ولا سيما بعد تراجع الدور التقليدي لدول عربية مهمة مثل العراق وسوريا، نتيجة ما تعرضتا له من أزمات واضطرابات داخلية حولتهما إلى ساحات للصراع الإقليمي والدولي.
وقد أدى هذا التراجع إلى زيادة المسؤولية المشتركة الملقاة على عاتق الرياض والقاهرة في الحفاظ على قدر من التضامن العربي والتنسيق بشأن قضايا الأمن الإقليمي، وهي مسؤولية تنسجم مع أحد الثوابت الراسخة في الرؤية السياسية للقيادتين السعودية والمصرية.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي المبالغة في قراءة عدم مشاركة مصر في الاتفاقية، فهو، كما ذكرنا، قد يكون تعبيرا عن حسابات مصرية خاصة تتعلق بطبيعة الإطار نفسه، وبالدور الذي تراه القاهرة لنفسها ضمن منظومة الأمن الإقليمي، أو بطبيعة علاقاتها وحساباتها مع مختلف دول المنطقة. ومن ثم، فإن عدم المشاركة لا ينبغي أن يفهم بالضرورة باعتباره موقفا سلبيا من الاتفاقية، بقدر ما قد يعكس تفضيل القاهرة التعامل مع ترتيبات الأمن الإقليمي وفق صيغ تتناسب مع رؤيتها ومصالحها ودورها الإقليمي.
والأهم أن غياب مصر عن الاتفاقية لا ينتقص بالضرورة من طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين القاهرة والرياض، بل يؤكد أهمية النظر إلى هذه العلاقة في إطارها الأوسع، باعتبارهما ركيزتين رئيسيتين في منظومة الأمن القومي العربي، حتى مع اختلاف أدواتهما وحساباتهما في بعض الملفات والترتيبات الإقليمية.
خلاصة القول، تستحق اتفاقية مكة للدفاع المشترك أن تقرأ باعتبارها خطوة إيجابية في مسار بناء منظومة أمن إقليمي أكثر قدرة على دعم الاستقرار، وإضافة مهمة إلى جهود دول المنطقة في تعزيز أمنها وحماية مصالحها. ففي ظل ممارسات بعض القوى الإقليمية التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها، وفي ظل تراجع استعداد القوى الكبرى للاضطلاع بمسؤولياتها الأمنية، بل وإسهام بعضها في تعقيد الأزمات التي تعيشها المنطقة، تزداد الحاجة إلى ترتيبات إقليمية تعزز قدرة دولها على حماية أمنها ومصالحها.
وتقتضي القراءة الموضوعية للاتفاقية إدراك قيمتها الردعية وما تضيفه إلى التعاون الأمني بين الدول الثلاث، مع تجنب تحميلها ما يتجاوز نصوصها وأهدافها المعلنة أو استباق نتائجها. ومن ثم، فإن التعامل معها بهدوء وإنصاف، بعيدا عن الاستقطاب والآراء المسبقة، يساعد على فهم ما يمكن أن تضيفه فعليا إلى أمن المنطقة واستقرارها.
كما أن دول مجلس التعاون، واستنادا إلى الدور الذي اضطلعت به المملكة تاريخيا في دعم وتعزيز أمنها واستقرارها، وإلى رؤيتها الراسخة للارتباط العضوي بين أمن دول الخليج العربي وأمن المملكة، يمكن أن تنظر إلى هذه الاتفاقية باعتبارها مستوى إضافيا من مستويات الأمن والدفاع؛ فالمملكة عضو في اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون، وتأتي هذه الاتفاقية لتضيف إلى ذلك التزاما دفاعيا مشتركا مع دولتين إقليميتين رئيسيتين، بما يوسع الشراكات الأمنية لدعم أمن المنطقة واستقرارها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة