يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى.
يتغير الخطاب، حتى بالنسبة لدولت بهجلي، فالسياسي اليميني المتطرف، رئيس حزب الحركة القومية وحليف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، يدعو إلى إمكانية إطلاق سراح عبد الله أوجلان من السجن .
قبل بضع سنوات فقط، كان الكثيرون في تركيا سيعتبرون هذا الخبر كاذبا، فقد كان بهجلي معروفاً بـ"تمنيه إعدام مؤسس حزب العمال الكردستاني".
ويلعب أوجلان دوراً محورياً في عملية التقارب بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية. ففي العام الماضي، ومن سجنه في جزيرة إمرالي، دعا أعضاء الحزب إلى إلقاء السلاح، مؤكداً أن هذا ليس خسارة بل "مكسب تاريخي". وبعد ثلاثة عشر شهراً، أقر البرلمان التركي بأغلبية ساحقة قانوناً ينص على نزع سلاح حزب العمال الكردستاني .
قد يُفضي ما يُسمى بالقانون الإطاري إلى إطلاق سراح آلاف السجناء الأتراك المدانين بالانتماء إلى حزب العمال الكردستاني أو الترويج له، والسماح لمقاتلي الحزب في شمال العراق والمتعاطفين معه في أوروبا بالعودة.
ويُستثنى من ذلك المدانون بالقتل والسجناء المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو المؤبد المشدد قبل يونيو/حزيران 2005، مثل أوجلان.
ويشترط لذلك مصادقة مجلس الأمن القومي على نزع سلاح حزب العمال الكردستاني بالكامل، وهو أمر قد يستغرق بعض الوقت. يتحدث أوجلان نفسه عن "الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل"، لكن مجرد إقرار القانون في البرلمان يُعد حدثاً تاريخياً.
ويتفق معه في ذلك وهاب كوشكون، أستاذ القانون في ديار بكر ـ العاصمة غير الرسمية للأكراد الأتراك ـ، مشيراً في حديثه لموقع تاغس شاو الألماني إلى أن تركيا تسعى لنزع سلاح الحزب منذ أكثر من ثلاثين عاماً؛ حيث يقول: "حتى الآن، جرت 13 محاولة، لكن لم تبلغ أي منها ما بلغه الوضع اليوم".
وقد لقي أكثر من 40 ألف شخص حتفهم في القتال الدائر بين حزب العمال الكردستاني والقوات التركية منذ عام 1984.
يؤكد كوشكون أيضاً أن إقرار القانون لا يعني " حل القضية الكردية ، لأن للأكراد مطالب محددة"؛ منها على سبيل المثال: الاعتراف بلغتهم في القضاء والإدارة، وتدريس اللغة الأم في المدارس، ومنحهم حكماً ذاتياً محلياً، وتخفيف "قانون مكافحة الإرهاب".
هذا القانون فضفاض للغاية لدرجة أن التصريحات المؤيدة للأكراد قد تؤدي إلى أحكام بالسجن. ويرى كوشكون أن هذه المطالب ستكون جزءاً من الخطوة التالية، إذ تكمن الأولوية الآن في معالجة القضية الكردية لا باعتبارها "صراعاً وعنفاً"، بل "في إطار القانون والسياسة".
ينتقد حزب الديمقراطية والحركة المؤيدة للأكراد الحكومة لتفاوضها بشأن مشروع القانون مع أوجلان المسجون بدلاً من أعضاء البرلمان المنتخبين، رغم تصويتهم لصالحه. قد يكون هذا دافعاً محتملاً وراء تقارب حكومة أردوغان مع الأكراد : استعادة حزب الديمقراطية والحركة من معسكر المعارضة، الذي انضم إليه منذ عام 2018، عبر تقديم تنازلات.
قد يحتاج أردوغان إلى أصوات الأكراد في البرلمان والانتخابات؛ فهو يرغب في البقاء رئيساً لتركيا حتى بعد انتهاء ولايته الرسمية في عام 2028. يسمح الدستور حالياً بفترتين رئاسيتين كحد أقصى، إلا في حال إجراء انتخابات مبكرة.
كما سيحتاج الائتلاف الحاكم بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية إلى أصوات حزب الديمقراطية والحركة لحل البرلمان، كما ثمة احتمال آخر يتمثل في إجراء تعديل دستوري.
ويرى وهاب كوشكون حسب تقرير تاغس شاو، أن في هذا فرصة للرئيس لكسب الدعم الكردي. فإذا تم إقرار تعديل دستوري يلبي المطالب الكردية، فقد يوافق جزء كبير من الناخبين الأكراد على هذا التعديل، حتى لو كان ذلك يعني تمديد ولاية أردوغان في منصبه، لأن القضية الحاسمة بالنسبة لهم هي حل القضية الكردية.
لكن من المرجح ألا يكون هذا الدافع الوحيد للرئيس، إذ ثمة دوافع أخرى في السياسة الخارجية، حيث قد يُعزز القانون دور تركيا كفاعل قوي في المنطقة.
ففي شمال سوريا، لا ينسجم ادعاء قوات سوريا الديمقراطية الكردية بأنها تخوض نضالًا مستمرًا من أجل التحرير مع واقع القانون الجديد. ومع تفكك حزب العمال الكردستاني، تضعف أيضًا حججها المطالبة بالحكم الذاتي في سوريا.
وفي العراق، قد يؤدي انسحاب القوات التركية إلى تعزيز التعاون الاقتصادي. كما يمكن لتركيا أن تستثمر في تسوية النزاع لتظهر أمام أوروبا كشريك مستقر وقادر على المساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
ولطالما انتقد الاتحاد الأوروبي معاملة أنقرة للأكراد وقوانينها لمكافحة الإرهاب، ومنها على سبيل المثال سجن المرشح الرئاسي السابق صلاح الدين دميرتاش لمدة عشر سنوات. وتطالب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عنه، وتركيا مُلزمة بالفعل بأحكامها.
وقد تُؤمّن بنود القانون الإطاري المتعلقة بالعفو عن "الدعاية الإرهابية" و"الجرائم المرتكبة في سياق أنشطة حزب العمال الكردستاني " إطلاق سراحه، إلا أن حدوث ذلك يبقى موضع شك.
ويؤيد دميرتاش نفسه القانون الإطاري كخطوة في عملية السلام. أما بالنسبة لعبد الله أوجلان، فلا يقدم القانون أي أمل في الحرية في الوقت الراهن، ومع ذلك، فإن خصومه القوميين الأتراك، مثل دولت بهجلي، يمنحونه الآن "حق الأمل".
تحرير: ع.ش
المصدر:
DW