بدأ عدد من كبار المسؤولين اليابانيين، مع اقتراب الذكرى الحادية والثمانين لسقوط أول قنبلتين ذريتين في التاريخ على هيروشيما وناغاساكي، بالدعوة إلى إعادة فتح ملف الردع النووي، وهو موضوع كان لعقود من المحرّمات في البلاد الوحيدة التي تعرضت ل هجوم نووي.
وفي مراسم إحياء الذكرى التي أقيمت يوم الخميس بمدينة هيروشيما، تجنبت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الإجابة بوضوح عن مصير المبادئ اليابانية الثلاثة التاريخية التي تقضي بعدم امتلاك السلاح النووي، وعدم تصنيعه، وعدم السماح بدخوله الأراضي اليابانية.
وأثار الغموض في الموقف استياء في أوساط الناجين من القصف الذري لعام 1945 وكذلك في صفوف الناشطين المدافعين عن نزع السلاح النووي في مختلف أرجاء البلاد.
من بين هؤلاء الناجين، ساتوشي تاناكا، البالغ من العمر 82 عاما، وأحد أبرز الوجوه في حركة مناهضة الأسلحة النووية، والذي واجه رئيسة الوزراء مباشرة بسؤاله عن احتمال مراجعة مبادئ عام 1967، فيما اكتفت تاكايتشي بالتأكيد على أن اليابان ما زالت متمسكة حاليا بهذه المبادئ غير النووية، وهو رد اعتبره تاناكا مقلقا لأنه يتحدث عن الحاضر دون أن يقطع بأي التزام مستقبلي.
وقد استغلت رئيسة الوزراء زيارتها إلى هيروشيما يوم الخميس، تمهيدا لزيارة أخرى إلى ناغاساكي يوم الأحد، للالتقاء بعدد من الناجين من القصف الذري.
غير أن هذه اللقاءات لم تبدد الشكوك التي عبّر عنها تاناكا، الذي أكد لوكالة فرانس برس أن غموض موقف تاكايتشي لا يفعل شيئا سوى تعميق قلقه بشأن المستقبل.
يأتي هذا الجدل في أعقاب تصريحات وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي الشهر الماضي، والذي طالب بفتح نقاش "خالٍ من المحرّمات" بشأن السلاح النووي، مبررا ذلك بتصاعد التوترات الجيوسياسية على الساحة الدولية.
وليست هذه المرة الأولى التي تصدر فيها إشارات من هذا النوع، ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي، كشف مسؤول حكومي كبير، فضّل عدم الإفصاح عن اسمه، عن قناعته الشخصية بأن اليابان ينبغي أن تمتلك ترسانة نووية.
وتعود جذور هذا النقاش إلى أحداث السادس والتاسع من آب/أغسطس عام 1945، حين ألقت الولايات المتحدة القنبلتين الذريتين على هيروشيما ثم ناغاساكي على التوالي، فأودتا بحياة أكثر من 210 آلاف إنسان، في الحادثة التي لا تزال حتى اليوم المثال الوحيد لاستخدام السلاح النووي في حرب فعلية.
ولا يزال الناجون من تلك الكارثة، رغم تناقص أعدادهم مع مرور السنوات، يشكلون قوة مؤثرة عبر جمعياتهم التي لعبت دورا في الحركة السلمية اليابانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو نضال توّج بحصولهم على جائزة نوبل للسلام في عام 2024.
ويعبّر هؤلاء الناجون عن قلقهم إزاء التوجه الدفاعي الاستباقي الذي تتبناه حكومة تاكايتشي، والذي يمثل ابتعادا واضحا عن النهج الحذر الذي اعتادت اليابان انتهاجه تقليديا في القضايا العسكرية. وتخوض حكومة تاكايتشي، التي وصلت إلى السلطة في خريف العام الماضي، حاليا مراجعة شاملة لاستراتيجيتها الدفاعية، وذلك ردا على تنامي الطموحات العسكرية لكل من كوريا الشمالية والصين، فيما دعا وزير الدفاع إلى تقوية الجيش الياباني بما يواكب ما وصفه بـ"حس الإلحاح والأزمة".
وسبق أن تخلت اليابان عن الحظر الذاتي الذي كانت تفرضه على تصدير الأسلحة، ورفعت ميزانيتها الدفاعية بشكل كبير، إضافة إلى دعوات متجددة لمراجعة الدستور الياباني ذي الطابع السلمي.
لم تمر دعوة الوزير كويزومي دون رد فعل خارجي، إذ أثارت غضب بكين التي اتهمت طوكيو بإحياء نزعة عسكرية جديدة.
وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط/فبراير الماضي، بأن على الشعب الياباني ألا يسمح بعد الآن لقوى اليمين المتطرف وأنصار إحياء النزعة العسكرية بالتلاعب به.
وعلى الصعيد الداخلي، ينقسم الرأي العام حول هذه القضية، إذ يدفع أنصار تاكايتشي باتجاه مراجعة المبدأ الثالث تحديدا، بما يفتح الباب أمام السماح للولايات المتحدة مثلا بإدخال أسلحة نووية إلى الأراضي اليابانية بهدف تعزيز الردع الإقليمي.
في المقابل، يصعّد المعارضون تحركاتهم عبر تنظيم تظاهرات احتجاجية، معتبرين أن توجهات تاكايتشي تضاعف من المخاطر الأمنية التي تتهددها البلاد.
المصدر:
يورو نيوز