عدن – لا تحتاج أسرة فادي محمد إلى إشعار رسمي لتعرف أن المياه وصلت إلى حي شعب العيدروس في كريتر، بمديرية صيرة في عدن جنوبي اليمن. يكفي أن ترتفع أصوات المضخات من المنازل المجاورة، وأن تدب الحركة حول الأوعية والخزانات، لتدرك أن عليها الإسراع قبل انتهاء نوبة الضخ.
في غضون دقائق، تستنفر الأسرة كلها، يتفقد أحد الأبناء خزان السطح، بينما يجمع الأب العبوات البلاستيكية سعة 20 لترا ويرصها استعدادا لملئها، وتمد الأم الخراطيم في باحة المنزل، محاولة تخزين أكبر كمية ممكنة قبل أن تجف الأنابيب مجددا.
ويقول فادي للجزيرة نت إن المياه تصل إلى الحي مرة كل 5 أو 6 أيام، وقد يطول الانتظار أحيانا، وتستمر نوبة الضخ نحو 12 ساعة، لكن طولها لا يعني وصول المياه بالكميات نفسها إلى جميع المنازل، إذ يضعف الضغط في بعض المواقع، وقد تنقطع الكهرباء، فيتعذر تشغيل المضخات ورفع المياه إلى خزانات الأسطح.
ويضيف "نترقب موعد الضخ ونرتب احتياجات الأسرة على أساسه، فأي تأخير يربك يومنا كله، وإذا نفد مخزوننا قبل النوبة التالية، فلا يبقى أمامنا سوى البحث عن الماء في أماكن أخرى أو شراء صهريج خاص".
وتوضح أن الأسرة تضطر -حين ينفد مخزونها- إلى شراء 3 آلاف لتر من مياه الصهاريج بنحو 20 ألف ريال يمني (نحو 13 دولارا)، وهو ما يعادل أكثر من 13% من راتب معيلها الشهري، الذي لا يتجاوز 150 ألف ريال (نحو 95 دولارا).
لكن شراء الصهريج ليس خيارا متاحا لجميع العائلات، وحين ينفد مخزون المياه، تبدأ رحلة البحث عن بدائل أقل تكلفة، فيخرج رجال وأطفال حاملين عبواتهم إلى آبار محلية مالحة، تنتشر في بعض الأحياء أو تلحق ببعض المساجد، لسد جزء من احتياجاتهم المنزلية.
وفي أحياء عدة، تُنقل العبوات على الأكتاف والعربات اليدوية، وأحيانا على ظهور الحمير، في رحلة شاقة تكشف ما يدفعه السكان من وقت وجهد للحصول على الماء، ولا توفر لهم سوى بديل اضطراري عن مياه الشبكة المتقطعة.
وفي أحد مواقع تعبئة الصهاريج بمنطقة بئر أحمد، تصطف المركبات أسفل خزانات مرتفعة تتصل بشبكة من الأنابيب. يصعد عامل إلى ظهر أحد الصهاريج، ويثبت خرطوم التعبئة في فوهته، وما إن تكتمل حمولته حتى ينطلق نحو منزل نفدت مياهه المخزنة، أو حي تأخرت فيه نوبة الضخ.
ومن الموقع نفسه، يبدأ السائق فارس عبد الكريم يومه مبكرا؛ إذ يتلقى اتصالات من أسر نفدت مياهها، ويرتب رحلاته بحسب أسبقية الطلبات وبُعد المناطق وإمكان الوصول إلى المنازل، ويقول للجزيرة نت "عندما تشتد أزمة المياه، أتلقى عشرات الاتصالات، ولا أستطيع تلبية جميع الطلبات في وقت واحد".
لكن الصهريج يفرض على الأسر فاتورة ثقيلة، ويوضح عبد الكريم أن التكلفة تتحدد بحسب سعته ومصدر التعبئة وبُعد المنطقة، إذ يبلغ سعر حمولة سعتها 4 آلاف لتر نحو 17 ألف ريال يمني في المناطق القريبة، وقد يصل إلى 35 ألف ريال في المناطق البعيدة، ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الديزل يزيد نفقات التشغيل والنقل، قبل أن ينعكس على السعر الذي تدفعه الأسرة.
أما العائلات التي لا تستطيع تحمل تكلفة الصهريج، فلا تجد أمامها سوى بدائل أقل تكلفة وأكثر مشقة، ففي مديرية البريقة تصطف عشرات العبوات قرب خزانات مخصصة للتعبئة، ويتناوب رجال وفتيان على ملئها بالخراطيم، ثم نقلها إلى المنازل على عربات يدوية، وهنا تنخفض التكلفة النقدية، لكن العبء ينتقل إلى ساعات الانتظار ومشقة النقل.
وفي منطقة فقم التابعة للمديرية نفسها، يتجمع السكان حول إحدى الآبار المحلية المالحة، ويملؤون منها عبوات متفاوتة الأحجام، ويستخدمون مياهها في بعض الأغراض المنزلية، لكنها لا تغنيهم عن المياه العذبة التي يُفترض أن تصل بانتظام عبر الشبكة.
وتمتد رحلة البحث عن الماء إلى مخيمات النازحين، حيث تعتمد الأسر على خزانات مشتركة تتكفل منظمات إنسانية ومبادرات أهلية بتزويدها بالمياه، فتنتظر دورها لملء الأوعية، ويشارك الأطفال في نقلها إلى مساكنهم.
خلف هذه المشاهد الإنسانية القاسية، تقف أرقام رسمية تكشف عمق الأزمة، إذ يقول وكيل وزارة المياه والبيئة لقطاع المياه المهندس نجيب نعمان الشعبي للجزيرة نت إن الاحتياج اليومي لمدينة عدن يتراوح بين 200 ألف و250 ألف متر مكعب، في حين يصل العجز الحالي إلى نحو 130 ألف متر مكعب يوميا.
ولا تغطي الكميات المتاحة -وفق الشعبي- سوى نحو نصف الطلب، وقد تنخفض في بعض الفترات إلى أقل من ذلك، لتتحول نوبات الضخ من آلية لتنظيم التوزيع إلى وسيلة لإدارة عجز مزمن، لا مجرد خلل في جدول الضخ.
ويعزو الأزمة إلى ضعف مصادر المياه، والتوسع العمراني والنمو السكاني، والحفر العشوائي والتعديات على حقول المياه، فضلا عن تقادم الشبكة وتفاوت التوزيع بين المديريات.
سكان في منطقة فقم يستخرجون المياه من بئر محلية مالحة لاستخدامها في بعض احتياجاتهم المنزلية (الجزيرة)وتعتمد عدن بصورة رئيسية على المياه الجوفية القادمة من حقول تقع خارج مركز المدينة، أبرزها بئر أحمد وبئر ناصر والمناصرة.
وخلصت دراسة نشرتها مؤسسة بيرغوف (غير حكومية) في 30 أبريل/نيسان الماضي إلى أن 90 بئرا من أصل 113 كانت عاملة، وأن الإمداد العام يبلغ نحو 43.8 مليون متر مكعب سنويا، أي نصف الطلب المقدر بنحو 87.6 مليون متر مكعب.
وتترجم الأسر هذه الفجوة بلغة أبسط؛ فالعجز بالنسبة إليها لا يقاس بالمتر المكعب وحده، بل بعدد الأيام التي تفصل المنزل عن نوبة الضخ التالية، وبعدد العبوات التي يمكن تخزينها، وبالمبلغ المطلوب لشراء صهريج عند نفادها.
مواطن ينقل عبوات المياه على ظهر حمار في أحد شوارع كريتر بعدن (الجزيرة)ولا تتوقف تكلفة المياه عند تأمين احتياجات المنزل، إذ لا يعتمد كثير من السكان على مياه الشبكة للشرب، ويلجؤون إلى شراء مياه محلاة من محطات خاصة، وبذلك قد تتحمل العائلة فاتورتين؛ إحداهما لشراء صهريج عند نفاد مخزون مياه الاستخدام المنزلي، والأخرى لتوفير مياه الشرب بصورة منتظمة.
أمام هذه الفجوة، تراهن الجهات الحكومية على زيادة الإنتاج من حقل بئر أحمد، وبحسب وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، تضمنت المرحلة الأولى من مشروع تعزيز الأمن المائي حفر وتجهيز 10 آبار جديدة وتنفيذ الضخ التجريبي، في حين تشمل المرحلة الثانية تركيب محطة طاقة شمسية بقدرة 600 كيلوواط وربط الآبار بنظام إدارة وتشغيل ذكي.
عامل يراقب تدفق المياه إلى صهريج في إحدى نقاط التعبئة بمنطقة بئر أحمد (الجزيرة)ويقول الشعبي إن إدخال الآبار الجديدة إلى الخدمة يمكن أن يخفف جزءا من العجز، لكنه يستدرك "حفرها وحده لا يكفي، فنقل المياه إلى المديريات يتطلب إنشاء خطوط ناقلة وتنفيذ مشروعات تكميلية تضمن دخول الكميات الجديدة إلى الشبكة".
ويرى أن تحلية مياه البحر تمثل الخيار الأكثر واقعية لمستقبل عدن، في ظل محدودية المصادر الحالية وعجزها عن مواكبة التوسع السكاني.
وكانت الحكومة قد أعلنت في فبراير/شباط 2025 بدء المرحلة الأولى من مشروع تحلية بطاقة 10 آلاف متر مكعب يوميا، بتمويل من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. لكن أحدث تطور رسمي معلن اقتصر -في 28 يوليو/تموز الماضي- على معاينة موقع المحطة خلف محطة الحسوة الحرارية، من دون تحديد موعد لتشغيلها.
مواطن يجهز عبوات المياه لنقلها بعربة يدوية إلى منزله في التواهي (الجزيرة)وبمقارنة طاقة هذه المرحلة بالاحتياج الذي أورده الشعبي، فإنها -حتى إذا عملت بكامل طاقتها- لن تغطي سوى نحو 4 إلى 5% من الطلب اليومي، مما يضع المشروع في حجمه الفعلي على أنه خطوة أولى في مسار طويل، وليس حلا سريعا للأزمة.
ويوضح الشعبي أن الحكومة تبحث مع البنك الدولي وجهات تمويل والقطاع الخاص مسارات متعددة لإدارة الموارد المائية وتطوير مشروعات التحلية، لكنه يشدد على أن التحدي لا يقتصر على إنشاء المحطات، بل يشمل توفير التمويل اللازم، وضمان استدامة تشغيلها، وتغطية كلفتها.
وبينما تحتاج هذه الحلول إلى وقت وتمويل، لا يقيس سكان عدن التقدم بعدد الآبار المحفورة أو المشروعات المعلنة، بل بقدرة المياه على الوصول إلى منازلهم بانتظام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة