يحذر الكاتب جيك واليس سيمونز من تنامي تيار يميني متطرف في بريطانيا يرى أنه لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل بدأ يقترب من المجال السياسي الرسمي، مستفيدا من تنامي القومية الإثنية، والخطاب المعادي للمهاجرين والمسلمين واليهود، والتأثير المتزايد للأفكار المتطرفة القادمة من الولايات المتحدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى الكاتب -في مقال بصحيفة تلغراف- أن بريطانيا تشهد ظهور نسخة جديدة من القومية المتشددة تختلف عن الفاشية التقليدية، لكنها تشترك معها في بعض المفاهيم المتعلقة بالعرق والهوية و"نقاء" الأمة.
وينطلق الكاتب من الجدل المحيط بحزب "استعادة بريطانيا" وزعيمه النائب روبرت لوي، وكذلك تصريحات أحد مؤسسي الحزب تشارلي داونز، التي اعتبر الكاتب أنها تحمل إيحاءات معادية لليهود.
وبالفعل أثار داونز الجدل -حسب الكاتب- عندما نشر صورة للسياسي نايجل فاراج وهو يتحدث مع "التحالف اليهودي للإصلاح"، عقب تصريح فاراج بأنه "لا يمكن شراؤه"، في إشارة يرى الكاتب أنها توحي بأن الدعم اليهودي قد يكون وسيلة للتأثير في السياسيين.
ويضع الكاتب هذه التصريحات في سياق أوسع، معتبرا أن خطاب الحزب بدأ يتجاوز مجرد انتقاد الهجرة إلى طرح مفهوم أكثر تشددا للهوية البريطانية، يقوم على الأصل العرقي والدين.
ويستشهد سيمونز بتصريح لداونز يقول فيه إن بريطانيا "شعب تحدده أصول بريطانية أصيلة وإيمان مسيحي"، معتبرا أن هذا النوع من الخطاب يقترب من مفاهيم تاريخية ارتبطت بالقومية العرقية والفاشية الأوروبية، خصوصا عندما يقترن بالحديث عن "الأمن الديمغرافي للشعب البريطاني الأبيض".
ويشير المقال كذلك إلى تصريحات روبرت لوي المثيرة للجدل بشأن هوية الملك البريطاني، وإلى رفضه اعتبار الأحزاب السياسية البريطانية أو الشخصيات العامة بمنأى عن الأسئلة المرتبطة بالأصل العرقي، ويعتبر الكاتب أن هذا النوع من الخطاب يفتح الباب أمام سؤال خطير: من "البريطاني الحقيقي" ومن يحق له أن ينتمي إلى البلاد؟
ويحذر سيمونز من أن هذه الأفكار لا تستهدف المسلمين وحدهم، بل تمتد أيضا إلى اليهود، ويستشهد بمواقف داخل حزب "استعادة بريطانيا" من الشعائر الدينية اليهودية والإسلامية، وبالدعوات إلى حظر الذبح الحلال واليهودي، فضلا عن طرح فكرة ترحيل ملايين الأشخاص تحت مسمى "إعادة الهجرة".
ويرى أن هذه السياسات تعكس انتقال الخطاب من مجرد المطالبة بضبط الهجرة إلى تصور سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية للمجتمع البريطاني.
ويقر الكاتب في الوقت نفسه بأن بريطانيا تواجه بالفعل تحديات مرتبطة بالهجرة والتطرف والاندماج، وأن هناك مشكلات داخل بعض أوساط المجتمع المسلم، حسب رأيه، لكنه يرفض تحويل هذه المشكلات إلى حكم شامل على الإسلام والمسلمين، معتبرا أن التعميم يضر أيضا بملايين المسلمين البريطانيين الذين يعتبرون بريطانيا وطنهم.
ومن خلال استحضار تجربة شخصية، يؤكد الكاتب أن الهوية البريطانية لم تكن تاريخيا قائمة على "النقاء العرقي"، فهو نفسه ينحدر من أم يهودية وأب ذي أصول بورمية جزئيا، رغم أن والديه وُلدا في بريطانيا وأن جديه خَدَما في سلاح الجو الملكي خلال الحرب.
ويستشهد أيضا بوالدة ونستون تشرشل التي وُلدت خارج بريطانيا، ليؤكد أن التاريخ البريطاني نفسه يتناقض مع فكرة وجود تعريف عرقي بسيط للمواطنة والانتماء.
ويرى سيمونز أن التحول الأخطر يتمثل في أن الخطاب اليميني المتطرف الحالي لم يعد شبيها فقط بالعنصرية البريطانية التقليدية التي كانت موجودة في هوامش المجتمع، بل أصبح أكثر أيديولوجية وتأثرا بالنموذج الأمريكي.
فوسائل التواصل الاجتماعي -حسب تحليله- أتاحت انتقال أفكار شخصيات أمريكية من أقصى اليمين والنازيين الجدد إلى بريطانيا، حيث تجد جمهورا مستعدا لاستقبالها وسط القلق من الهجرة والتحولات الديمغرافية.
وفي الجزء الأهم من مقاله، يحاول سيمونز إعادة تعريف معنى الانتماء إلى بريطانيا، فهو يرى أن الهوية البريطانية لا يمكن اختزالها في لون البشرة أو الدين أو مكان الميلاد، بل ترتبط أساسا بالقيم التي يتبناها الفرد، وبإحساسه بالانتماء إلى المجتمع والثقافة والمؤسسات البريطانية واحترامه لها.
ومن هذا المنظور، يستطيع أشخاص من خلفيات يهودية أو آسيوية أو مهاجرة أن يكونوا بريطانيين بالقدر نفسه الذي يكون فيه أبناء العائلات البريطانية القديمة بريطانيين.
ويخلص الكاتب إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود خطاب متطرف على هامش السياسة، بل في احتمال تحوله إلى تيار يتمتع بتمثيل برلماني وقدرة على التأثير في النقاش العام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة