آخر الأخبار

الجفاف يضرب قلب القارة العجوز.. أنهار جافة وحرائق مستعرة ومفاعلات نووية مهددة بالإغلاق

شارك





تواجه أوروبا أسوأ جفاف بتاريخها حيث انخفضت مياه الدانوب لمستوى هدد المفاعلات النووية في هنغاريا ورومانيا وشل الملاحة، فيما التهم الحريق مئات آلاف الهكتارات من الغابات.

انخفاض مستوى نهر الدانوب

كشفت دراسة حديثة أجرتها منظمة World Weather Attribution (WWA) أن التغير المناخي جعل هذه موجات الحرارة أكثر تكرارا وشراسة، حيث تقوم الأجواء الساخنة بـ "امتصاص رطوبة التربة" والمجاري المائية بشكل مبكر ومتسارع، مما خلف تداعيات كارثية طالت مختلف القطاعات الحيوية في عدد من الدول الأوروبية.


* أزمة نهر الدانوب: شلل تجاري وتهديد للطاقة النووية

يعيش حوض نهر الدانوب أزمة غير مسبوقة، إذ انخفض منسوب مياهه إلى أدنى مستوياته منذ 30 عاما، مما تسبب في تبعات اقتصادية خطيرة على الدول التي يمر بها، وفي مقدمة هذه الدول هنغاريا، حيث أعلن رئيس الوزراء الهنغاري بيتر ماغيار عن تهديد مباشر يواجه محطة "باكس" النووية، التي تؤمن نصف كهرباء البلاد.

ويعود ذلك لانخفاض مياه الدانوب المستخدمة لتبريد المفاعلات، مما أجبر السلطات على خفض الإنتاج ودعوة السكان لترشيد الاستهلاك، وتستعد الحكومة المجرية لانقطاعات التيار الكهربائي وتقنين الكهرباء في وقت يعاني فيه اقتصاد البلاد.

وفي صربيا، تتفاقم الأزمة بشكل دراماتيكي، حيث انخفضت قدرة أكبر محطتين للتوليد الكهرومائي (Djerdap I و II) إلى 20% و30% فقط من طاقتهما الاستيعابية.



وأعلن رئيس صربيا ألكسندر فوتشيتش أن الملاحة في نهر الدانوب بصربيا ستتوقف خلال أيام بسبب انخفاض منسوب المياه، وأن تزويد مصفاة النفط بمدينة بانشيفو بالمواد الخام صار مهددا نتيجة لذلك.

وجاء في بيان نقلته وسائل الإعلام المحلية عن فوتشيتش قوله: "لدينا مشاكل في مصفاة النفط بسبب انخفاض منسوب المياه. من المقرر عقد اجتماع لهيئة الطوارئ، وسنبذل قصارى جهدنا. آمل ألا نضطر إلى إيقاف عمل المصفاة. خلال يوم أو يومين، سيتوقف نهر الدانوب عن الملاحة حيث يجب تقليل غاطس السفن، وبشكل أدق الحمولة، بنسبة 50%".

وكان رئيس وزراء صربيا جورو ماتسوت قد أكد أن الوضع في قطاع الطاقة في البلاد معقد بسبب انخفاض إنتاج الكهرباء من محطات الطاقة الكهرومائية على نهر الدانوب، مما يستدعي من المواطنين ترشيد استهلاك الكهرباء، وتوقفت حركة الشحن التجاري والسياحي نهائياً في مناطق مثل "نوفي ساد" بسبب جفاف مجرى النهر.



أما في رومانيا وبلغاريا، فانخفض تدفق المياه إلى ثلث معدله الطبيعي ، وأعلنت شركة "مياه رومانيا" أن تدفق النهر عند مدخل البلاد بمنطقة بازياش بلغ 1600 متر مكعب في الثانية، متوقعة تراجع هذا المعدل إلى نحو 1500 متر مكعب في الثانية بحلول السادس من أغسطس، وهو تراجع أقل بثلاث مرات من المتوسط السنوي طويل الأمد لشهر يوليو، والذي كان يصل إلى 4750 متر مكعب في الثانية.

واضطرت البحرية الرومانية لتنفيذ تفجيرات موجهة لتغيير مسرى المياه نحو محطة "تشيرنافودا" النووية لإبقائها قيد العمل، بينما جفت الممرات المائية تماما بين رومانيا وبلغاريا عند جسر فيدين-كالافات، مما عطل قوارب الصيادين والشحن التجاري.

ونقلت قناة "ديجي 24" أن السفن الرومانية تضطر لعبور نهر الدانوب بنصف حمولتها المعتادة نتيجة تراجع منسوب المياه، بينما تتواصل مشاكل تفريغ البضائع في الموانئ، وأُصدر في 17 يوليو إشعار بـ"القوة القاهرة" لمساندة ملاك السفن الذين يعجزون عن نقل الشحنات المتفق عليها.

وفي مشهد يكشف عن عمق الجفاف الذي ضرب النهر، كشفت المياه المتراجعة للدانوب عن بقايا هياكل عظمية لحيوانات الماموث المنقرضة في بلغاريا، وقنابل غير منفجرة من الحرب العالمية الثانية في بودابست، وهو ما يزيد من خطورة الوضع في المنطقة.




* فرنسا: جفاف تاريخي وحرائق مدمرة

تعيش فرنسا ما وصفته وسائل الإعلام المحلية بأنه "أسوأ جفاف في تاريخها الحديث"، حيث التهمت النيران أكثر من 42,000 هكتار من الغابات، وتركزت الحرائق الشديدة في مناطق الجنوب الغربي مثل جيروند ولاند، مما اضطر السلطات الفرنسية إلى إجلاء أكثر من 63,000 شخص من منازلهم،.

ولقي إطفائيان حتفهما أثناء مكافحة النيران، وسجلت البلاد خسائر زراعية فادحة شملت أدنى محصول ذرة منذ 50 عاما، مما يهدد الأمن الغذائي في المنطقة.




* إسبانيا: بؤرة الحرائق الأوروبية المدمرة

وتعتبر إسبانيا حاليا الدولة الأكثر تضررا من الحرائق المستعرة في أوروبا الغربية، حيث أتت النيران على ما يزيد عن 116,000 هكتار من الأراضي والغطاء النباتي، وأعلنت السلطات حالة الطوارئ في مقاطعة مدريد ومناطق الوسط والشرق.

وتم إجلاء آلاف السكان وسط موجات حرارية تخطت حاجز 40 درجة مئوية، وأكدت تقارير لصحيفة The Guardian أن التغير المناخي ضاعف من احتمالية حدوث هذه الأجواء الجافة والعاصفة والمحفزة للحرائق في إسبانيا بمقدار 20 ضعفا، مما يضع البلاد في مواجهة مباشرة مع تداعيات الاحتباس الحراري.




* المملكة المتحدة: أغسطس الأجف في التاريخ

ورغم طبيعة الطقس الرطب تاريخيا في بريطانيا، فإن أرقام هيئة الأرصاد الجوية البريطانية (Met Office) صدمت الخبراء، حيث سجلت إنجلترا وويلز أجف شهر يوليو على الإطلاق منذ بدء تدوين السجلات عام 1836.

ولم تتجاوز نسبة الأمطار في جنوب إنجلترا 10% من معدلها الطبيعي، وشهدت حدائق كيو في لندن، التي تضم محطة رصد جوي منذ عام 1871، أول شهر تقويمي دون هطول أمطار منذ 155 عاما.

وامتدت رقعة الجفاف لتتسبب في حرائق عشبية كادت أن تهدد منشآت حيوية، مثل حريق منطقة "دونيتش هيث" الذي اقترب من محطة "سيزويل بي" النووية قبل أن تسيطر عليه فرق الإطفاء، وأعلنت وكالة الأمن الصحي البريطانية عن تسجيل آلاف الوفيات الإضافية المرتبطة بموجات الحر الحادة، وقال خبراء الأرصاد إنه "لا توجد مؤشرات تذكر على هطول أمطار واسعة النطاق ومستدامة تكون كافية" لإنهاء حالة الجفاف في بريطانيا.




* ألمانيا: ضغوط على الملاحة النهرية وموجة حر قياسية

وتواجه ألمانيا ضغوطا كبيرة على قطاع الملاحة النهرية، في ظل تراجع حاد في منسوب المياه بالأنهار الكبرى، بالتزامن مع موجة حر مرتقبة قد تدفع درجات الحرارة إلى 38 درجة مئوية.

وحذر وزير النقل في ولاية شمال الراين-ويستفاليا، أوليفر كريشر، من تدهور أوضاع الملاحة في نهر الراين، مشيرا إلى أن المؤشرات الحالية تدل على استمرار الصعوبات، كما أن الوضع في نهر الدانوب لا يزال حرجا.

ودعا كريشر إلى تشكيل فريق عمل وطني بشكل عاجل لوضع إجراءات تساعد في تحسين أوضاع النقل النهري، مطالبا بأن يكون انخفاض منسوب المياه في الأنهار الكبرى محورا رئيسيا خلال الاجتماع الاستثنائي لوزراء النقل الألمان.

وأكد أن ألمانيا بحاجة على المدى المتوسط إلى تنفيذ مشاريع تطوير الممرات المائية التي جرى الاتفاق عليها سابقا، مشددا على ضرورة توفير التمويل الاتحادي لاستكمال توسعة المجرى الملاحي لنهر الراين بين مدينتي دويسبورغ وكولونيا، بهدف ضمان استمرار حركة السفن حتى خلال فترات انخفاض المياه.

وتأتي هذه التحديات في وقت حذرت فيه هيئة الأرصاد الجوية الألمانية من موجة حر شديدة ستضرب البلاد، حيث من المتوقع أن تتراوح درجات الحرارة بين 30 و38 درجة مئوية، مع تسجيل أعلى المستويات في جنوب وشرق ألمانيا.

وقال خبير الأرصاد في الهيئة، نيكو باور، إن السكان لن يحصلوا على انفراجة من الأجواء الحارة قبل النصف الثاني من الأسبوع، مشيراً إلى أن موجة الحر ستترافق مع عواصف رعدية وأمطار غزيرة محلياً، إضافة إلى احتمال تساقط حبات البرد وهبوب رياح قوية.

ويزيد تزامن ارتفاع درجات الحرارة مع انخفاض مستويات المياه من الضغوط على قطاع النقل النهري الألماني، الذي يعتمد بشكل كبير على الأنهار الكبرى مثل الراين لنقل البضائع والطاقة والمواد الصناعية، مما ينذر بتبعات اقتصادية وخيمة قد تطال مختلف القطاعات الإنتاجية في أكبر اقتصاد أوروبي.

تتسارع وتيرة التحذيرات الرسمية في المشهد الأوروبي المأزوم وتتوالى الإجراءات الطارئة، بينما يرتفع منسوب القلق الشعبي من مستقبل مجهول في ظل أزمة مناخية تعيد رسم ملامح القارة العجوز، وتضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع تداعيات التغير المناخي التي لم تعد مجرد توقعات علمية، بل واقعاً ملموساً يفرض نفسه بقسوة على حياة الملايين.

المصدر: RT+ وكالات

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا